كان استقبالا رائعا وتوديعا مهيبا تستحقه جنازة محمد غني حكمت، الفنان الذي أدهش العالم بابداعاته الفنية واخلاقه الرفيعة وعراقيته الاصيلة التي عبر عنها بصدق بتصرفاته الانسانية وتجسيداته لتراث بلاده في اعماله الفنية.
شعرت بحزن عميق وأنا أجد صديقي ابا ياسر الذي عرفته منذ 35 سنة مسجى امامي لكن دموعي توقفت فجأة وانتصبت قامتي وأنا أرى النعش ملفوفا بالعلم العراقي تحيطه كوكبة من فرسان الجيش العراقي وحين عزف لحن الجنازة بعد أداء التحية رفعت رأسي للسماء وأدركت ان الرجل يستحق كل هذا الاحتفاء المهيب وان يعامل مثل الشهداء والفرسان النبلاء، أدركت فعلا انه محارب من طراز خاص واننا في عصر النبلاء نودع فارسا من فرسان الأساطير، وهكذا كان الفنان الراحل محاربا من نوع خاص كان يقاتل الفولاذ والحديد وسط لهيب النار في مشغله ويقطع بقوة كتل المرمر العنيد والصخر الصلد ويصهر المعادن ويحوّل جبالا بكاملها لكائنات فنية ناطقة بالآلاف من الحكايات وينسج على الخشب الشعر والاساطير واحلام الناس ومخاوف الوطن.
جمع الفنان الراحل الثقافة والفن وروح المقاتل ومهابة الشهيد، ولعلها مفارقة ان تخوّل الحكومة وزير الثقافة لاستقبال الجنازة وتشييعها وهو في الوقت نفسه وزيرا للدفاع فاتسم الوداع بصفة ثقافية ودلالة اخرى ترمز للفرسان الذين ضحوا لصيانة الوطن والدفاع عنه، وهكذا كانت أعمال الفنان حتى لحظته الأخيرة التي كان يتقاسم الوقت بين سرير المرض ومشغله ليضع اللمسات الأخيرة لأربعة أعمال عملاقة يجري تنفيذها الآن في بغداد وهي تتحدث عن صمود المدينة بوجه الطغاة والغزاة والجهلة.
وفي اللحظة التي أنهى فيها د. سعدون الدليمي وزير الثقافة كلمات الوداع الأخيرة القصيرة والمعبرة وألقي نظرته الأخيرة على النعش رفع رأسه ولمحني اقترب مني وهو يردد (انك مثل هذا الفارس هل ستبقى تقاتل للأبد؟) أدركت معنى هذا السؤال الذي صدر من صديق عرفته منذ أكثر من ثلاثين عاما، حين كنا طلابا في كلية الآداب ولعله كان يقصد ان الابداع الاصيل وكشف الحقيقية مهمة قتالية واصحابها في نهاية المطاف فرسان وشهداء، هكذا اذا حضر الوزير وغابت وزارته وفشلت بالتواصل مع الراحل وغاب كل أعضاء البرلمان باستثناء عضوة واحدة حضرت بصفة شخصية، لكن أمانة بغداد وأمينها صابر العيساوي كانوا أكثر وفاء، حين تواصلوا مع محمد غني حكمت وحطموا أسوار غربته وأعادوه لبغداده، ليشرف بنفسه على ترميم أعماله وينجز أعمالا عملاقة جديدة كانت مصدر سعادته وراحته قبل رحيله، وهذا ما سمعته منه في عمان وهو في أيامه الأخيرة. لكن العديد من الفضائيات المحلية والعربية لم تذكر ذلك للأسف بل تحدثت عن قطيعة أبدية ولم تر ما جرى فعلا فان كانت لا تدري فتلك مصيبة وان كانت تدري وتجاهلته أو حرفته فأن المصيبة أعظم !.