Pdf copy 1

 عادل عبد الحق
تنقبت بغداد بعد عام 2003 بنقابٍ كونكريتي بسبب تنامي العمليات الارهابية. آنذاك، لم يكد يمر يوم من دون حصول جريمة ارهابية. تحوّلت الأيام كلّها داميّة. لا يمكن للمرء نيسان الاحد الدامي، والاثنين الدامي، وهكذا إلى آخر أيام الاسبوع. كان دم الضحايا يملأ الشوارع، والحزن يملأ البيوت، والصبّات الكونكريتية تتكدّس في الشوارع.
الحكومات العراقيّة المتعاقبة، ومن أجل حماية الممتلكات العامة والوزارات والدوائر الحكومية المستهدفة من الإرهاب وهجماته الشعواء، لم تجد بداً من وضع الكتل الكونكريتية كأسيجة عالية لدرء الخطر. كان قراراً صعباً، قد يدمّر المدينة ويقسّمها، لكنه جاءَ بنتائج إيجابية على المستوى الامني، لكنهُ، وبطبيعة الحال، أخفى العديد من ملامح بغداد الجميلة.
وطوال العقد الماضي، كان الامل برفع «النقاب الكونكريتي» من على وجه العاصمة يراود الجميع، لكنه حلم استحال تحققه نتيجة الواقع الأمني المتردّي. وعلى هذا الأساس، نسي الكثير من سكّان بغداد وزائريها تفاصيل المدينة وشكلها وملامحها، والكثير الكثير من الشباب لم يتعرّف على شكل بغداد، لأنهم كبروا مع الكتل الكونكريتية. كان ما وراء الكتل الكونكريتية سرّاً لا يعرفونه.
وبعد الانتصار الكبير على الإرهاب وعلى بؤره، وبعد استتباب الأمن بفضل القوات الأمنية البطلة بكافة صنوفها ومسمياتها، كان أول قرار لرئيس الحكومة عادل عبد المهدي هو رفع الكتل الكونكريتية وفتح الشوارع والمناطق المغلقة منذ سنوات طوال.
حلّ القرار بشرة خير على مسامع العراقيين عموماً والبغداديين خصوصاً. بدورها انبرت الدوائر المعنية بتنفيذ القرار وبدأت بتطبيقه على أرض الواقع لتتنفس بغداد الصعداء وتزيح نقابها الكونكريتي المزعج وليعود رونقها وجمالها وبهائها من جديد.
اخيراً، رأى من لا يعرف بغداد ملامحها، وعادت الذكريات إلى الجيل الذي عرف بغداد، وبدأ جيل جديد يبني ذاكرته على مدينة تتعافى من الخراب. بغداد بدت هذه المرّة منتصرة على أبشع قوى الظلام.. هذا الانتصار أوجب عليها ارتداء حلةٌ اجمل لتظهر أبهى وأروع.
صحيح أن بغداد أزاحت نقابها الكونكريتي، ولكنها أيضاً ما زالت تحتاج الى الكثير من العمل لأن فيها جمالاً أكثر لم يظهر بعد، وفيها أناس يستحقون تقديم كل ما يجب تقديمه لهم بعد ما عانوه وعاصمتهم من ويلات ولهذا (نتمنى المزيد).

التعليقات معطلة