محمد صبحي
من أجل فهم شعر أمريكا اللاتينية، ككون متجانس متماسك مليئ بالثرواث والأعماق والاكتشافات والمغامرات والمفاتن، هناك الأعمال الكاملة لسيزار باييخو وبابلو نيرودا، وذلك الشاعر الثالث المكسيكي المتميز الحسّاس، اللاذع والمغامر والمتجدد بمرور الزمن، الذي وضع تلك الحروف الإحدى عشر في ختام قصائده وفي السطر الأخير من مقالاته: أوكتافيو باث. يجب أن يحضر اسم أوكتافيو باث (مكسيكو سيتي، 31 آذار 1914 – 19 نيسان 1998) ضمن هذا الثلاثي الرائد المؤسس، لقوة أعماله الشعرية وتنوعه وعمليات البحث الدؤوب التي قام بها للتغلب على صعوبات الخلق الأدبي، ومن أجل ذكاء وجلاء مقالاته المستبصرة عن الفن والفنانين وهوية بلده المعقدة.
اقرأ/ي أيضًا: نيلس هاو: في الحرب تكون الحقيقة الضحية الأولى
ثمة ولع بارز في شعر باث بالتجريب البنائي، قاده، في زمنه، إلى الحركة السريالية، وإلى جانب ذلك يتميز شعره أيضًا بإيروتيكيّته المتناغمة والحيوية وتفحّصه في مصائر الإنسان. شعر يطلّ على العالم من مكان أعلى قليلًا، له خفّة الطائر وبصيرة عابري السبيل وحكمة من عاش طويلًا. عاش أوكتافيو باث عملية تحولات دائمة في جميع مستويات وجوده. ما لم يتغيّر في الأثناء هو إيمانه بما يكتبه، وبالحرية التي شهد اغتصابها مرات، وذلك الحسّ الإغاثي الغامض في رسائله. يكتب: «كل قصيدة فريدة من نوعها، كلها أعمال تنبض، بدرجة أكبر أو أقل، كلها شعر، وكل قارئ يبحث عن شيء في القصيدة، وليس من غير المعتاد أن يجده، فهو يحمله بداخله».
كان دبلوماسيًا ومترجمًا ومؤسسًا للمجلات الأدبية، شارك بفعالية في الحياة المكسيكية وتطرقت مقالاته إلى مواضيع مختلفة مرتبطة بواقع بلده شملت في أبحاثها علومًا تؤكد موسوعية معرفته، مثل علم الاجتماع واللسانيات والتاريخ والسياسة، وصاحبها دومًا حدة تحليلية وسيطرة كاملة على ما يكتبه نثرًا. باث، الذي يعني اسمه بالإسبانية السلام، لم يكن سوى رجل حرب مثلما وصفه المؤرخ المكسيكي البارز إنريكي كراوث أثناء الاحتفال بالذكرى العاشرة لوفاته: «لم يكن رجل سلام، لكنه رجل حرب، حرب جيدة، حرب فكرية نبيلة يشنّها نتيجة غضبه وانفعاله، غضبه من خداع الأيديولوجيات، التشويش، التعصب، الإيمان السيئ وخصوصًا غضبه من الكذب. أما انفعاله فهو للحرية، للأدب، للوضوح، للنقد، للعقل، وخصوصًا للحقيقة».
في كتابه «الشعر ونهايات القرن» يقول: «قبل كل شيء أنا شاعر، وبالنسبة لجيلي ارتبط الشعر بالتاريخ. وُلدتُ في عام 1914 وكنت معاصرًا للاضطرابات الكبرى في القرن العشرين، صعود النازية والفاشية، حرب إسبانيا الحرب العالمية الثانية، استقلال المستعمرات الأوروبية القديمة.. كل هذا أثّر بعمق في مراهقتي وشبابي». لكن ماذا يفعل شاعر بالتاريخ؟ ماذا يفعل شاعر بالنقد، بالفلسفة، بالسياسة، بالرسم، بالعلوم الإجتماعية، بفن القصة والموسيقى؟ ماذا يفعل شاعر بقدر أمريكا اللاتينية الحزين؟ يجيب أوكتافيو باث عن كل هذه التساؤلات: «أكتب عما عشته وأعيشه. الحياة تساوي الفكر، والشعور والفكر هما اللذان يكوّنان الشعر»، ويصرّ: «أكتب الشعر لأن ليس لدي وسيلة أخرى تتجاوب مع احتياجي الداخلي». ويضيف: «أنا شاعر. كتاباتي الأولى -عندما كنت طفلًا- كانت قصيدة، ومنذ هذه الأبيات الطفولية والشعر هو حظّي الثابت. قصائدي الأولى كانت قصائد عن الحب، ومنذ ذلك الوقت وهذا الموضوع يظهر دائمًا في شعري». موضوعات مقالاته تشمل كل المجالات، فتتضمن أكثر من 25 عنوان منذ «متاهة العزلة» التي خرجت إلى النور في عام 1950 وحتى «ومضة الهند» التي ظهرت في عام 1995 قبل وفاته بثلاث سنوات. محيط أفكار كوني متوالد يتجاوز المكسيك وحدود القارة. لا يبحث فقط عن الخصوصية لكن الكونية. يغامر، يتحاور، يفترض، يرى الآخر ويسمح للآخر برؤيته. يتأمل، فيكون نهر من الأحداث الجمالية والانعكاسات نسبح نحن/القارئ فيه. إلا أن الشعر يظل دائمًا هو الفكرة الساكنة عقله: «أريد أن أشرح للآخرين طبيعة الشعر ووظيفته في المجتمعات. هو اهتمام لا يتخلّى عني أبدًا». وفي مقدمة كتابه «اللهب المزدوج» عن الحب والجنس والإيروتيكية، المنشور عام 1993، بعدما أتمّ عامه السبعين، يؤكد باث: «بالنسبة لي الشعر والفكر هما نظام للأواني المستطرقة».
مقالته «متاهة العزلة» خنجر من حجر، صدمة، تحليل نفسي يُطلعنا على أسرار المكسيك ويجعلنا نكتشفها من جديد. اطلاعنا على هذه الأسرار كان دليلًا لما سوف يفعله هذا الشاعر الشاب في مقالاته في المجالات المتعاقبة، فلا تجد فيها التاريخ الفكري فقط للمكسيك بل أيضًا للعالم الذي عاشه باث، لأنه قبل كل شيء رجل ولد في المكسيك لكن مركزه العالم. تحدثنا دائمًا كتابات باث عن كينونتنا، من نحن وكيف نكون، ليس فقط في عمله الرائع «متاهة العزلة» (الذي لم يترجم للأسف إلى العربية حتى الآن) لكن في كل أعماله الكثيرة سواء الشعر أو المقالات، منذ أن بدأ في شبابه وحتى وفاته في عام 1980.
وعندما سُئل عن النقد في بعض اللقاءات أجاب باث: «أعتقد أن الثقافة الحديثة في الأصل نقدية، وهذا بدأ في القرن الـ 18. في كل مرة تحاول فيها الدولة أو البيروقراطيون توجيه الثقافة ينشأ فن رسمي، يكون رديئًا. وفي الحضارة الحديثة النقد هو عنصر أساسي في الإبداع، فمثلا في الروايات العظيمة في القرن الـ 19، عند بلزاك وفلوبير وديكنز أو بروست، كان هناك نقد للمجتمع والإنسان. 

التعليقات معطلة