مما يؤسف له حقا أننا وعلى الرغم من تمسكنا بمواقفنا الثابتة في الذود عن مقتربات مياهنا الإقليمية, وفي الدفاع عن حدودنا البحرية, وعلى الرغم من نداءاتنا الوطنية المطالبة بصيانة خطوطنا الملاحية, وحماية مداخلها ومخارجها, وعلى الرغم من قوتنا الموحدة وعزيمتنا التي لا تعرف اليأس, وإصرارنا الذي لا يعرف التردد ولا التراجع, صرنا نسمع بعض التصريحات الرسمية المزعجة, التي يطلقها البعض لمجاملة الكويت ومغازلتها, والوقوف في صفها, وتأييدها في مشاريعها المينائية الاستفزازية.والمشكلة أن أمثال هؤلاء لا علم لهم بتقلصات مسطحاتنا المائية, ولا علم لهم بانكماش سواحلنا, ولا يعلمون أننا سنفقد واجهاتنا البحرية, ونصبح بعد اكتمال مشروع ميناء مبارك في مقدمة البلدان المرشحة للانغلاق على نفسها, ولا يدرون أن أرصفة ميناء مبارك ستقطع الرمق الأخير, الذي تتغذى منه موانئنا, وأن كاسر الأمواج سيسد النافذة التي نطل من خلالها على بحار الله الواسعة, ولا يعلمون أننا نقف اليوم في طليعة البلدان العربية والآسيوية المتضررة جغرافياً وساحلياً وبحرياً وملاحياً ومينائياً وبيئياً, والمصيبة أنهم لا يدركون أبعاد هذا المشروع المباركي الخطير, ولا يعلمون شيئا عن آثاره السلبية علينا, لأنهم وببساطة لا يفقهون في الشأن البحري, ولا يريدوننا أن نعلمهم ألف باء التحديدات البحرية بين البلدان المتشاطئة في ظل الأعراف والقواعد الدولية النافدة, ومع ذلك يصرّون على الاعتراض علينا, برغم أنهم لم يعملوا مثلنا سنوات وسنوات في عرض البحر, ولا يعلمون أين يقع رأس (البيشة), أو رأس (البرشة), أو رأس (القيد), ولا فرق عندهم بين رأس (مسندم) ورأس الفجل, أو رأس (تريلة), ولم يسبق لهم أن شاهدوا سفينة, وربما لم تسنح لهم الفرصة لزيارة الموانئ العراقية, والاطلاع على مشاكلها الجغرافية.بيد أن المصيبة الأكبر, والمشكلة الأخطر بدأت بالظهور عندما تعالت الأصوات العراقية المشككة بمواقفنا الوطنية, حتى جاء اليوم, الذي سمعنا فيه بتلك التحليلات الساذجة, التي أطلقها بعض المتفلسفين والمتحذلقين والمتخاذلين عبر الفضائيات المسمومة, وكانت تسعى للتلاعب بعقول الناس, وتشتيت أفكارهم ببعض الآراء والنظريات الخبيثة.

تارة يقولون: أن الطابور الخامس السعودي, ومعه بعض الأطراف الكويتية هو الذي يحرك الحملات الإعلامية المطالبة بصيانة حقوق العراق في شط العرب, وهو الذي يدعم الأصوات المطالبة بوقف الزحف البحري الإيراني على (خور العمية) و(خور الخفجي), ويتهمونها بالانتماء للأحزاب والتيارات القومية والمذهبية المناوئة لإيران.وتارة يقولون: أن المنظمات المطالبة بالتصدي لمشروع ميناء مبارك في خور عبد الله تتلقى الدعم والتوجيه من الحكومة الإيرانية, وان تصاعد وتيرة الحملة الإعلامية العراقية المحتجة على مشاريع الكويت عند مقتربات سواحل الفاو, جاءت في التوقيتات المنسجمة مع التطلعات الإيرانية الرامية إلى الضغط على قوات درع الجزيرة, وإخراجها من البحرين (يا عمي عرب وين طنبورة وين ؟؟).

ومما يبعث على الحزن والألم أن بعض المحسوبين على الشريحة البحرية الواعية أو (العاوية) صاروا يصدقون مثل هذه التحليلات السطحية, التي تحاول تشويه صورة المواقف الوطنية المخلصة, وتعليبها بصفائح القوالب الطائفية البالية.ولا يعلم هؤلاء أن مشاكلنا الملاحية في شط العرب أوسع وأكبر من إيران نفسها بألف مرة, وأن مشاكلنا الملاحية في خور عبد الله أكبر من الكويت وأخواتها مليون مرة, وربما لا يعلم هؤلاء أن العراق أقدم من إيران, وان بلاد فارس نفسها كانت ولاية من ولايات العراق عندما كان مركزا للخلافة الإسلامية, وكنا نطلق عليها (خراسان), وان حدود العراق البحرية كانت تمتد حتى مضيق هرمز لغاية عام 1916, وكانت ولاية البصرة وقتذاك هي التي تشرف على حركة مرور السفن والمراكب التجارية في خليج البصرة, الذي يطلق عليه اليوم (الخليج العربي), وربما لا يدري هؤلاء أننا ولدنا على ارض العراق المقدسة قبل ولادة الكويت بتلك العملية القيصرية التي أجريت لها في حفر الباطن.ونقول لهؤلاء جميعا: لن نكون ذيلا لهذه الدولة أو قرنا لتلك, ولن نتنازل عن قطرة واحدة من مياه شط العرب, ولن نفرّط بحقوقنا السيادية في خور عبد الله, ولن تستطيعوا بكلامكم الفارغ، هذا أن تشوهوا صورة الشعب العراقي الذي لم ولن يتأثر بتصريحاتكم المزعجة, ولن يركع أبدا للقوى الأجنبية الغاشمة, فلا تتعبوا أنفسكم بإطلاق هذه الخزعبلات الغبية.

التعليقات معطلة