أحمد الشيخاوي/شاعر وناقد مغربي 
نمارس كبتنا على الورق ومن ثم حشوه بما يتماشى والتعبير على ثوابتنا وقناعاتنا الراسخة، عن وعي أو عن غير وعي ننطلق من المقولة الخلدونية ” ما لم أكتب أجن” ،هذا مع تحسّس نسبية الحرية المتاحة لنا واعتبار لحظات الشلل التام/ السجن كما في حالة الفيلسوف العربي الكبير ابن خلدون،حياة الأقفاص الشائكة التي تقلص مساحة إعمال العقل واختمار الفكرة  وترجمة ما توسوس به النفس إلى نصوص يكتمل الإحتفاء بها مباشرة فور تصيّد الصدى الطيب والمطلوب لدى المتلقي متحرر الذائقة هو بدوره من الأحكام الرجعية الحقودة..  الإنسان حكّاء بطبعه ولا أدل على ذلكم من ما يروى عن الأقدمين، إذ شكلت الرواية أو القص أو الأحجية،الفاكهة ذات النكهة التي لا تقاوم ولا تضاهي لذتها ،فكان المجلس بدون تعاطيها يفتقر إلى ما يجمع على الإمتاع والإفادة وفي كثير من الأحيان ضخ دم الحماسة في دماء المستمعين.. ففي الجاهلية عاش الرواة جنبا إلى جنب مع زعماء القبائل معززين مكرمين، وهم الصفوة والنّخبة المقربة في حضوتها باحترام كل الشرائح المجتمعية أنذاك ، وفي ظل الإسلام أيضا، لم يتم إلغاء الدور السردي كأداة ناجعة  ووسيلة فعالة تعتمد في الإقناع وشحذ الهمم وتوحيد الصفوف، لكن مع تعديلات طفيفة في آليات الحكي أو القص والسرد، متمثلة في تشذيب اللفظ وتهذيبه وفق ما يسمو بالذائقة ولا يخدش الحياء أو يهين الكرامة الإنسانية، حتى أن العديد من الأحاديث النبوية الشريفة انتحت منحى القص ، والمجال هنا لا يسع لتسليط الضوء عليها أو النهل من دررها،غير أن الجدير بالذكر ،ومن منظوري الشخصي، لا أخال مجتمعا قد استغنى عن خدمات عملة نادرة ببريقها لهجت حتى الرمق الأخير ألسن رواة سجل لهم التاريخ بصمتهم وضلوعهم في هذا المجال..
وكشقّ ثان أقول : إزاء هذا ؛لا غرابة في أن تصطبغ أعمالا جديدة لبعض الشعراء بالخطاب السردي كتكتيك للإثارة الفكرية والجمالية التزاما بما يضمن إشباع فضول المتلقي انبثاقا من تجربة ذاتية تؤطرها المعاناة والوقوف عند خطوط حمراء يمليها اليومي وما تشهده الجغرافيا العربية من أحدات دامية وفوضى وتلاعبات سياسية وأوبئة اجتماعية وغبن ثقافي ومحن وأوجاع بالجملة لم يشهد لها مثيل من ذي قبل.. الشعرية الجديدة بدورها انغمست في بوثقة الراهن بغية تناول قضاياه بشتى مكوناتها وما تنطوي عليه من عجائبية ومفارقات، فتبرجت القصيدة وكشفت ملامح مسارها المثخن بالسرد وتفاصيله إمعانا في استغراق مشاهد الدم والموت الدمار تزامنا مع تأجيل الفرح وبقية ألوان البصيرة في نزوعها إلى التغني بعنصر الإنسانية كلبنة من أبرز ما تتأسس عليه قضايانا الوجودية أصلا..
وهكذا أرخى المتخيل ظلاله وبكل ما يمتلك من ثقل، ليبسط سلطته على مسار السرد ،وكأنه الأليق بشعرية جديدة  ذات رداء مختلف من حيث  حيازة النفس قد الدرامي المتيح للمتخيل مع كثير من التفنن ، رسم الحدود المنتشية بلون وطعم ورائحة الدم..

التعليقات معطلة