خورخي غالان
ترجمة: خالد الريسوني
انقضت خمس مئة سنة، وأكثر من ذلك بقليل
وأنت بعدُ منتصباً في الضباب. لا تستطيع أن تستوعبَ
صوت النهر الذي ينمو مثل طفل في الثانية عشرة
ويصير رجلاً يتمدَّدُ فوق سطح
الحجارة، ويقفُ
ويقفزُ في الهوَّة، ويسقطُ على قدميه ويستمرُّ ويستمرُّ
حتَّى يعثُرَ على البحر، البحر الذي هو بيتٌ إلى الأبد.
أعلم أنك لا تفهم ثقل الأشجار الضخمة
ولا ترى لمعان الحجر البركاني
وهو يكسر عتمة الهواء،
ولا تسمع صرخة الزمردة الصغيرة
ولا تحسُّ اهتزاز [ثور] البيسون عبر البراري اللامتناهية،
البيسون الذي لا يستطيع حافرهُ أبداً أن يُدَمِّرَ اللَّونَ الأحمرَ
للزُّهورِ الصَّغيرةِ المنسية.
أنتَ لا تفهمُ جمال ما لا يقبلُ التفسير. ضوضاء
ما هو أصيلٌ، حيث لا يوجد الإنسانُ.
لسانك ليس لساني، والكلمات
تتشابه لكن ليس المعاني.
قد رأيت أنك تنظرُ إليَّ خمس مئة مرة، ولكن انظر إليّ
مرة أخرى، وتأملني واقفاً في جلاءِ الظهيرة،
أمام العاصفة الثلجية، أنا لست زائراً للعالم
أنا العالم ذاته، وأنا ريح الشمال
الوضيعة لمَّا احتكَّتْ بالرُّؤوس المنحنية
للمسكونين بالظلمة والموت.
أنا لست من سلالتك. والدُك
ليس والدي ولا والدتك ابنة أمي،
لكن ليس ثمة ما هو مختلف في نسيم المساء بالنسبة لنا،
نار المصباح ليست أجمل من نار الأتون الموقدة،
ليست حبّة البلوط أجمل من القوقعة البحرية
ولا البحيرة أجمل من يدٍ ملطخة بالطين.
عندما تُحكى حكاية الخلق، لحظة البدء هي نفسها
في كلِّ اللغات التي نعرفها.
في أعماق المياه، ليس ثمة مركزٌ ممكنٌ
ولا منتهى في مهب الريح، حيث يعود كل شيء.
قد رأيت حماماتٍ من ضبابٍ تهيمُ على وجوهها بين مبانٍ عاليةٍ،
ورأيت آلافَ الرِّجال يقعون في قبرٍ واحدٍ
وزهوراً كانت تولدُ فوقه، ووعولاً
تأكل من تلك الزهور، والمطر، والمراكب في البعيد،
ثم بعدئذ السُّهوبَ المقفرة والحالكة، وشخصاً آخر
يمشي القهقرى إلى الأبد، قد رأيت
وصَمَتُّ، ولذلك قبّلي الآن شفتي بلا حُبٍّ وافهمي ما طعم هذا الامتداد
حيث ليس ثمة اختلاف بين الهُوةِ والسَّماء.

