Pdf copy 1

أمينة خيري
حل المسائل الحسابية بدءاً من أسفل إلى أعلى أمر غريب للغاية، وفريد من نوعه، ومريب فى غايته. وهو أقرب ما يكون إلى مَن حصل على الإجابة النهائية لسؤال معقد ومتشابك ومترامى الأطراف ويتطلب عشرات الخطوات، لكن تُرِكت ورقة الإجابة فارغة، فقط نص السؤال ونص الإجابة. أما كيف وصل صاحب الورقة لهذه الإجابة، فيظل مجهولاً مطموساً. طمس الخطوات بكلام مرسل لا يقنع أصحاب العقول النقدية، والتغاضي عن شرح الطريقة التي تم التوصل بها إلى الإجابة، يعني في عالم العلم والتعليم أن الطالب لم يذاكر. أما أن يقتنع مَن حوله بعظمة الإجابة وروعتها دون السؤال عن الكيفية التي وصل إليها، فلا يعني إلا أن مَن حوله مُغيَّبون ملهيون متعلقون بتلابيب حلم الإجابة الصحيحة فقط دون معرفة خطواتها. الخطوات التي تدعو أحدهم إلى القول بأن أغلب إصابات جلطات القلب تحدث في نحو الثامنة صباحاً، وإن إحدى أبرز الطرق لتفادي حدوثها هو قطع ساعات النوم الليلي باستيقاظة سريعة في نحو الرابعة فجراً، ثم العودة إلى النوم، ثم يستخلص من ذلك أن عظمة الدين تتجلى هنا بوجوب صلاة الفجر، تعني أن الغاية من الاستخلاص هي الإبهار، والوسيلة هي الاستسهال. أسهل شيء في العالم هو الحصول على حقائق ونتائج دراسات وخلاصة أبحاث، ثم إدخالها في مفرمة كتلك التي عند الجزار، حيث قدر ضئيل من اللحم وكم مهول من الخضروات والأرز. وقد أَرَزَ «اشتد» في عالمنا منهج غريب لكنه مريح، بُني على جهد جهيد وعمل دؤوب، لا للتصنيع والابتكار، أو التفكير والإطلاق، أو التنمية والاختراع، ولكن لإعادة تدوير ما صنعه وابتكره واخترعه الآخرون، ومن ثَمَّ محاولة تركيب تراثنا عليه ليبدو وكأن الفكرة فى الأصل فكرتنا، والمنهج منهجنا، والاختراع اختراعنا، والابتكار ابتكارنا، ولكن لم ينقصنا إلا مرحلة بسيطة تافهة لا تستحق الذكر، ألا وهي تنفيذ الفكرة وتفعيل الاختراع وإنجاز الابتكار. نوعية أخرى من الابتكارات ابتدعها بعضنا، وذلك إحقاقاً للحق. وهي ابتكارات شكلية هيكلية إن نفختَ فيها تهاوت، وإن أدخلتها ماكينة البحث والتقصّي تبخرت. خذ عندك مثلاً حكاية الأشعة فوق البنفسجية الضارة التي تؤثر في النساء أكثر من الرجال، وأنه لهذا فرض الله الحجاب ليحمي النساء من هذه الأشعة التي تصيبهن وحدهن! وخذ عندك أيضاً مراكز العلاج ببول الإبل، واستمرار الحديث عن أجنحة الذباب حيث الداء والدواء في الذباب، والقائمة طويلة. ولن تقوم لنا قائمة مادمنا نكتفي بأن يكون دورنا في البحث والعلم والمعرفة والدراسة مقصوراً على تسلُّم ما وصل إليه الآخرون ثم نسبه لأنفسنا عبر إعادة بنائه من أسفل حيث النتيجة إلى أعلى حيث السؤال.

التعليقات معطلة