د.أمل الأسدي
تعيش النفس الإنسانية  الرؤی وتمر بها وكأنها عروجٌ روحي لايُعرف تفسيره، ولاتُفهم وسائله، ففعل النوم مرتبط بقدرة خفية، تأخذ الإنسان بعيدا في عوالم لاندركها ولايمكن لنا تفسيرها، يفقد فيها الإنسان قدرته علی التحكم في واقعه المألوف،قدرته في التحكم بجسده أو التحكم في عقله، أو التحكم في مشاعره، وقد أورد لنا النص القرآني وصفا لهذه الحال في قوله تعالی:((اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) (١) وهذه الآية تتحدث عن عوالم تلتقي فيها الأرواح، عوالم بين الواقع والخيال، بين الأرض والسماء، وأن القادر علی إمساكها أو عودتها، والمتحكم فيها هو الله تعالی؛ لذا لايمكنك تفسير بعض الحالات التي تمر بها، كأن تری شخصا ميتا يوصيك بشيء ما أو يحذرك من شيء ما، أو يطلب منك شيئا ما، أو قد تری شخصا مازال حيا يأتي لزيارتك، وحين تستيقظ تجده يتصل بك أو يزورك.
وقد تكون مستيقظا فتری نفسك في لحظات تعيش سيناريو غريبا ومشاهد لم تحدث، تترك أثرها عليك وعلی نفسيتك وعلی جسدك، وأحيانا تری شخصا أو مجموعة من الأشخاص لاتعرفهم، يتحدثون إليك في أمر شهدته واقعا وبقيت متعلقا به، أو يطلبون منك أن تكون مرسالا إلی شخصٍ ما مرتبط بالحدث الذي عشته!! وعلی أية حال فالأحلام ترتبط بصفاء الإنسان؛ وكلما ابتعد بنفسه  عن فوضی الحياة وعبثها الذي أخذ يزداد يوما بعد يوم، كانت روحه مُحلِّقة في عوالم غريبة وكأنها لحظة كشف أو انخطاف أو تجل، يصعب تأويلها.
وبعيدا عن ذلك؛ يعيش الكثير من الناس حياةً واقعية، يعيشون تفاصيلها وضغوطها ونعمها وجريانها، وصخبها بسبب التكنولوجيا والقوی المتحكمة بالعالم، يعيشونها بعيدا عن تذكر قوله تعالی: ((مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ))(٢)  وبعيدا عن قوله تعالی:((إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ۞كِرَامًا كَاتِبِينَ۞يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُون))(٣) فأيّ أمر  أو حوار أو خطاب طبيعي، اعتيادي في حياتنا؛ هو مسجل ومثبت  ومنظور إليه، وكله مستنخ في كتابٍ آجلٍ لايغادر صغيرةً ولا كبيرة!!
وبناءً علی ذلك سأروي لكم قصتي مع قصيدةٍ شعرية رائعة، كان ذلك في عام 2016 حين نشر الأخ الشاعر المصري الدكتور البيومي محمد عوض قصيدةً عنوانها « نشيد الزهراء» 
قرأت القصيدة وكتبت له رسالة طالبةً استبدال كلمة» لحم» الواردة في البيت الآتي:
رُوحِي لَكُمْ لحمٌ كُلُوهُ عَلَى الهَنَا 
 إِنِّي أَفِيضُ عَلَى الحَيَاةِ هَنَاءَ
قلتُ له:  إن دلالة أكل اللحم سلبية في ذهن المتلقي العربي المسلم، فقال لي: نعم، سيكون إن شاء الله
وبالفعل استبدلها بكلمة أخری وأصبح البيت بهذا الشكل:
رُوحِي لَكُمْ قَمْحٌ! كُلُوهُ عَلَى الهَنَا 
 إِنِّي أَفِيضُ عَلَى الحَيَاةِ هَنَاءَ
في هذه الليلة  رأيت في منامي رجلا  يتحدث إليّ قائلا:
قولي له: القصيدة ناقصة؛ لماذا لم يذكر أبناء الزهراء وما حل بهم؟
وبالفعل؛ أول شيء فعلته حين استيقظت، كتبت له رسالة وأخبرته بالرؤيا، فرد عليّ: الله أكبر…
اللهم، صل علی محمد وآل محمد
ثم قال: سيكون إن شاء الله
فأضاف عليها هذه الأبيات:
حَسَنَ الهُدَى! يَا بَرُّ، يَا كَبِداً مُقَطَّعَةً *  أُرِيتُ نُجُومَهَا أَشْلَاءَ
عَيْنِي عَلَيْكَ! وَأَنْتَ تَلْفِظُهَا دَماً * جَرَتِ السُّمُومُ بِجَنَّتَيْهِ بِطَاءَ
عَيْنِي عَلَيْكَ! وَأَنْتَ لَا أُمٌّ هُنَالِكَ أَوْ أَبٌ يَتَفَجَّرَانِ دَوَاءَ
عَيْنِي عَلَيْكَ! وَأَنْتَ عَيْنُ المُصْطَفَى المُخْتَارِ سَيِّدِ مَنْ غَدَا أَوْ جَاءَ
عَيْنِي عَلَيْكَ! أَهَؤُلَاءِ مُحَمَّداً حَفِظُوا لَهُ الأَسْبَاطَ وَالأَبْنَاءَ؟
أَوَّاهُ! لَوْ أَنِّي بِلَا عَيْنٍ! بِلَا * قَلْبٍ! بِلَا..! لَكِنْ رَهُفْتُ جَلَاءَ
مَا أَثْقَلَ الأَنْوَارَ يَا أَبَتِي! عَلَى كَتِفِي حَمَلْتُ جِبَالَهَا السَّوْدَاءَ
مَا أَعْجَبَ الأَقْدَارَ يَا أُمِّي! لِمَاذَا فِي الجَمَالِ أُعَالِجُ الأَرْزَاءَ؟
أَوَكُلَّمَا قَمَرٌ تَفَتَّحَ فِي المَدَى، شَنُّوا عَلَيْهِ الغَارَةَ الشَّعْوَاءَ؟!
**
صُمْ يَا حُسَيْنُ! فَلَا لِتَكْظِمَ شَهْوَةً! شَهَوَاتُنَا أَنْ نَسْتَمِيتَ رِعَاءَ
صُمْ يَا حُسَيْنُ! غَداً تُذَادُ عَنِ الوُرُودِ * وَأَنْتَ مَاءُ اللهِ هَبَّ وِجَاءَ
سَيَكُونُ أَنْ تُحْتَزَّ رَأْساً طَاهِراً * وَيَكُونُ أَنْ تُسْبَى الشُّمُوسُ بَهَاءَ
وَيَكُونُ أَنْ تَبْكِي السَّمَاءُ عَلَيْكَ يَا وَلَدِي، وَيَبْكِي المُرْسَلُونَ سَوَاءَ
صُمْ يَا حَبِيبِيَ! عَوِّدِ الرُّوحَ الظَّمَا * مِنْ قَبْلُ مَاتَ الأَنْبِيَاءُ ظِمَاءَ

التعليقات معطلة