ليس من تعريف محددا أستطاع تأطير(فعالية) انفعال الضحك،عبر امتداد تأريخ البشرية ثمة تحليلات،لا تكاد أن تكون تخمينات،تحاول أن تلامس قشور الأسباب الكامنة وراء أهمية الضحك في حياننا،فهنالك من يرى فيه(حقد طبقي) تحتاجه طبقات المجتمع الفقيرة والمحرومة للنيل من الطبقات الغنية و(الفايخه)،أذ يتحول ذلك الحقد الى محاولات تعويض، يكون فيها الضحك (ملاذا أمنا) في تمرير الكثير من حالات الاحساس بوطأة تلك الفروق، ولتي قد تتخذ شكل الحسد في أحايين معينة،أو تتخذ شكل السخرية في أحايين أخرى،والسخرية هي جوهر عمليات الضحك، وما سيل النكات والتوريات و(الحسجة)-كما نسميها في اللغة العامية- الا شكل بليغ من اشكال دحر الظلم ومقاومة انظمة الاستبداد عبر تأريخها الطويل،من خلال الطرفة والدعابة الماكرة و الدرامي و(الأبوذية) وباقي طواقم التعويضات المعنوية التي تمنح الانسان الراحة وتشفي غليله من كل أعراض ونوبات ما يتعرض له من ظلم وحرمان وعدم تحقيق لابسط أمانيه المشروعة واحلامه المسفوحة على شواطىء ذكريات شاخت وهرمت،دون أن يظفر بمسك أذيالها الا بالخيال.
ثمة تعريف طريف يلخص الابتسامة على انها(انحناءة تستقيم بها كل الأمور)نعم لكن هذا موضوع أخر تختلف فيه الابتسامة عن الضحك، كما تختلف النكتة عن فن (الكاريكتير) الذي ظهر في بدايات القرن العشرين،واصبح جزءا من سمات تعبير عصرنا الحالي،ذلك الفن الذي تنبأ له(سلفادور دالي)-قبل نصف قرن- أن يكون (فن المستقبل)،صدقت فعلت نبوءة(دالي) الرسام الأسباني بأطواره وأفكاره وموضوعاته السوريالية العجيبة-الغريبة، وليست(دالي)المطربة العراقية بميوعة أغنيتها الشهيرة ( عوفني رحمه على أبيك.. لا..لا رحمه على أبيك).
يروي رسام الكاريكتير (جورج البهجوري) كيف وقف بالضد من موقف الرقابة بتحريمها القسري جراء- التأثير الديني- في مصر الستينات منع الفتيات المصريات من اظهار شعرهن،فقام برسم صديقه العندليب الأسمر(عبدالحليم حافظ)- وهو يغني ويبكي مقطعا من أغنيته الرائقة (بتلوموني ليه) يقول فيه:( أسير الحبايب .. يا قلبي ذايب في موجة عبير ..والشعر الحرير.. عل الخدود يهفهف..و يرجع يطير)،الامر الذي حدا بالرقابة منع بث تلك الأغنية من الاذاعة والتلفزيون بالمرة،فأختلط الجد بالفكاهة- هنا-ولكنها- لو تدرون- فكاهة قاتمة،لم تزل جاحدة،فاقدة لشرعية فهم عقلية وطبيعة التفكير العربي، الذي قال فيه ساخرا الشاعر السوري الراحل (محمد الماغوط):(يبدو أن تحرير العقل العربي،أصعب من تحرير فلسطين).!
نعم فما أن نتقدم خطوة الى الامام ،سرعان ما نعود الى الخلف بألف خطوة، كما لو أننا لا يريد أن يعي ما يحصل في عالم الحرية الحرة والحقة،عبر خواص فهم نواحي التفكير الراقي وضرورات النقد النوعي وفق مقومات نوعية ذلك الضحك الذي كان قد أطلق عليه عمنا (أفلاطون) بالضحك الضروري في سبيل الاستزادة من المعرفة،قبل مئات السنين من الان.
المعرفة،بوصفها-اليوم- اختصار لجوهر السلطة ذات الجودة العالية في محصلة سعيها الأمثل في أستخدام المعرفة،كقوة وثروة ووجود.