مفتاح شعيب
أقل ما يمكن أن تفعله مصر ثأراً لدماء أبنائها الذين ذبحهم تنظيم “داعش” في ليبيا أن تشن غارات جوية على معسكرات الإرهاب، أما أكثره فأن تشن حرباً لا هوادة فيها تستخدم فيها كل إمكانياتها العسكرية والدبلوماسية والإعلامية لمحاصرة الفئات المجرمة وتقتص منها لكل من قتل غدراً .بعض المراقبين المهتمين بمجريات مكافحة الإرهاب أثاروا، كالعادة، مخاوف من وجود مؤامرة تستهدف جر الجيش المصري إلى فخ في ليبيا، وأفاضوا في تحليل أبعاد ذلك، حتى ليكاد يخيل إلى كثيرين أن التحذير من التدخل هو المؤامرة بحد ذاتها، في حين أصبح واضحاً للعيان أن ترك الوضع في ليبيا مشاعاً للجماعات الإرهابية والخلايا الإجرامية، سيكون له تبعات أخطر من أي مخاطر قد تحصل جراء أي تدخل مصري سواء كان منفرداً أو ضمن ائتلاف دولي .
المخاوف من “فخ” محتمل لمصر في ليبيا تكون مشروعة إذا كان أي تحرك في ذاك الاتجاه سيتم من دون دراسة مسبقة وتحديد للأهداف المطلوب تحقيقها، ولكن لا يجوز لأي كان أن يبخس الدول والجيوش حقها، فالجيش المصري يصنف كأكبر جيش عربي والأكثر عدداً وعدة في المنطقة . ولا يمكن تخيل أن جيشاً بهذا الحجم وله تاريخ عريق وتجارب قتالية مشهود لها، لا تقف خلفه مؤسسات وقيادات وأجهزة لها الخبرة في التخطيط وقيادة العمليات تجنبه السقوط في الفخاخ المكشوفة . وبوضوح أكبر فإن مكافحة الإرهاب في ليبيا ومساعدة شعبها على بناء دولته وحفظ أمنه هي قضية مصيرية بالنسبة إلى مصر والوطن العربي، وحتى إذا تطلب الأمر تضحيات ومكابدة فيجب أن تبذل من أجل تأمين مستقبل الأجيال القادمة .
إيطاليا، المستعمرة السابقة لليبيا، أعربت عن استعدادها لإرسال آلاف الرجال إلى هذا البلد لمكافحة الإرهاب وحماية شواطئها من قوارب المهاجرين، ومع ذلك لم تحذر الصحافة الايطالية من “فخ” هناك، بل بدا شبه إجماع في روما على أن تأمين ليبيا هو جزء من الأمن القومي الإيطالي والمتوسطي . ومن أجل ذلك أصبحت إيطاليا من أكثر الأصوات مطالبة بقرار أممي، قد يصدر هذا الأربعاء، يسمح بتدخل دولي واسع براً وبحراً وجواً . وبعد ذبح الرهائن الأقباط في تلك المجزرة المهينة للإنسانية، بدأت مصر أيضا التحرك، وهو الموقف الذي يجب أن يتم بأسرع وقت، ولو فوت المجتمع الدولي هذه الفرصة قد يندم لاحقاً لأن الخطر استفحل بشهادات الليبيين أنفسهم الذين أصبحوا يستغيثون ويستنجدون بعد أن وقعوا في الفخ الذي نصب لهم قبل أربع سنوات حين صور لهم الغرب وبعض العرب العقيد الراحل معمر القذافي شيطاناً تجب محاربته، وقد كان ما كان حتى حلت اللعنة بمئات الميليشيات والمعسكرات الإرهابية .
مع إطلاق أول غارة مصرية على الإرهابيين في مدينتي درنة وسرت، رحب مسؤولون ليبيون منهم رئيس الحكومة عبدالله الثني وقائد الجيش اللواء خليفة حفتر بالتحرك المصري، بينما أكدت أغلب ردود فعل الليبيين على مواقع التواصل الاجتماعي تأييدها، وأغلب الأغلب أبدى اطمئناناً للتدخل المصري وتوجساً من أي تدخل غربي مماثل، بينما اعتبرت الجماعات المتطرفة مثل حكومة ميليشيا “فجر ليبيا” الغارات المصرية “عدواناً”، وهو موقف ليس عفوياً وله دلالات بعيدة، أقلها الإحساس بأن يومها الأخير بدأ يقترب أو هكذا يلوح.

التعليقات معطلة