نعم…الثقافة تحرر الإنسان، وتفك قيود الجهل لديه، فهي الوجه الآخر لعملة المعرفة، والمعرفة بحد ذاتها قوة كما يشير ويؤكد المفكر (فرنسيس بيكون)… أو مثلما ينظر عالم العلم بتقنيات عصرنا الراهن عبر تطبيقاتها العملية بمنظار الدقة والتواصل والبحث، لما سعت الوصول اليه روح وجوهر حكمة الامام علي (ع) وهي تصف كل من تساوى أو تشابه يوماه.. بالمغبون.

    فهل لمثل تشابه أيامنا من غبن تلو آخر، يغزو حاضرنا، ويضبب أفاق مستقبلنا، ويحيل أحلامنا قبض ريح وتراجع وانكفاء، وتقليب أوراق ملفات ضخمة، وقضايا راسية في بحار من التأجيلات و التسويفات، الغارقة بوعود وعهود وآهات -طالت عموم مفاصل الحياة- من أدنى الى أعلى مستويات من يمسك بزمام السلطة وصناعة القرارات، بدءا بقرارنا السياسي، وانحدارا نحو توفير أبسط، أبسط الخدمات؟!

    لم تسلم كل نوايا الوصف والتعبير في ترسيم حدود مديات الثقافة، بعد أن توزعت أوصافها وتنوعت أغراضها وتكاثرت أنواعها -قصدا ملموسا- في أغلب قواميس وسائل اعلام عصر السموات المفتوحة وتنامي شبكات وإمبراطوريات التواصل الاجتماعي، بالشكل  الذي حدا أن تسبق كلمة (ثقافة) العديد من الأفعال والسلوكيات الشاذة حتى اتسخت، بثقافة العنف/ ثقافة الإرهاب/ ثقافة التخوين/ ثقافة الانحراف، وغيرها من ملحقات لا تمت بأدنى صلة لجوهر وعمق الثقافة بمعنى ثقلها العام، فضلا عن سلسلة أخرى لممارسات قد تبدو ايجابية في استخداماتها، لكنها متحاملة -بمحتوياتها- على شرف الثقافة وقدسية منابعها، وطهارة وجدانها، حتى ليطول ذيل تلك القائمة في سريان استهلاك رخيص لمعنى قيمتها التأريخية، وبنود آفاقها المعرفية الخالصة.

   ولعل ما أصاب واقع الثقافة من جرب هذا الغبن والتجني وسوء الاصطلاح، يعود إلى جبروت ومكر وجنون السياسة وأهوائها وحرص تحريضاتها على استمالة الخطاب الاعلامي العالمي،نحو مصالحها، ومساعي إفراغ هذا المصطلح الهادف الرصين من محتواه الإنساني وأبعاده الحضارية، لشرط حتمي لذلك الاستهداف البلاغي، ومداه السياسي.

  ولعمري أن أعترف بأن الحيلة أعيتني -هنا- في محراب ثوابت دفاعي عما أصاب الحياة – برمتها- وسط تفاقم حالات الخلط والنط والمط حتى بلوغ تزايد تلك التبريرات، وتعالي كثبانها في صحراء الغبن، الذي -عادة- ما يلحق بالشعوب الغارقة في أمواج (الملاعيب) التبريرية،التي لا تقنع-في الكثير من الأحوال- حتى عقول مطلقيها، بحثا عن استخدام أمثل لكلمة (ثقافة) كمفتاح (ماستر-كي) يختصر هول وزحمة التبريرات بفوارق الغبن الذي أجمل -لنا- نسق استعمالي لها (أي للثقافة) بالضد منها،أو بقبولها مدخلا أضحى عاما-ومستعملا، بل رائجا في سوق ومحال و(مولات) مع جمع من مصطلحات وتوثيقات دلالية  توافدت إلينا -عنوة- بعد أحداث/الحادي عشر من أيلول(سبتمبر)/2001،وسقوط بنايتين (مركز التجارة العالمي في/ مانهاتن) بالكامل،ليتم احتلال دولتين، بالكامل (أفغانستان والعراق) ثمنا باهظا جدا،جاء مقابل تلك البنايتين الآيلتين للسقوط،كما أشيع وأعلن،قبل ذلك التأريخ، لتبدأ مرحلة جديدة (جدا) من  زمن تناسل التبريرات ونمو طحالب أخرى من أنواع الغبن الحضاري والنفسي،حتى أضحت أبرز سمات عصرنا الحالي،بل(زهو) علاماته الفارقة،وعنوان (ثقافته) الواثقة،من قدرة  التأثير بالكثير من أنظمة السياسة والسوق والمال وجميع الأحوال،لغرض تسطيح جوهر ثقافتها المحلية،جراء تزايد الحاح نباح…العو..عو..عو..لمة،على عباد الله من البسطاء،و(المكاريد).

التعليقات معطلة