يكفي أن نعرف بوجود أكثر من مليار ونصف المليار جهاز تلفزيون- من مختلف المناشئ والماركات- قيد الاقتناء والتناول والاستعمال اليومي في مختلف بلدان العالم،، لكي نتأكد-مجددا- من حجم تأثير هذا الغول السحري الذي اجتاح بيوتنا وعقولنا قبل وبعد عصر ازدهار(الستلايت) وتسمية عصرنا الحالي،، بعصر السموات المفتوحة،، وزمننا الراهن،، بزمن التنزه بين المحطات الفضائية. 

لا يمكن إغفال ما يقدمه التلفزيون من معلومات ومتع وأشياء أخرى حتى أضحى واحدا من أهم أفراد الأسرة الذي لا يمكن الاستغناء عنه كما هو عند أغلب العوائل العراقية بسبب توالي وتراكم الظروف الاستثنائية المستديمة والمستدامة- كما يحلو للمحللين السياسيين وأعضاء منظمات المجتمع المدني استخدام الكلمة الأخيرة (مستدامة) بدلا من (مستديمة)- التي جعلت من التلفزيون السلوى الوحيدة في حياتنا،، منذ أيام الحروب والحصارات حتى زمن تحقيق حلمنا المستحيل بشراء عصا سحرية تنهي-عندنا- أزمة الكهرباء!!

  ولعل ما يقدمه هذا الجهاز المهم والخطير في نشر وسائل المعرفة لا يقف عند حدود تدفق المعلومات والأخبار وأسعار النفط والبورصة وأحوال السوق والرياضة التي أخذت تنافس أخبار أعتى السياسيين في العالم بتصدرها النشرات الإخبارية في كبريات تلك الوسائل التي تقوم بتوجيه وتغيير الكثير من القيم والعادات والسلوكيات والاتجاهات التربوية والنفسية ورسم وتحويل مسارات العلاقات الاجتماعية وتضفي عليها مختلف الأمور (غريبة- عجيبة) ربما لم تكن تعرفها هذه الشعوب والأمم أو تلك،، قبل دخول عصر التلفزيون وملاحقات تطوراته المذهلة التي لم تحول العالم -برمته- إلى (قرية الكترونية صغيرة) فقط،، بل جعلته فرعا في شارع،، أو زقاقا ضيقا في حي شعبي قديم! 

كل ذلك…. ونواتج ومحصلات ما تقدمه وسائل الإعلام- التلفزيون بالتحديد،، ومن يدانيه في هذا الواجب والمهمة الاتصالية- لا ترتقي إلى جوهر الثقافة وروح المعرفة عبر (مشغلات) أجهزة الوعي الحقيقي ومنبهات النقد الراقي ومساند التواصل الطبيعي والمتكافئ مع مجريات الحياة وعمومية مدياتها،، دون الإبقاء والاعتماد على بساطة وسطحية المعلومات التي تناسب ذلك (المتعلم التلفازي) الجاهز في تلقي واستقبال وامتصاص أية فكرة أو معلومة كما تمتص (الاسفنجة) أي سائل يصادفها،، وتكمن خطورة ذلك النوع من المتعلمين في قوة وعناد دوافعهم ودفاعتهم أمام أية معلومات وأفكار لا تتفق مع ما تلقوه من دوائر معارف تلك الوسائل والأجهزة التي تعمل وفق مقتضيات ومصالح  دولها الكبرى القادرة على تصدير أفكارها ومعتقداتها بأية وسيلة كانت،، ليس حصرا على وسائل الأعلام،، بل في عموم وسائل ومتعلقات التربية والتعليم وكل ما يخص الثقافة.!

ويكفي أن نعلم أن (ماما أمريكا) كانت قد اشترت 80 % من إنتاج العالم من الورق خلال العقدين الماضيين لمنع دول العالم الثالث من الحصول على فرص تطوير مطبوعاتها ومناهجها الدراسية- على ذمة ما ورد في مداخلة للكاتبة والمترجمة والناشرة (عايدة مطرجي أدريس) في معرض الكتاب العراقي عام/1998،، لكي نعرف يا جماعة الخير (أدينا من رجلينا)!!

التعليقات معطلة