المستقبل العراقي / متابعة

* الإنسان مهما أوتي من العلم والخبرة والقدرة فهو بحاجة إلى الإستعانة بآراء الآخرين واقتراحاتهم 
– لم تفلح مشورة الآخرين في حياة السيد أبو سالم “ 53” سنة،عندما استمع لهم ونفذ مشروعا يجني من ورائه دخلا، وهو إقامة محل لبيع الخضراوات والفواكه في إحدى المناطق بالعاصمة بغداد.
فأجمع من شاورهم أبو سالم بأن الموقع مميز، وأن الخلو والإيجار للمحل مناسب ومغري جدا، والتأكيد له على أن الزبائن ستتزاحم بمجرد ملء المحل بالبضاعة.
يقول أبو سالم، “توكلت على الله، واشتريت المحل، ومن ثم بدأت بتنفيذ بعض الديكورات المناسبة من ستاندات، أرفف، مرايا، يافطة بإسم المحل، وشراء معدات المحل كاملة، وتم افتتاحه بوضع جميع أنواع الفواكه والخضراوات التي تشتهيها الأنفس وبأسعار جيدة ومنافسة”.
ويضيف، “فوجئت بعدم تردد الزبائن، حتى المجاورين للمحل، فمعظمهم يفضلون شراء الخضراوات والفواكه من المولات عند التبضع، وشراء الشيء البسيط الذي ينقصهم فقط من البضاعة الطازجة التي أنتقيها وأحضرها من حسبة الخضار والفواكه كل يوم، لذلك أغلقت المحل بعد ستة أشهر تفاديا للخسارة أكثر، عدا عن الشعور بالكآبة والإحباط اللذين رافقاني طيلة تلك الفترة”.
ويلجأ الإنسان عادة إلى الأخذ بمشورة الآخرين بأمر يواجهه في حياته، لذا فإنه يحتاج إلى استشارة العقلاء وأصحاب الحكمة والرأي، حينما يغيب عنه الحل الصحيح، الذي يحتاج إليه في معالجة أموره ومشاكله.
والأخذ بالرأي والمشورة لا يعني مشورة أي أحد، إذ ينبغي أن يعتمد الإنسان إلى العقلاء المخلصين، فكم من مشورة زادت الأمر سوءا، وأوقعت في المهالك لعدم اختيار الشخص المناسب الحكيم الذي يعطي النصح الصحيح.
الموظف محمد عبد الحسين  من محبي الاستماع لنصائح الآخرين والأخذ بمشورتهم، ويقول، “أسعى دائما لمشاورة الآخرين في شؤون حياتي، وقد اعتدت على ذلك منذ الصغر، وغالبا ما تكون مشورة كبار السن صائبة وفي مكانها السليم، فلديهم حكمة وعقلانية وصدق ووفاء وإخلاص في إسداء مشورتهم لنا”.
ويذكر مثالا على إحدى المشورات المفيدة التي تلقاها قبل عدة سنوات، عندما جاءه عقد عمل في إحدى دول الخليج يتقاضى عليه أجرا شهريا مرتفعا مقارنة بما يتقاضاه في عمله هنا، إلا أن رفضه بعد معرفته ممن شاورهم بأن هناك تبعات لهذا العرض منها التحاق أولاده بالمدارس الخاصة وغلاء المعيشة في تلك البلد وغيرها من العقبات، والتي ثبتت صحتها بعد سماعه من بعض المغتربين معاناتهم لعدم ملاءمة ما يتقاضون مع ما يصرفون.
ويضيف، “لذلك أوجه أولادي في كل شيء وأقدم لهم النصائح من دون أن يطلبوها، وأحثهم دائما لتلقي المشورة من الآخرين، لأنني أجد أن هذا هو الأفضل لحمايتهم من التصرفات والقرارات الخاطئة التي سيواجهونها في المستقبل”.
وتؤكد السيدة هالة الربيعي؛ الأم لثلاثة أبناء، بأنها ترفض مشورة الآخرين سواء من قريب أو بعيد، كما تنزعج كثيرا عندما ترى زوجها يطرح أمرا ما يود أخذ المشورة فيه، معللة ذلك بأنها تشعر بالملل والوصاية على أفعالها وزوجها.
وتقول، “أنا وزوجي على درجة عالية من العلم والمعرفة، ولسنا بحاجة لمن يوجهنا ويفرض علينا رأيه ورؤيته الشخصية، وأشعر باستياء كبير عندما يعلم المقربون أو الأصدقاء بشؤون حياتنا ويأتون لتقديم نصائحهم ومشورتهم التي قد تودي لكارثة في حال استجيب لها”.
يؤكد الاختصاصي النفسي د. خليل اسماعيل:” أن هناك شروطا للمشورة، فيجب أن نختار الشخص المناسب الذي نتلقى المشورة منه ومعرفته بالموضوع الذي نريد، وعامل الخبرة والتجربة وعامل القرب، وعامل الإخلاص، وهناك مواصفتان هامتان يجب أن تتوفرا في صاحب المشورة هما المعرفة والمصداقية المتعلقة بالشخص ذاته. ويتابع، حتى الناس تصنيفهم للمصداقية والمعرفة غائبة، خصوصا في الأمور المعيشية والحياتية، فتميزهم للخبرة ضعيف، فمن الممكن أن يستشيروا أي شخص، وبالتالي يصبح هناك تسوق للآراء، وهذا خطير جدا.
لكن المشورة في موضوع اقتصادي من شخص له خبرة ومصداقية فهي في مكانها الصحيح، وفق اسماعيل، وكذلك الطبي فيجب أن تكون الاستشارة لطبيب ذي خبرة، مؤكدا أننا بحاجة إلى ذوي  الاختصاص بالاستشارة بحكم معيار واحد هو المصداقية، ويمكن أشخاص مصداقيتهم عالية لكنهم ليسوا على قدر من المعرفة، ويجب أن تقسم المشورة على أشخاص مختلفين وليس باتجاه واحد.
استشاري الاجتماع الأسري مفيد سرحان يبين أن الإنسان مهما أوتي من العلم والخبرة والقدرة لا يستطيع أن يستغني عن الآخرين، فهو بحاجة لهم وهم بحاجة إليه في مختلف النواحي ومنها الاستعانة بآرائهم واقتراحتهم.
وهذا يتطلب، كما يقول، أن يحسن الإنسان اختيار من يستشير، ومن أهم الأمور أن يكون المستشار صاحب خبرة في الموضوع الذي يستشار به، ليكون قادرا على تقديم الرأي والنصيحة وأن يكون صاحب خبرة وتجربة أو تخصص، وأيضا أن يكون صادقا في تقديم المشورة وأن يكون ملما بظروف الشخص وإمكانياته وقدراته، وأن تكون الاستشارة نابعة عن علم ومعرفة.ويردف سرحان “كما يجب أن يكون الشخص المستشير لديه الاستعداد للأخذ بأراء الآخرين والتنازل عن رأيه الشخصي، ومن المهم أن يتوكل الإنسان على الله بعد الاستشارة، وأن يترك الأمر لله بعد ذلك”.ومهما كانت النتائج فالمشورة هي اجتهاد بشري، من وجهة نظر سرحان، قد يصيب وقد يخطئ وإذا كانت النتيجة ليست في صالح الشخص فالأصل أن لا يحمّل الآخرين المسؤولية إن كانوا صادقين في تقديم النصيحة والاستشارة وأن لا يؤثر ذلك على علاقته المستقبلية.وهناك أشخاص للأسف يستشيرون، لكنهم لا يأخذون بالاستشارة، وفق سرحان، ويخطئون في التطبيق، خصوصا عندما يكون الموضوع معقدا، أو يأخذ تطبيقه فترة من الوقت، فيتم الأخذ بجزء من المشورة وتجاهل أجزاء أخرى، وفي المقابل يتم تحميل مقدم الاستشارة مسؤولية الفشل، علما بأن الاستشارة قد تكون كاملة وناجحة لكن المشكلة في التطبيق.

التعليقات معطلة