واحدة من ظواهر كثيرة شهدها العراق بعد 2003، هي الانتخابات التي امتدت أفقيا وعموديا وطولا وعرضا بصورة لافتة للنظر، ربما بتأثير الديمقراطية التي أصابتنا بالهوس، او لان اللعبة مسلية فاستلطفناها، فزيادة على الانتخابات الخاصة التي كانت معروفة عند المحامين والصحفيين والمعلمين.. الخ، بدأنا ننتخب رئيسة الممرضات ومدير المدرسة ورئيس اللجنة البرلمانية ومراقب الصف ورئيس الوفد المفاوض ورئيس الكتلة النيابية في البرلمان ومسؤول الإدارة والذاتية ورئيس السواق من دون النظر إلى الخدمة والكفاءة والتجربة، وإنما بالاعتماد على ما تفرزه صناديق الاقتراع أو أوراق التصويت، وهي تفرز بالطبع الغث والسمين، والعالم والجاهل، والنزيه والفاسد، وهذه احدى مشكلات الديمقراطية في البلدان المتخلفة، لان الذي يقودها ليس الوعي والحس الوطني والشعور بالمسؤولية بل في الغالب عقل العشيرة او عاطفة الدين او عشق المذهب او صلة القربى او رابطة المكان او الحقد الاعمى، ولهذا ما زلنا نعمل تحت شعار، جاهل من عشيرتي ولا عالم من عشيرتك ، وظالم من الاكثرية ولا عادل من الأقلية!
ومع ذلك تبقى الانتخابات الابرز ، والاكثر استحواذا على اهتمام الناخبين بصورة عامة ، والمرشحين بصورة خاصة ، هي المتعلقة بالبرلمان ومجالس المحافظات ، لانها تمثل خطوة نحو السلطة التنفيذية ، كونها العنصر الجاذب للاستثمار والعنصر البراق ، الذي يخفت امامه بريق السلطات التشريعية والقضائية والاعلامية ومن هنا كلما اقترب موعد انتخابات (المجالس او البرلمان)، ارتفعت من كل الانواع والاشكال الاف الاف اللافتات والصور والملصقات الدعائية في الشوارع والازقة والاسواق ، وعلى جدران البيوت والمدارس ورياض الاطفال ومؤسسات الدولة وحاويات النفايات والمقابر ، وانتعشت معها حركة المطابع والصحف والفضائيات وشتى وسائل الإعلام وشركات الدعاية والنشر، ووجد مئات العاطلين فرصا ذهبية لأعمال مؤقتة، ولكنها توفر لقمة الخبز شهرين او ثلاثة ، ناهيك عن ازدهار اسواق الخطاطين وباعة الاقمشة!
وبات معلوما، انه مع كل موعد انتخابي، تطلق الشعارات الكبيرة والمسميات المبتكرة التي تحاول دغدغة عواطف الناس الميتة، بحيث تبث فيها الحياة، وتمنحها شعورا بالاطمئنان على مستقبلها الامني والغذائي والسكني… الخ، ومثل كل مرة بعد انتهاء الهوسة والاعياد الانتخابية ورقصة الاصابع البنفسجية، تعود الأمور الى ما كانت عليه، فتذبل العواطف وتخمد الآمال، وكأن الناس صحت من حلم جميل، ومثل كل مرة كذلك، اسأل نفسي الا يعد تخلفي عن المشاركة، وعدم الادلاء بصوتي (مصيبة) بحق الديمقراطية والمرشحين؟! ثم اسألها بصورة مغايرة: الا يعد حضوري واسهامي (مصيبة أعظم) بحق نفسي وحق العراق؟ ومثل كل مرة، أعيش صراعا مريرا وحوارا متعبا مع الذات، قبل ان اتخذ قراري الأخير!!