الباحث السياسي/ زمن رشيد
تأتي الأزمة المالية المتجددة في العراق كعرض لمرض ساخت جذوره في الجسد الاقتصادي والسياسي للبلاد، وليست مجرد ظاهرة طارئة مرتهنة بتقلبات أسعار النفط العالمية؛ فعلى الرغم من الموارد الطبيعية الهائلة، يجد الاقتصاد العراقي نفسه عند كل منعطف في مواجهة مأزق مالي حاد يهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي، ويكشف الهشاشة البنيوية لدولة تتكل بشكل شبه كامل على مورد واحد لتمويل تطلعاتها وتشغيل مؤسساتها. وتتجاوز هذه الأزمة بعدها المحاسبي المتعلق بفجوة العجز بين الإيرادات والمصروفات لتعبّر عن أزمة عميقة في نموذج إدارة الدولة؛ حيث تحولت السلطة التنفيذية عبر العقود الأخيرة إلى ما يمكن تسميته «بموزع الرواتب الكبير»، بعدما أدى النظام السياسي القائم على المحاصصة وتوزيع الغنائم إلى تضخم هائل في الجهاز الإداري للحكومة، مما أوجد موازنة تشغيلية مفرطة تلتهم الحجم الأكبر من الإيرادات النفطية على حساب الموازنات الاستثمارية والتنموية الكفيلة بتطوير البنية التحتية وتنشيط القطاعات الإنتاجية. ويقف غياب التنوع الاقتصادي كأحد أبرز أسباب هذا المأزق، إذ بقيت القطاعات الحيوية كالزراعة والصناعة والسياحة والخدمات شبه معطلة ومهمشة، الأمر الذي أضعف مساهمة القطاع الخاص وجعله غير قادر على امتصاص الأعداد المتزايدة من الخريجين وقوة العمل الشبابية، بالتوازي مع الفساد المالي والإداري وشبكات المصالح النافذة التي تمثل نزيفاً مستمراً للموارد العامة وتعرقل محاولات تعظيم الإيرادات غير النفطية مثل الجباية الضريبية والجمارك، لتصبح السياسة المالية رهينة دورات الانتعاش والكساد في أسواق النفط العالمية وتدفع السلطات عند الهبوط إلى خيارات أحلاها مرّ كالاقتراض أو الضغط على الاحتياطات النقدية. ومن هنا فإن معالجة هذه الأزمة لا تتم عبر الحلول الترقيعية القائمة على تقليص مؤقت للإنفاق أو التوسع في الديون الداخلية والخارجية، بل تتطلب إرادة سياسية جادة لمباشرة إصلاحات هيكلية شاملة تنطلق من تنويع الإيرادات وتفعيل القطاعات الإنتاجية وتحفيز الاستثمار في الزراعة والصناعة والبتروكيماويات، وإصلاح الوظيفة العامة والإنفاق التشغيلي عبر ضبط سلم الرواتب وربطه بالإنتاجية، فضلاً عن أتمتة وحوكمة النظام المصرفي لمنع تهريب الأموال ومحاربة الفساد المالي، وإنشاء صندوق سيادي للأجيال يُحوّل جزءاً من الفوائض النفطية في أوقات انتعاش الأسعار لاستثماره حمايةً للدولة من صدمات الأسواق، إذ إن التحدي المالي ليس قدرًا محتومًا بل نتاج سياسات متراكمة يستوجب تجاوزها تحولاً جذرياً في فلسفة الإدارة العامة نحو بناء دولة الإنتاج والمواطنة، وتجاوز منطق الدولة الريعية التي تستهلك حاضرها على حساب مستقبل أجيالها.


لا يوجد تعليق