الباحث السياسي زمن رشيد
حين يُحيي العالم المناسبات الخاصة بحقوق المرأة، وفي مقدمتها «اليوم العالمي لمساواة المرأة»، ينصرف الذهن في كثير من الأحيان إلى الخطابات الاحتفالية والشعارات النمطية التي تُختزل في الأطر الحقوقية المجردة، غير أن القراءة السياسية والتنموية الأكثر عمقاً تفرض علينا تجاوز هذه النظرة التبسيطية لمناقشة المساواة بوصفها ركيزة استراتيجية للأمن القومي والسيادة الوطنية والاستقرار المجتمعي، إذ إن الحديث عن مساواة المرأة لم يعد ترفاً فكرياً أو خياراً إدارياً ثانوياً، بل هو في جوهره معيار أساسي لقياس كفاءة الدول وقدرتها على التطور الاستثماري والسياسي، فالأنظمة الحديثة التي تسعى لبناء مؤسسات راسخة تدرك تماماً أن إقصاء أكثر من نصف المجتمع أو تحجيم دورهن في المساحات التنفيذية وصناعة القرار يمثل هَدراً بليغاً في رأس المال البشري وعاملاً رئيساً في اختلال التوازن التنموي، وتُعاني العديد من المجتمعات والتجارب السياسية اليوم من معضلة «التمكين الصوري»، حيث تُمنح المرأة مناصب أو تمثيلاً شكلياً لاستيفاء معايير معينة أمام المجتمع الدولي دون منحها سلطة التأثير والتغيير الفعلي، في حين أن التمكين الحقيقي الذي ننشده يكمن في انتقال المرأة من موقع المتلقي للقرارات والقوانين إلى موقع المصمم والمنفذ لها، وتحقيق الاستقلالية الاقتصادية عبر فتح الآفاق الكافية لتكافؤ الفرص في سوق العمل وتوسيع نطاق المبادرة والابتكار، فضلاً عن بناء الوعي المؤسسي الذي يربط مفاهيم العدالة والنزاهة والمواطنة بدور المرأة في المجتمع والدولة، وفي ظل التغيرات المتسارعة والأزمات الاقتصادية والجيوسياسية المتلاحقة، يواجه مبدأ المساواة تحديات مركبة تتراوح بين الفجوات الاقتصادية المستمرة وتحديات تمثيل المرأة في دوائر صنع القرار السياسي والأمني والتنموي، وما لم تتوفر إرادة سياسية حقيقية تترجم الشعارات إلى أطر قانونية ومؤسسية نافذة ستبقى المساواة مجرد عناوين برّاقة تُطرح في المناسبات السنوية، لذلك يجب أن يشكل هذا اليوم محطة نـــــقدية ومراجعة شاملة للمسارات السياسية والتنموية، فالدولة القوية لا تُبنــــى إلا بعقول وخبرات جميع أبنائها وبناتها، والمساواة الحقيقية ليست منّة تُمنح بل هي استحقاق وطني وعنصر جوهري لا استقرار ولا تنمية بدونه.


لا يوجد تعليق