شاء تصادف وجودي في العاصمة الأردنية (عمّان) مع يوم رحيل عالم الآثار الكبير- المنقب والمؤرخ الجليل (د.بهنام أبو الصوف) في التاسع عشر من أيلول الماضي، أن يتيح لي حضور مراسيم تشييع جنازته المهيب في الثاني والعشرين من ذلك الشهر، ومهابة قداس رفع الصلاة على روحه العراقية الطاهرة، صباح وظهر ذلك اليوم في كنيسة (مريم الناصرية) في منطقة تقع ما بين(عبدون) و(الصويفية) التي تعد من الأحياء الراقية في هذه العاصمة التي تغير طعم ولون نهاراتها في ذلك اليوم، جراء فرط الحزن والحسرة التي اجتاحت أرواح وغطت وجوه المشيعين وكل من حضر من علماء وأصدقاء وأهل ومحبين وصحفيين وإعلاميين مراسيم قداس توديع روح عالم الآثار الكبير -المنقب والمؤرخ الجليل (أبو الصوف) آخر سلالة البحث والتحري والتنقيب المجدي، عبر بوابات سعة العلم والمعرفة، وصدق وثقة الإطلاع بالتعريف عن خواص وخلاصات نواتج حضارة وادي الرافدين، من رهط سلالة علماء العراق، بدأ بـ(أحمد سوسة) و(طه باقر) و(أحمد صالح العلي) و(سلمان القيسي) و(فؤاد سفر) و(فوزي رشيد) وليس انتهاءً برعيل(أبو الصوف) و(طارق مظلوم) ومن هم بمنزلة هذا الهم الحضاري والإنساني والوطني الذي حفر لنا مياسم سر الوصول إلى رحم وجذر حضارتنا الضاربة عمقا في غرين هذي الأرض منذ كانت ولم تزل (سرة العالم) بأسره.
لست بصدد التذكير بمصير واقع موتنا من العلماء والأدباء والنوابغ من الذين رحلوا خارج أوطانهم، وتم دفنهم في مقابر الغرباء التي حوت رفات الكثير منهم بعيدين من ذويهم وعشاقهم الروحيين، فتلك ظاهرة أضحت عابرة -للآسف- في قواميس السياسيين، عندنا، ممن يتولون -بحكم المسؤولية والوظيفة الوطنية- أمر وحسم مثل هذه الأمور كما يجب وكما فعل من قبل- مثلا- رئيس وزراء بريطانيا(ونستون تشرشل) حين خاطب العالم قائلا : (أن بريطانيا العظمى على أتم الاستعداد للتنازل عن جميع مستعمراتها، لكنها ليست على استعداد للتنازل عن وليم شكسبير)، لكني… يا جماعة الخير بصدد التشبث بفكرة توالدت عندي بعد نهاية مراسيم دفن جثمان (د.بهنام أبو الصوف) في المقبرة المسيحية في عمان حسب رغبة أهله وذويه، حيث تصادف وأنا أبحث عن رواية الكاتبة الكبيرة لطفية الدليمي (سيدات زحل) في مكتبة الطليعة، أن تعرفت على صاحب المكتبة (سامي أحمد/أبو حسين) وهو فلسطيني الجنسية والذي حدثني عن الكتاب الأثير-الأخير للراحل (أبو الصوف) بعد أن أوشك على الانتهاء من التصحيح النهائي للمسودات وتضبيط إخراج الغلاف بالصورة التي طلبها قبل رحيله بأيام قليلة، الكتاب يحمل عنوانا رئيسيا هو (مذكرات السنين) وآخر فرعيا هو (خمسون عاما من تأريخ العراق)، هنا أقول لمن تعنيه أمر هذا الفطحل الراحل (أبو الصوف)، ألسنا الأجدر بالإشراف على طبع الكتاب وتحمل تكاليف بقية مراحل إصداره وطبعه وترويجه، بما يليق ويوازي حجم عطاءات وشهرة وعالمية عالمنا الآثاري الكبير هذا، لطالما ونحن على مقربة من ارتقاء منصة الاحتفال ببغداد الحبيبة عاصمة للثقافة العربية العام القادم، من أجل تقديم علمائنا ونوابغنا عناوين كبيرة وراسخة تزهو بها ثقافتنا الحاضرة؟