علي عنبر السعدي
– الدولة العاجزة – الدولة المعجزة
– المفهوم والمعلوم في الدولة
– مراحل الانتقال من دولة الظلم – الى دولة الحلم
من المقولات التي صنعها الاعلام ،و ارتقت الى مستوى (القداسة ) ،هي «: العراق دولة فاشلة ، وقد أصبحت من مسلمات الخطاب السياسي ، من دون بناءات فكرية ، تظهر متى وكيف تكون الدولة فاشلة ؟ وماهي المعايير لذلك ؟؟
هناك مايمكن تسميته بالمفهوم والمعلوم في الدولة ،
فالمعلوم ان الدولة تتكون من : حضن و نبع وظل وارادة ، أي مساحة أرض ومصدر عيش وسلطة فاعلة ،وارادة اجتماعية متفاعلة .
أما المفهوم ،فهو وظيفة ( الظل – السلطة الفاعلة ) في ادارتها لنشاط المجتمع وحفاظها على أمنه .
لكن حينما يخرج هذين المعيارين من مرتكزات الفكر السياسي ، تخرج السياسة والمجتمع معاً ، لتقع في خطأ الحساب وارتباك المفهوم والمعلوم ، فحين يجري تصوير الدولة كمخلوق خرافي يستطيع العمل وفق (شبيك لبيك) عندها سيصبح مفهوم الدولة هلامياً في تعريفه ، لكن ينبغي ان يكون نموذجيا في ادائه .
الانقلاب من دولة الظلم ، الى دولة الحلم ، أصاب العقل العراقي بالدوار وأفقده القدرة على التركيز ، فالظلم يمنع استقرار العقل وحكمه السليم على الأمور ، والحلم يفقد العقل قدرته الموضوعية ويجعله يتوه في عالم المخيال ، ذلك لأن الدولة مفهوم واقعي ،لا حلم رومانسي ، وقدرتها على اداء وظيفتها ،مرتبط بمجموعة من العوامل ،التي ينبغي من خلالها عقلنة وتحديد مهام الدولة ، والا ستصبح كسمكة يراد منها تسلق شجرة .
الدولة الفاشلة ،هي تلك التي تنهار مقوماتها الاساسية ، بما فيها نظامها السياسي ، والأخير لايعني السلطات الحاكمة بذاتها ، بل طبيعة العلاقة بين السلطات الثلاث ( التشريعية والتنفيذية والقضائية ) وتحديد طرائق الوصول الى السلطة بمقوماتها الثلاثة .
لذا فالدولة التي حافظت على وحدة أرضها وشعبها ، وتمارس سلطتها وتفرض قوانينها ضمن دستور مصوت عليه ، والتزام بمعايير النظام السياسي ، تلك مقومات دولة قائمة ، فالدولة لا يحكم بفشلها ،لعدم قدرتها على انجاز خدمات معينة ، وفي ظروف استثنائية ، فليس في مسار الدول عبر التاريخ ،ان تكون مثالية معيارية ، فهناك دول قائمة على ثنائيتي (حاكمية ومحكومين) للحاكم كل الحقوق ، وعلى المحكوم كل الواجبات ، ومع ذلك تقدم نفسها بكثافة بكونها (ناجحة ) .
لقد انتظم الخطاب السياسي العراقي ، على طريقة المجندون في معسكرات التدريب الأولية ، لتعلم السير بالنظام المرصوص.
كان معسكر الوشاش (الزوراء الحالية) قريباً ، نقطع الشارع ركضاً ، ثم نقف خلف السياج ،للفرجة على صفوف الجنود وهم يسيرون بانتظام بأمر من العريف أو رئيس العرفاء ، ييس – يم – ييس – يم – طابور قف ،فيتوقف طابور الجنود دفعة واحدة ،ويبقون ثابتين حتى يوعز العريف (استاريح – استعد – ) انصراف – فيتراكضون كل الى موضعه ، وكل عريف يرأس طابوراً يتحرك بأمر منه ، ومعظم هؤلاء كانوا من المكلفين المساقين قسراً للخدمة العسكرية .
(جنود) المتذمرين ،يشبهون اولئك الجنود ،فكل ((نجم)) من زلم مواقع التواصل ، بات بمثابة عريف يقود طابوراً من ((المعجبين)) الذين ينتظرون الايعاز منه ،اذ يكفي ان يضع بضع كلمات – حتى لو خبراً بائتاً أو اكذوبة ملفقة – المهم ان العريف ينطق بمرددات الدولة الفاشلة ،فتمتد الإعجابات والتعليقات والمشاركات ، كأنما بإيعاز مسبق من العريف الاعلامي – ييس – يم – ثم فجأة تختفي تلك الطوابير ،اذا غاب العريف بدوره .
وكما الجنود المستجدين ، الذين يملأهم الزهو، لانهم تعلموا السير بنظام الطابور ،معتبرين ان ذلك هو جوهر العلم العسكري ،كذلك ينتشي جنود التواصل ،وهم يتابعون عريفهم وكأنهم امتلكوا الثقافة كلها .
لكن مايسجل للجنود انهم يعرفون عريفهم شخصياً ،ويعرفون الهدف الذي يتدربون من أجله ، وانهم ملزمون الالتزام به ،والا عوقبوا . أما (مجندو) الاعلام ،فلايعرفون شيئاً عن محركهم ولا هدفه ، ومع ذلك يقودهم كما يشاء .

