Pdf copy 1

آصف ملحم 
لا تخفَ على كل ذي بصر وبصيرة الخلفيات السياسية لهذه الحملة المحمومة، التي يقودها الغرب، حول اتهام الحكومة السورية باستخدام الأسلحة الكيميائية في الغوطة الشرقية؛ ونظراً لأن كل فريق يملك ما يكفي من المبررات والحجج (السياسية والأخلاقية) لدعم وجهة نظره، فكل فريق عنده ما يقوله في هذا الشأن، ولكل فريق جمهور يصدقه؛ وحرصاً على اكتشاف الحقيقة حول ما يجري في الغوطة، ابتعدنا هذا الجدل العقيم وحاولنا استقصاء الأدلة العلمية في دحض دعوى استخدام السلاح الكيميائي.
علاوة على ذلك، لن نخوض في البحث عن أسباب سقوط ضحايا من المدنيين في الحرب الدائرة الآن في سوريا، فهذه الحوادث واردة في جميع الحروب؛ ونحن في هذا السياق ندين جميع الأطراف التي تتسبب في قتل المدنيين الأبرياء.
منذ بداية العام الجاري، تكررت الاتهامات للقوات الحكومية السورية بقصف بعض مناطق الغوطة الشرقية بغاز الكلور السام؛ وهذه المناطق تحديداً هي: دوما (مرتين)، عربين، الشيفونية، حمورية. سيقت هذه الاتهامات جميعها إما على لسان مقاتلي المجموعات المسلحة أو نشطاء الدفاع المدني السوري المعارض (الخوذ البيض) أو المؤسسات والشبكات الإعلامية التابعة للمعارضة والعاملة في تلك المناطق. وفي الواقع، كان المصدر الوحيد للمعلومات، كالصور ومقاطع الفيديو، المرتبطة بهذه (الهجمات المزعومة) وسائل التواصل الاجتماعي التابعة للمعارضة. ولكي نستطيع الحكم على صحة هذه الاتهامات، قمنا بمراجعة خصائص هذا الغاز والآثار الصحية الناجمة عن استنشاقه أو التعرض له.
الكلور Cl2هو العنصر رقم (17) في الجدول الدوري للعناصر الكيميائية، ويكون غازاً في درجة حرارة أعلى من -34 درجة مئوية، لونه أصفر-مخضّر. تعود آثاره السمية إلى أنه عند انحلاله في الماء يُنتِج حمضان: حمض كلور الماء HCl وحمض الكلور HOCl، يتفاعل هذان الحمضان بدورهما وينتجان حمض كلور الماء والجذور الأوكسجينية الحرة.تعود جميع الآثار الصحية الناجمة عن هذا الغاز إلى مقدرة الأحماض آنفة الذكر والجذور الأوكسجينية الحرة على تدمير جدران الخلايا والأنسجة عند الإنسان، ولكن تتعلق درجة تضرر الخلايا والأنسجة بدرجة تركيز الغاز. يتم عادة تقدير التركيز بوحدة قياس ppm أو part per million، ويعني جزء في كل مليون (في حالة الكلور يوافق كل ppm لـ 2.9 ميلي غرام في المتر المكعب)؛ وهكذا ووفقاً للبيانات التي تقدمها معظم المصادر:
-عند التركيز 1-3 ppm، يحصل تهيج والتهاب خفيف في الأغشية المخاطية وأغشية العين، ولا يُسمَح البقاء في مثل هذا الجو لأكثر من ساعة.
-عند التركيز 5-15 ppm،يحصل تهيج والتهاب متوسط في الأغشية المخاطية وأغشية العين.
-عندتركيز أعلى من30 ppm، آلام طفيفة في الصدر، ضيق في التنفس، سعال.
-عند التركيز 40-60 ppm،التهاب رئوي تسممي وقد يحصل وذمة رئوية حادة.
-عند التراكيز الأعلى من 400 ppm، الموت خلال نصف ساعة.
-عند التركيز 1000 ppm، يحصل الموت خلال دقائق.
في الحقيقة، لدى تفحّص جميع الصور والفيديوهات التي تم بثها في الحوادث المذكورة أعلاه، فإننا لا نلاحظإصابة الأغشية العينية أو أغشية الوجه بشكل عام بأي التهاب ظاهر؛ علاوة على ذلك فإن أعين الأطفال المتوفين كانت سليمة تماماً، بالرغم من أن الأطفال أكثر تأثراً من الكبار عند التعرض لهذا الغاز؛وهذا ينطبق على جميع الحالات التي تم عرضها.
بناءً على ما سبق، فإنه يمكننا أن ننفي نفياً قاطعاً أن تكون أسباب الوفيات أو حالات الاختناق هي التعرض لغاز الكلور السام؛إذ أنه لا يمكن تصديق الروايات المتداولة حول الوفاة بغاز الكلور مع عدم وجود أي نوع من أنواع الالتهابات، سواء للأغشية العينية أو المخاطية أو الجلدية.وفي الواقع يُعتبَر سكوت خبراء منظمة حظر الأسلحة الكيميائية عن توضيح هذه النقطةللرأي العام العالمي مريباً ومثيراًللاستغراب الشديد.
ختاماً؛ نظراً للمسؤولية الأخلاقية الكبيرة المرتبطةبالسلاح الكيميائي، فإننا ندعو خبراء هذه المنظمة الدولية للاضطلاع بمسؤولياتهم الإعلامية في توضيح بعض القضايا التي تؤكد أو تنفي استخدامه؛فلا يجوز بشكل من الأشكال ترك الحبل على غاربه فيصبح الجمهور أسيراً للروايات التي يروج لهاغير المختصين في وسائل الإعلام، وما يكتنف ذلك من تحريض على العنف وتأجيج للرأي العام، الأمر الذي يؤدي إلى إذكاء نار الصراع الملتهبة أصلاً.
خبير في مركز الأوضاع الاستراتيجة في موسكو

التعليقات معطلة