هل يمكن لعراقي ان يمنح صوته الانتخابي إلا لابن عشيرته ودمه ولحمه ، حتى لو كان لا يصلح لرعي خمسة خرفان؟ ولم تخرج عشيرتنا الموقرة عن هذا العرف، فقد تحركت بكل ما أوتيت من قوة ووسيلة لدعم مرشحها الى الانتخابات البرلمانية ورفعت مئات اللافتات الدعائية، وتولى صبيانها ومراهقوها تلويث جدران واسيجة البيوت والمدارس والأبنية الحكومية بالشعارات والكتابات التي تتحدث عن كفاءة المرشح ووطنيته وتاريخه النضالي ، وغير هذا وذاك عمد أفراد العشيرة الى الاتصال بمعارفهم وأصدقائهم وتوزيع الهدايا على الناس بلا حساب!.
بدوره عقد مرشحنا اجتماعا موسعا في مضيف العشيرة، كانت أهم فقراته وليمة الغداء الفخمة التي تبرع بها الشيخ أعقبتها صحون الفاكهة والحلوى المستوردة، وبعد ان أكل الجميع بشهية مفتوحة الى حد التخمة وقف المرشح خطيبا واقسم بأمجاد العشيرة وشرف العقال الذي يضعه على رأسه ، انه سيحقق طلباتنا بالكامل ، ولكي يكسب قسمه ما يكفي من القوة واليقين فقد امسك بشاربه ثلاث مرات في أثناء الحديث !!.
وفاز مرشحنا وضمن له مقعدا مع إحدى القوائم الكبيرة التي انضوى تحت لوائها وصدق مع نفسه وجمهوره اقصد مع أبناء عشيرته ودعانا الى وليمة جديدة أكثر فخامة كانت على حسابه هذه المرة وبعد الغداء راح يستمع الى مشكلاتنا وطلباتنا الشخصية والعامة، ابتداء من تعيين فلان وتوفير راتب الرعاية الاجتماعية للأسرة الفلانية، وقبول فلان في الكلية وانتهاء بحاجة المنطقة التي تقطنها عشيرتنا الى مولدة كهرباء حكومية ومستوصف صحي وثانوية بنات وسوق شعبية ولم نترك حلما من أحلامنا إلا وطرحناه مع ان أحلامنا جميعها متواضعة الى الحد الذي طلب فيه احد الشباب من السيد النائب إيجاد حل لمشكلته مع الزواج المؤجل بسبب أوضاعه المالية وضحك النائب وقال له: (ابشر … هديتي لك 3 ملايين دينار من أول راتب اقبضه) وبكى الشاب فرحا فيما ارتج المضيف بالتصفيق والهتاف ، ثم التفت الى الحاضرين وخاطبهم (سأحقق لكم طلباتكم كلها وأكثر منها) وارتج المضيف ثانية وجرى بعد ذلك حديث عام عن لائتلافات وتشكيل الحكومة ومستقبل العراق وأفاض النائب بالكلام عن السلطة التشريعية وعلاقتها بالسلطة التنفيذية وعن الدور الفاعل الذي يمكن ان تلعبه المعارضة في البرلمان كونها الأقرب من قضايا الشعب وهمومه والقادرة على متابعة الحكومة ومراقبة أدائها ومحاسبتها على الصغيرة والكبيرة وختم كلامه قائلا: (العمل في المعارضة هو النضال الحقيقي) وسأله احد الحاضرين: ( سيادة النائب … هل افهم من هذا التحليل المنطقي والرؤية الثاقبة للحياة السياسية انك تفضل العمل في المعارضة وليس في الحكومة ؟!)، ابتسم نائبنا ورد عليه بأدب جم ردا صريحا (إذا ذهبت الى المعارضة فكيف استطيع تنفيذ طلباتكم ومن أين ادفع لولدنا الأعزب 3 ملايين دينار؟!) ولزمنا الصمت لأننا أبناء العشائر نجهل الفرق بين امتيازات المعارضة وبين امتيازات الحكومة !!.