مثلما تتألم بغداد اليوم من كواتم السلاح التي أصبحت لعبة الإرهاب المفضلة، نتيجة ضعف الخطط الأمنية، بدءا من الحدود مرورا بمصطلحات الاحتلال، في ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها, وهي تسمية تختزن صناعة التفرقة والعنصرية, وانتهاء بشوارع بغداد وتقاطعاتها وجسورها التي يتخذ منها قراصنة العقد النفسية والخواء الروحي وسطحية العقول صولات لجبهات قيل لهم إنها موصولة بجنة عرضها السماوات والأرض , وما دروا أنهم كالتي في جيدها حبل من مسد؟
وكواتم السلاح هذه، سوف لن تكون آخر ابتكارات الإرهاب، ومن تدنو نفسه من تحقيق مآربها عبر إزهاق الأرواح الآدمية تنفيذا لوعد قطعه إبليس على نفسه وسخر جنوده من أجل ذلك.
والذين قبلوا المنازلة لا عذر لهم في التسويفات, فالمنازلة تحتاج المزيد من فن الأداء, والأداء يحتاج المزيد من أعمال العقل, والعقل هو قائد الحكم ورائد المعرفة, فهل وظفنا في مسرح المواجهة عقولا تمتاز بمصداقية :” اتقوا فراسة المؤمن فأنه ينظر بنور الله “ ؟ أم اكتفينا بنعومة السروج, وسعة المعالف, قبل إحضار، والعاديات ضبحا, فالموريات قدحا, فالمغيرات صبحا, فأثرن به نقعا, فوسطن به جمعا، مع الاحترام والتقديس لسورة العاديات المباركة .
أما كواتم المال : فهي بدعة جديدة من بدع أهل السلطة وسدنة المال.
فهي الأخطر على قوت الناس ومعاشهم, وهي تدمير لاقتصاد البلد وإفلاس للخزينة, وضياع للثروة التي هي ملك العراقيين جميعا.
كواتم المال : هي تدمير للأخلاق , وانتشار للجشع والطمع, وفتح لأبواب السرقات, وصناعة للأنانيات, واستدامة للعوز, وتأسيس للفقر, والفقر صناعة للغربة في الأوطان, ومن هنا يبدأ تفكيك المواطنة، وإضعاف روح الانتماء.
وكواتم المال، ربما لا يعرفها غالبية المواطنين اليوم, وهي تنظيم سري يتعهده رؤساء بعض الكتل وبعض الأحزاب التي فتحت شهيتها على شراهة المال, فيعمدون إلى استغلال علاقاتهم مع المسؤولين ومواقع القرار في الحكومة, فيعينون لهم من يشاؤون من المقربين والمحازبين والمحسوبين عليهم , فيختارون من هؤلاء من هو قريب الاختصاص بالمال والعقود المالية, والأقسام القانونية , ودوائر التموين والتمويل، والصرف المالي، والعمل الحسابي , فيختارون من بين هؤلاء من هو موضع ثقتهم فيسمونه “ كاتما “ أي كاتم لأسرارهم وطريقة تصرفهم بالمال، والانتفاع به لمصالحهم الخاصة والشخصية حتى لاتنكشف سرقاتهم وتلاعبهم بالمال العام؟
هذا هو لغز “ كاتم المال “ وهو من مبتكرات بعض أحزاب السلطة ولاسيما تلك التي تنتظم أمورها ومكاتبها مع أجندات أجنبية, أو تلك التي تعاني من فقدان روح المواطنة الحقيقية ؟
والعراق اليوم محاصر بين نارين وخطرين، نار “ كواتم السلاح “ وخطر “ كواتم المال “ فالأول يشيع الذعر والهلع, وفقدان الأمن ؟
والثاني يشيع الفساد المالي والأخلاقي, ويؤدي إلى هروب الاستثمار والمستثمرين, مثلما يزرع الفقر الدائم, والعوز الدائم والإفلاس الدائم الذي يؤخر مشاريع الدولة, ويجعلها رهينة بيد الصندوق الدولي, مثلما يجعل الدولة محتاجة إلى فتات المساعدات الأجنبية التي لا تأتي إلا بعد امتصاص القدرة المالية للدولة على طريقة شايلوك وأصحاب المضاربات المصرفية التي تبتلع فرص النمو الاقتصادي, وتصادر فرص النمو الاجتماعي, وتتحكم بمفاتيح الاقتصاد والمشاريع إلى أمد لا يعرفه ويعرف أضراره إلا أصحاب الاختصاص والخبرة.