حين استعرض تاريخ العراق السياسي، لا أكاد اجد شعبا مثل شعبه قارع الاستعمار ووقف في وجه الاحتلال.. وكان جيلنا والجيل الذي سبقه والذي أعقبه، قد حمل راية النضال بشرف كبير وتضحيات عالية، ولعل الشعب العراقي منذ العهد العثماني وما تلاه من احتلالات بغيضة لقن المستعمرين بشتى مسمياتهم وصورهم دروسا في البطولة لا تنسى، وزرع الخوف في قلوبهم.. وليست ثورة العشرين ووثبة كانون وآلاف الشهداء وانهار الدماء والمسيرات والتظاهرات والاحتجاجات وقصائد الشعر والفتاوى الدينية والسجون والمعتقلات والنفي ونقرة السلمان، الا قليل من كثير، حتى تولد عندي ما يشبه اليقين ، ان العراقي يولد وهو يحمل جينات وراثية حاقدة على الاستعمار وعملائه ولا حاجة به ان يتعلم هذا الحقد في البيت أو المدرسة او الشارع، وإذا لم اكن مخطئا ، فان عقدي «الخمسينات والستينات» من القرن الماضي قد شهدا إضافة نوعية لتاريخ العراق النضالي.. تمثلت بما لا يحصى من التنظيرات والطروحات الفكرية التي تناولت بالدراسات المعمقة مفاهيم الاستعمار والامبريالية والغزو والاحتلال والثورة والنضال والكفاح المسلح والحرية والتحرر والانتفاضة وحق الشعوب في تقرير المصير بحيث اصبح الشارع العراقي «مناضلا واعيا» يدرك ماله، ويعرف حقيقة خصمه!
شيء ما تغير في الجينات الوراثية للإنسان العراقي، بحيث تقبل جزء كبير منا الاحتلال الأمريكي بعد 2003، وامريكا ليست دولة امبريالية نفط ، بل هي نظام يتزعم الامبريالية، وكنت في قراره نفسي أتلمس العذر لكل عراقي صفق للامريكان او استقبلهم بالأحضان كردة فعل من معاناته المريرة مع النظام السابق الذي امعن في إيذائه وظلمه وكان عذري او الاستنتاج الذي توصلت إليه سليما، حيث لم يمض زمن طويل على الاحتلال ، وقد تكشفت نوايا بقائه وسياساته المنحرفة للبلاد، حتى رفض العراقيون بلا استثناء أمريكا وبقاءها وسياستها وقاوموا وجودها بشتى السبل الشعبية والرسمية والعسكرية والسلمية والدبلوماسية، وتكللت مساعيهم بالنجاح!
فاروق كرار محمد، رجل من ابناء جيلي، وصديق قديم، ومناضل مشهود له، شخصية على قدر كبير من الثقافة والوعي، وهو الوحيد من بين العراقيين الذي التقي بهم كل يوم في عشرات الأماكن، ومن شتى التوجهات والأديان والمذاهب والقوميات، وأقول: هو الوحيد الذي يدافع عن الأمريكان وعن وجودهم. ولا يتحرج عن إخفاء حزنه لرحيلهم، والحقيقة فقد أثار موقفة حنقي وغضبي، ولهذا لم احتمل تماديه ، فوجهت له بحضور عدد من أصدقائنا كلاما موجعا ، وشتمت الأمريكان الذين كانوا وراء الطائفية وخراب البلاد، وختمت كلامي متسائلا (ماذا يعجبك فيهم ، وقد كانوا يأكلون لحم العراق ويرمون لنا العظام) وأبدى الحضور ارتياحا كبيرا لهجومي العنيف، حتى اذا فرعت من كلامي أجابني بهدوء (وكأنك نسيت ان جماعتنا أكلوا الهبرة واللحمة والشحمة والعظمة ولم يرموا لنا شيئا)، أربكني رده المفاجئ.. وكأي خاسر عمدت الى مزيد من الشتائم والغضب وقد ضحك الأصدقاء وقالوا (أفحمك الرجل وأقنعنا لان هذا هو واقع الحال) ولكنني رفضت القبول برأيهم والإصغاء إليهم، ومع أنني في أعماقي كنت مقتنعا ان الرجل على حق!!