لا اعتقد أن قلباً بشرياً احتمل وجعا كذاك الذي احتمله قلب العراق؛ واذا قدّر للبعض ان يعبّر بالكلام او اللطم او شق الجيوب؛ فثمة من (أكلت لسانه المآسي) فوقف مذهولا حائرا لا يعرف ما الذي يفعله..
الناقد الكبير الدكتور حاتم الصكَر امتلك ناصية الكلام وشقّت دموعه جيوب لطمها على فلذّة كبده (عدي) الذي كانت جريمته الوحيدة هي: اسمه في زمن غيّب الأسماء والهويات والملامح وترك للشوارع ملامح القتلة.
حاتم يتذكر كل ما حدث؛ وفي الوقت الذي من المفروض فيه ان نواسيه؛ نطالبه بان يواسينا هو؛ فقد اكلت فجيعته لساننا ووقفت محبتنا له حائرة مذهولة.
يتذكر حاتم ولده عدي (كانت الرسالة الأخيرة التي وصلتني من هاتفه النقال عند التاسعة صباحا من يوم السبت 2-10-2006مختصرة جدا (صباح الخير . هسه تحركنا) إذن فقد بدأ خروجهم من جحيم بغداد التي اشتعلت فيها أعتى نيران الكراهية والطائفية والقتل على الهوية في تلك الأيام. بعد قرابة ساعتين ونصف لم يكن الهاتف يرد. مقفل أو في منطقة غير مغطاة. بدأ القلق يساورني.هو وأمه وزوجته وطفلاه زيد وريمه في حافلة عامة في الطريق إلى عمّان ليسكنوا هناك. إنهم الآن قرب الأنبار. بين الفلوجة والثرثار.عند حدود الصقلاوية تحديدا، ومجرمو القاعدة الذين تفرغوا لقتل العراقيين بديلا لمحاربة المحتل يصولون هناك بلا رادع ويقطعون الطريق الدولي مفتشين هويات الركاب لينتقوا ضحاياهم.
كان اليوم خريفيا من أكثر الأيام التي تثير الشجن في النفس، وهو أول أيام الأسبوع، حتى الرب اختاره ليرتاح من الخلق، ولكنهم جاءوا الآن ملثمين بدشاديشهم القصيرة، خرجوا من خمس سيارات أجرة –مسروقة غالبا- وبعد أن ابتعدت سيارة همر تحمل دورية أمريكية على الطريق، تجنبوا الهمر ورصدوا الحافلة الملأى بالفارين من الجحيم والتهجير والقتل من العراقيين، وبالأسلحة أجبروا الحافلة على التوقف، وبدأت غزوتهم! بتفتيش جوازات الركاب.كان عدي قد ولد في الكوت -واسط يوم كنت مدرسا في إعداديتها عام 1972. واسط كانت كافية ليشير كبيرهم برأسه أن انزل. توسلات زوجته وأمه وصراخ طفليه لم تجدِ نفعا. فقط أسمعوهم أن الأمير؟ سيقرر مصيره وثلاثة شبان من الركاب أيضا.
توزع المخطوفون في صناديق السيارات الخلفية. لماذا قبل التحقيق معهم وإدانتهم يعذبون هكذا:لا يجيب كبيرهم بل يدعو النسوة للصمت وكذلك الاحتشام لأنهن بحجاب الرأس ووجوههن مكشوفة.
يأخذ (المجاهدون) الحافلة فيداً وغنيمة ويتركون الركاب في العراء لدموعهم ورعبهم. هكذا تختفي التاكسيات وتختفي حيوات ثلاث، بينها: ابني عدي الذي لم نعلم عنه منذ تلك اللحظة شيئا.
سيفر الجناة من المنطقة كلها من بعد. يكتشف الناس المدنيون أن هؤلاء جاءوا ليقتلوا أخوتهم فلفظوهم من بينهم. الخيط الوحيد الذي بقي لنا هو هاتفه لان غبيا من خاطفيه ترك الشريحة فيه، لكنه اختفى منذ علم بمعرفتنا له.
صور سيناريو الخطف المرعب لم أرها بنفسي، ولكن ظل منها وجود عدي في صندوق سيارة، وصرت كلما أعاين صندوقا أحس بالألم يعتصرني وأتخيله في ظلام الصندوق مندهشا مما جرى له وهو البريء من أية تهمة أو شبهة،وأفكر:ماذا كان يمر في باله ساعتها: ولداه وزوجته؟ أبواه؟ طفله الثالث الذي سيأتي بعد شهر؟ السلام الذي حلم به، ودراسته التي كان يحلم باستكمالها؟ أخواه المغتربان في المنافي؟
الآن كلما كبر أحمد صغيره المولود بعد خطفه بخمسة وثلاثين يوما تهزمني نظراته وأسئلته الحائرة وسط وجود آباء زملاء الروضة أو المبنى).
من يخبر حاتم الصكر إنني الآن اقبّل أطراف حروفه وابكي على وطني.