بصرف النظر عن كون صفة (الوفاء) قيمة تصاعدية في سلم الارتقاء بالبشر والناس على مختلف اتجاهاتهم ومشاربهم -وان كان لبعض الحيوانات منها في حياتنا نصيب ولعلكم تعرفون ما أقصد وأصبو- لكنها (أي تلك الصفة) تبقى سمة راقية، حانية، بارزة في حياة من يعير لها وزنا مضاعفا، بل استثنائيا، كالذي حدثني عنه -عبر الهاتف من أو ظبي ولدقائق طويلة قبل أقل من أسبوع تقريبا- الموسيقار (سالم عبدالكريم) بصوت تمازجت فيه مشاعر من أسى وحسرة وحيف وأخرى من استغراب وامتنان لم تنقطع خيوطها طيلة وقت تلك المهاتفة، حول شخصية موسيقية وتربوية كان لها فعلها وأثرها الايجابي الكبير في تخريج جيل كامل من الموسيقيين من طلبة معهد الفنون الجميلة ومعهد الدراسات الموسيقية (النغمية) كانوا قد تتلمذوا على يد الأستاذ المربي ( باسم حسين محمد علي) الذي داهمه المرض وأخذ ما أخذ منه من صحة وشحة ما كان بحوزته من مال، لا يتعدى حدود راتبه التقاعدي الذي هو رأسماله الوحيد، كما عاش هو الآخر وحيدا، حيث لم يجد الى جانبه في رحله مرضه ودخوله مستشفى مدينة الطب، جراء عجز كلوي حاد غير طالبه الوفي (باسل مجيد رشيد) الذي أبى أن يفارقه لمدة ثلاثة وعشرين يوما متواصلة -بدون انقطاع- ترك فيها شؤون ومتعلقات عمله اليومي وبيته وعائلته -مضحيا براحته وصحته، ساهرا على آهات أوجاع وتنويعات عذابات الآم أستاذه وهو يعاني قسوة المرض وجفاء الأقارب و الاصدقاء وجحودهم طوال تلك الأيام القاسية التي عاشها الراحل، أي نعم الراحل الفنان المربي الزاهد (باسم حسين) الذي شهق بنفسه الأخير مساء يوم أمس الأول (الأحد 14/ تشرين أول الحالي) الى مثواه و(دار حقه)، محفوفا بموقف طالبه النبيل (باسل) الباسل، الذي ذكرني، عبر الهاتف -ايضا- قبل يومين من ذلك الرحيل، عن موقف نقابة الفنانين واتحاد الموسيقيين اللامبالي والمجافي لحالة أستاذه وأستاذ أغلب طلبة المعاهد الفنية، بل أستاذ الجميع على حد تعبيره، لحظة أخبرني بنبأ موته… مضيفا -بلوعة قاتمة- إلى قائمة أسباب ذلك الرحيل الموجع سوء خدمات المستشفى.

   معلومة عرضية تفيد بأن الفنان (باسل مجيد رشيد) كان يشغل منصب أمين سر اتحاد الموسيقيين حتى عام/2009 لكنه استقال مطالبا تعليق عضويته من ذلك الاتحاد حفاظا من ماء وجهه جراء مواقف وتصرفات وسلوكيات كانت تجافي طبيعة وحقيقة عمل الاتحاد المذكور، وكان بذلك أذكى -بتقديري- من مجرد الاحتفاظ بذلك المنصب، رافضا معادلة أو مفهوما أضحى متداولا، في لغة وقاموس من يفضل المنصب على الموقف، يقول: الى العلا حتى ولو على الخازوق، لكي يبقى وافيا مع نفسه ومع من يحيط به، كما فعل (باسل) الطالب مع المعلم (باسم)، في مقومات نظرية أطلق عليها صديقنا الموسيقار (سالم عبدالكريم) بعمق ولهفه استفساراته واستفهاماته (الهاتفية) -من هناك- بـ(نظرية الوفاء) تعبيرا صادقا، دالا عن جوهر موقف، بل مواقف ذلك الطالب النجيب.

التعليقات معطلة