علي حسن الفواز
حروب الوقائـع التـي تجري عـلى أكثر من جبهة تضع المجتمـع الدولي أمـام رهانات مفتوحـة، فهذه الحروب هي ذاتها حروب الحقائق، وحروب نهاية المركزيات التـي فرضـت هيمنتهـا على منطقـة الشرق الأوسط منذ عقود.
المهـم فـي هذه الحروب أنها متلازمة في عقدها وفي جبهاتها، وفي طبيعة القوى التي تقف وراءها، بدءا من حرب اليمن الى حروب العراق وسوريا وليبيا، وانتهاء بحرب القلمون.
السؤال الذي لم يعد يحتاج الى تورية يتجوهر حول عن هوية من يقف خلف هذه الحروب؟ ومن يموّل قواها العنفية والتكفيرية، ومرجعيات خطابها السياسي والعقائدي؟
الإجابة لا تختزل موقف هذا الطرف أو ذاك، بقدر ما تعبّر عن تموضعات سياسية تقودها دول وجماعات، ولعل دور المملكة العربية السعودية في هذا المعطى هو الأكثر تورطا في أسبابها وفي نتائجها، ليس لأنها تمثل مخططا دوليا للسيطرة على الجغرافيا السياسية حسب، بقدر مـا هـو سعيها للعمل على تعويـق بـروز أية قوة جديدة لها منظورها المختلـف لمفهوم الدولة وللحريات والحقـوق والسلم الأهلي، ولمنع إعادة إنتاج المركزيـات الطائـفيـة والجـماعاتيـة.
سيناريو الأحداث منذ العام 2003 يجري على أرض ساخنة، وعلى وفق ترسيمات متقاطعة، إذ تتبدى عبرها أدوار لدول المنطقة التي تقودها السعودية، والتي تعمل على إفشال التجربة السياسية في العراق، وعلى إثارة نزاعات الاقتتال الطائفي، والتقاطع السياسي، ومنـع أيـة فرصة لإحداث تغايرات لحوار سياسي بين المكونات العراقية على وفق مبدأ التعايش والتكامل، حتى باتت الوقائع تتشكل بالضد من الحقائق، وبما يضخ فيها المزيد من الصراع والاحتراب، بدءا من أحداث الاغتيالات الممهنجة لرموز سياسية عراقية، وصولا الى ممارسة علنية لسياسة التعويق والتعطيل والتههيج، وإثارة النزاعات بلبوس طائفية وليست سياسية، وانتهاء بالأحداث التي رافقت تفجير الوقائع العراقية بالعنف والقتل الطائفي، لا سيما بعد أحداث تفجيرات سامراء.
المرحلة الثانية من تفجير الوقائع بدأ مع تضخيم الصراع الطائفي، وبدء مرحلة العصيانات المعروفة في ساحات الاعتصامات فـي مدن الرمادي والموصل وكركوك وديالى وصلاح الدين، والتي حملت شعارات طائفية مهددة للسلم المدنـي، وصولا الى حـد اقتحام المدن، الامـر الذي ادى الـى البدء بالمرحلـة الثالثة التـي تتـمثل مظاهـرهـا جـماعات “داعش” الإرهابية عبر احتلالها لمحافظتي الموصل وصـلاح الدين في 10/6/2014 إذ كشفت أوراق سياساتها وتوجهاتها من وجـود قوى إقليمية ودوليـة وداخليـة لها دور خطير في تغذيتها، بإتجـاه خلـق وقائـع اجتماعـية وسياسية وأمنيـة ضاغطة فيها ومهددة فـي جوهرها للعمليـة السياسـية.
حرب اليمن والتحالفات الهشة
حرب اليمن الفاشلة كشفت عن وقائع مضادة، وعن حقائق تفترض فك الاشتباك، وإزاحة الغامض والملتبس عنها، وأول هذه الوقائع يتمثلها الدور السعودي المثير للجدل في تشكيل ملامحها، ومزاجها السياسي والأمني، وربما الطائفي، وثاني هذه الوقائع يرتبط بالتحالفات الهشة التي حاولت أن تصنعها السعودية مع بعض دول الخليج، أو حتى مع بعض الدول العربية.ولعل النتائج غير المتوقعـة لأحداث اليمن كشفت عن هـذه الهشاشـة، وعن بدء انفـراط عقد هذه التحالفات، لاسيما بعد انسحاب باكستان ومصر من هذا التحالف، فضـلا عـن فشل مؤتمر الرياض حول الموضوع اليمنـي، وعدم قدرة المجتمعـين على الخروج بخطة عمل واقعيـة وعقلانية لرسم خارطة سياسية واضحـة لليمن، ولإنقاذها من الحرب العدوانيـة ومن الصراع الأهلـي الـذي أخـذت ملامحـه تتجسد بشكل واضح في المنطقة.
كما أن فشل اجتماع كامب ديفيد بين دول الخليج والرئيس الاميركـي في الحصول علـى وعـود أمنيـة وسياسية قاطعة، وفي إيجاد تحالف صلب، وتشكيل قوة سياسية وأمنية بوجه الوقائع الجديدة التي باتت تتشكل في اليمن، وبوجه القوة الإيرانية السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي مع دول 5+1 وغياب بعض أمراء الخليج عن الاجتماع هو تأكيد على ارتباك التحالفات السياسية، والقراءات الامنية المشتركة.المرحلة الأخطر في الوقائع السعودية باتت أكثر تصدعا بعد أحداث تفجير القطيف، والذي راح ضحيته العشرات من الشهداء والجرحى من المصلين، واعتراف داعش بهذه الجريمة، والتي تعني تصدعا خطيرا في الداخل السعودي، وبروز اليد الداعشية رسميا في داخل الوقائع السعودية الطائفية.
انهيار الأمن الإقليمي
ما يحدث في الوقائع العربية الآن مثير للجدل، ولإثارة الكثير مـن الأسئلة، لا سيما مـع سوء إدارة الملفات السياسية فـي المنطقـة، ومـع انهيار التحالفات العربية – العربية القديمـة في المنطقة، وبدء مظاهر صادمـة للأمن الإقليمي العربي، والـذي لم تتبلور أية ملامح حقيـقـية وواقـعيـة له، رغم وجود الكثير من الأخطار التي تهدد هذا الأمن، وأبرزهـا تهديد الجماعات الإرهابية، فضلا عـن التهديـد التـاريخي لإسرائيـل وتشريـدهـا المستمر للشعب الفلسطيني.مهددات الأمن الإقليمي ترتبط بأزمة السياسة غير العقلانية التـي تمارسها السعودية، وسوء تقديرهـا لتداعيات الأمن الأقليمي على المنطقـة، وضمن حسابات ضيقة الأفـق، بعضها يطمح الى السيطرة، والى تقسيم دول المنطقة وتشظية نظمها السياسية، باتجاه تنفيذ أجندة دولية قديمة، وقطع الطريق على الدول التي لديها تحالفات مع إيران، أوحتى توسيع أفق محتمل لما يسمى بـ(دول الممانعة) أو حتى (القوى الثورية للممانعة) والتي يمثلها الآن حزب الله في لبنان، وحركة أنصار الله في اليمن.خارطة الوقائع في المنطقة الضدية تفرض على السعودية إعادة حساباتها، وترتيب أوراق سياساتها المشتتة، إذ لم يعد الرهان الكامل على اميركا كافيا لترميم الصدع الإقليمي، ولا الحروب والتدخلات كافية لتصنيع (فرانكشتاين) عسكري وجماعاتي لمواجهة الخارجين عن مقدس الجماعة، لأنه قد يأكل صانعيه كما تقول الرواية المعروفـة، ولم يعد تحويل المنطقـة الـى ترسانة مسلحة، ومعسكر للإيديولوجـيات العنفية كافيا أيضا لترسيم حدود القوى الجديدة، وإخضاعها لموجهات طائفية وأمنية معقدة. وبطـبيعة الحال فإن الكثير من التغايرات ستضع الوقائع خارج سياق السياسات التقليدية، والأطـر المعروفـة فـي النظام الـدولـي، لا سيما وأن موقف الأمم المتحدة الأخير من حرب اليمن قد دعا الى حـوار يمـني – يمنـي وبـدون شروط – كما تريد السعودية – بسبب ما تعرضت له اليمن من انتهاكات انسانية خطيرة، مست بنيتها التحتية، ومنظومات الحياة الطبيعة والاقتصادية والصحية والبيئية، وهو ما يعد تجاوزا وانتهاكا لحقوق الإنسان.
فضلا عن كونه دافعا لإحداث صراع أهلي في اليمن، قد يكون سببا في صراعات طائفية في منطقة تعيش (على سطح صفيح ساخن)
فشل النظام السعودي الجديد في التعبير عن هويتـه، وعن قوتـه، وعـن مفهومه لتجديد منظومة السلطة في المملكة، تحول الـى فشل في التعاطي مع ملفات سياسية وأمنية، وحتى طائفية معقدة، فضلا عن إثارة الكثير من الجدل عـن طبيعـة المتغـيرات في الوقائع العربية، وفي طبيعة العلاقات الدولية، ونظرتـها لحسابات المصالح والصراعات القابلة للتفجير، ولتغيـير معادلات الصراع الدولية واصطفاف قواها السياسية والجماعاتية.