تصاعدت وتيرة المخططات الأمريكية الرامية لفرض هيمنتها وتفعيل فكرة القرن الأمريكي, بعد أحداث 11/9 في الوقت الذي وقفت فيه أقطار العالم كلها بوجه افتراضاتها المبنية على صلاحية نموذجها, ورأت انه لا يصلح للأمريكيين أنفسهم, وفضل بعضها النموذج الأوربي أو الياباني, الذي يعد أكثر ديمقراطية, ويوفر غطاءً أفضل من الرعاية الاجتماعية والتعليم والرخاء المعيشي من دون اللجوء للعنف, ومن دون التوسع في حلقات التآمر والسير في المسارات التي سلكتها أمريكا في فرض نموذجها الاستعلائي باستخدام القوة الغاشمة المفرطةM من يعمل هذه الأيام على السفن التجارية في عرض البحر يستطيع أن يسمع ترددات النداءات الأمريكية, التي تطلقها سفنها الحربية في حوض الخليج العربي أو البحر الأحمر أو خليج عمان أو البحر الأبيض المتوسط, ويستطيع أن يرى أساطيلها الحربية الجبارة وهي تجوب البحار والمحيطات جيئة وذهابا, وربما يتلقى نداء استفساريا منها باسم قوات التحالف (Coalition Forces) على قناة (16) بجهاز (VHF), حتى صار من المألوف التحدث معها مباشرة للإجابة على أسئلتها الروتينية, التي يراد منها إشعار السفن التجارية بتواجد الفرقاطات والمدمرات والغواصات والحوامات الأمريكية فوق المسطحات البحرية, وفي مضيق هرمز أو باب المندب أو موزمبيق, أو عند مقتربات مدخل شط العرب, وبات من المسلم به إن مخطط مشروع القرن الأمريكي, الذي وضعه بعض المحللين تحت عنوان (إعادة بناء الدفاعات الأمريكية Rebuilding American Defenses) يهدف إلى نشر القواعد الأمريكية في المناطق الساخنة حول العالم, ويهدف إلى تخصيص قوة ساحقة لكل قطاع من قطاعات كوكب الأرض, فجاءت منطقة الشرق الأوسط في القطاع الذي شمل الشرق الأدنى وآسيا الوسطى, بسبب تمركز مخزونات النفط العالمي في هذه المناطق الحساسة, وعلى هذا الأساس أجرت الإدارة الأمريكية بعض التعديلات على أجهزتها التشريعية والتنفيذية وبما يلاءم وحدة الهدف.  فانتهزت أحداث سبتمبر وما لحق بها من تغيرات بعد احتلال العراق, لتقوم بحملة شاملة ضد الحكومات العربية والإسلامية المعارضة لمساعيها التوسعية, فصنفتها من ضمن الدول الراعية للإرهاب, وتركز هجومها الحالي على سوريا وإيران وتركمانستان, وفرضت عليها العقوبات الاقتصادية لإضعافها وتقويض استقرارها, تمهيدا للقضاء عليها, وقامت في الوقت نفسه بتعزيز القدرات التعبوية للقيادة الوسطى الأمريكي, ومنحتها صلاحيات واسعة لممارسة الضغط على الأقطار المناوئة لسياسة البيت الأبيض.   فتكاملت منظومات إخضاع المنطقة برمتها لمشروع القرن الأمريكي, وبالاتجاه الذي يجعل من إسرائيل هي الوكيل المعتمد أمريكيا للقيام بعمليات الإشراف على شؤون المنطقة, وإدارة أعمالها, ومراقبة تحركاتها, والعمل على تطبيق أطروحات المفكر السياسي اليهودي (ليو شتراوس), التي أكدت على ضرورة مواصلة التآمر وشن الحروب العدوانية, وسفك المزيد من الدماء, وصولا إلى تحقيق الفوضى الخلاقة اللازمة لإخضاع الأقطار الضعيفة, وضمها بالقوة لمنظومة الدول التابعة للقوة الأمريكية الغاشمة, بيد أن أطروحات شتراوس ذهبت في مهب الريح, ولم تصمد طويلا أمام الضربات الموجعة, التي وجهتها المقاومة الوطنية الصادقة, المتفجرة في أماكن متفرقة على الأرض العربية, من دون أن تخشى بطش القوة المدمرة للآلة العسكرية (الأمريكية – الإسرائيلية), ولم تتفتت عزيمتها أمام الضغوطات, التي مارستها ضدها الأقطار العميلة, المتواطئة مع القوة الغاشمة, فأثبتت صحة نقيض الأفكار الشتراوسية, وصار العالم كله على قناعة تامة من عدم نجاح القوة الغاشمة ببناء الأنظمة الإقليمية من دون موافقة شعوب المنطقة, وتفاعلها معها, ورب فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله.  نشوء فكرة القرن الأمريكي ربما كان الكاتب الأمريكي (هنري لويس) أول من صاغ مصطلح (القرن الأمريكي), عندما اتخذ منه عنواناً لمقالته التي كتبها عام 1941 على صفحات مجلة (لايف) قبيل بضعة أشهر من هجوم هتلر على الاتحاد السوفيتي, وقيام اليابان بقصف بيرل هاربر, قال هنري في مقالته: (إن التفوق الأمريكية هو الذي يضمن المستقبل, وينبغي أن تكون أمريكا بمثابة الأخ الأكبر لبقية الشعوب والأمم حتى تقودهم بالطريقة التي تراها مناسبة), وقال المؤرخ البريطاني الأشهر (أنولد توينبي) ذات يوم: ((إن أمريكا ألقت بأوربا في الظل, وستجعلها تابعة لها)), وتوقع في كتابه الذي نشره في خمسينيات القرن الماضي بعنوان (دراسة التاريخ): (إن القرن العشرين هو القرن الأمريكي بامتياز).  لقد ترسخت فكرة التفوق في عقول القادة الأمريكان بعد الحرب العالمية الثانية, وأشار (كارل بيكر) في كتاباته عام 1947 إلى تنامي الدور الأمريكي عند استعراضه لتعاقب الإمبراطوريات من البابلية إلى الرومانية إلى الاسبانية إلى البريطانية ثم توقف عند (الإمبراطورية) الأمريكية, وتحدث (رالف فلاندر) كثيرا في محاضراته, التي ألقاها بجامعة هارفرد عام 1950 عن بزوغ فجر الإمبراطورية الأمريكية, وهذا ما أكد عليه الرئيس (ترومان) في خطاباته المتكررة عن تعاقب مراحل التاريخ, وعن التفوق الأمريكي الذي تجاوزت فيه ما حققته الإمبراطوريات العظيمة كلها, وتجسدت هذه الأحلام رسميا على الصعيد العالمي بقرار مجلس الأمن رقم (68) لسنة 1950, الذي أعطى الضوء الأخضر للهيمنة الأمريكية على بقية الشعوب والأمم, بما ورد فيه من عبارات صريحة تدعم قيام الإمبراطورية الأمريكية, من مثل: ((إن النظام الاجتماعي والسياسي والأيديولوجي الأمريكي يجب أن يكون كونياً, وإن أي تحدٍ لذلك لا ينبغي التسامح معه, وإن أي عمل تقوم به الولايات المتحدة غفي مواجهة التحديات المحتملة يعد من الأعمال الدفاعية البحتة)). 

قواعد عربية وأعداء مصطنعون لقد تنامت القوة الحربية الأمريكية, شرت ثكناتها العسكرية بالتعاون مع عملائها وزبانيتها, وبنت قوتها الذاتية من ثروات البلدان المتواطئة معها, فتجبرت وتكبرت وطغت طغيانا عظيما, وتعالت في فضاءات الطيش والغرور, متباهية بقوتها الاقتصادية والعسكرية الهائلة, فتوسعت داخلياً وخارجياً, ثم عبرت المحيطين الأطلسي والهادي, وحملت معها تطلعاتها الإمبراطورية, وسعت نحو امتلاك ناصية التسيد على النظام العالمي الجديد, الذي تقوده هي بقوتها التوسعية المتنامية, متأرجحة في مواقفها الاستعلائية بين مبدأ (القوة) الذي صاغه روزفلت, ومبدأ (المثالية) الذي صاغه ويلسون, لتلعب في القرن الحادي والعشرين دورها الإمبراطوري من اجل تحقيق أحلامها بقيادة العالم في مختلف المجالات . من المسلم به أن قارتي آسيا وأفريقيا تمثلان المجالات الحيوية لبسط نفوذ إمبراطورية القوة الغاشمة, فقد حققت أمريكا نجاحا كبيرا في هاتين القارتين منحها القدرة على التمدد والنمو في أماكن أخرى, وكان الشرق الأوسط هو المركز المثالي لتعميق ركائز التغلغل الأمريكي في المنطقة, بمباركة القوى العربية التي قدمت لها فروض الولاء والطاعة, وضحت بمستقبلها كله في خدمة الإمبراطورية الأمريكية الجديدة, وتحالفت معها في تنفيذ هجماتها الحربية الكاسحة ضد العراق, ثم سارت خلفها في كل المواجهات الأمريكية ضد الأقطار العربية والإسلامية بمباركة فئة ضالة من فقهاء البنتاغون وأئمة الناتو . وسعت أمريكا في هذه السياق إلى تهويل الخطر الأفغاني والخطر الإيراني والخطر السوري, والتعامل مع تلك الأقطار باعتبارها العدو البديل الذي حل محل إسرائيل في الصراع المصطنع, وهكذا مضت أمريكا في سياستها نحو تصنيع عدو جديد للعرب يحل محل العدو القديم, وربما نسمع في الأيام المقبلة من يمجد بهذا العدو القديم, خصوصا بعد أن سمعنا بالتوجهات التي حرمت الدعاء في المساجد ضد الكنيست الإسرائيلي, وبعد أن سمعنا بالفتاوى التي دعت للوقوف مع إسرائيل ضد لبنان بدعوى أن الشعب الإسرائيلي من أهل الكتاب, والشعب اللبناني ليس كذلك .  الاستحواذ على مملكة الأفريكوم الأفريكوم (Africom) لمن لا يعرفه, هو الاسم المختصر, الذي أطلقته الإمبراطورية الأمريكية الجديدة عام 2008 على تشكيلاتها الحربية في مقر القيادة الإفريقية (الأفريكا كوماندمنت Africa Commandment), التي كانت تضم في بداية تكوينها حوالي ألف عنصر موزعين على ثلاث قيادات فرعية في كامل القارة الأفريقية, عدا مصر التي كانت تتبع للقيادة المركزية في ميامي, فوسعت قواعدها الحربية في جيبوتي وقواعدها الأخرى في أوغندا والسنغال وساوتومي وبرنسيب, ناهيك عن مجموعة كبيرة من نقاط الارتكاز, لكنها وعلى الرغم من جهودها الحثيثة التي بذلتها خلال الأعوام الماضية, لم تستطع الإمبراطورية الجديدة تأمين مقر ثابت لها في أي دولة أفريقية, ما اضطرها للبقاء في مقرها المؤقت في مدينة (شتوتغارت) الألمانية, بيد أن هدفها الأساس هو استيعاب واحتواء كل الأقطار الأفريقية تحت مظلتها, وسيصبح القائد الجديد للأفريكوم هو النائب الأفريقي لإمبراطورية القوة الغاشمة. 

والله يستر من الجايات

التعليقات معطلة