أندرو هيل
شركة فندينج سيركل تسكن مكتبا تقليديا بشكل ظاهر في القلب الرصين للحي المالي في لندن. لكن داخل مقرّها الرئيس – موطنها منذ أيلول (سبتمبر) – تتباهى بأن لديها كثيرا من مظاهر شركات التكنولوجيا الشابة الطموحة: مقهى تابع للشركة، وطاولة بلياردو باللون الأرجواني تتطابق مع نظام الألوان في الشركة، وملعب جولف صغير، ومجموعة متنوعة من المساحات الجانبية الغريبة من أجل الاجتماعات العفوية.
شركة الإقراض من النظير إلى النظير، الموجودة منذ ستة أعوام فقط لكنها توظّف الآن 570 موظفا، منهم 280 خارج المملكة المتحدة، لديها شيء آخر مُشترك مع الشركات المُبتكرة سريعة النمو للغاية: الانشغال بالبيروقراطية.
يقول أندرو مولينجر، المؤسس المُشارك البالغ من العمر 33 عاماً: «عندما تُصبح أكبر، تحصل على جميع هذه المسائل الحرجة. الاضطراب سيكون موجودا على نطاق واسع. كيف تُوجد النظام وتكون أكثر فعالية كمجموعة؟».
ليس كافياً أن «تُفكّر بذكاء» وأن «تنجح في تحقيق الأمر»، كما تنصح الرسائل التحفيزية على جدران المكاتب. يعترف أنه في الوقت الذي تنمو فيه شركة فندينج سيركل، كذلك ينمو الهيكل والتسلسل الهرمي. ومعهما يأتي التهديد بأن جرعة زائدة، إن تُركت بدون تفقّد، من البيروقراطية يُمكن أن تُعيق الابتكار وتعمل على إسكات المبادرة. مثل هذا المصير قد يبدو بعيداً بالنسبة لشركة فندينج سيركل وغيرها من المنظمات الشابة، لكن المعركة ضد البيروقراطية هي حقيقة واقعة بالنسبة لكل شركة قائمة تقريباً. في مواجهة التكاليف المُتضخمة وتباطؤ اتخاذ القرار في رولز رويس، وارن إيست، الرئيس التنفيذي للمجموعة الهندسية، بدأ باختيار كبار الموظفين في كانون الثاني (يناير)، من خلال إعادة هيكلة الأقسام وجعل الوحدات التشغيلة تابعة له مباشرة. إيست، الرئيس السابق لـ «آرم هولدينجز»، شركة تصميم الرقاقات، يقول إنه يُعيد صياغة «البرنامج التنظيمي» في رولز رويس. فولكسفاجن، التي تعرّضت لفضيحة، خفّضت عدد كبار المديرين التابعين مباشرة لرئيسها التنفيذي، من أجل تسريع الإجراءات وتبسيط اتخاذ القرارات.
وللحؤول دون توسع البيروقراطية، تطوّر الشركات نماذج من «التنظيم الذاتي» أو «الإدارة الذاتية» على نطاق أوسع مما تمت محاولته سابقاً. زابوس، متجر تجزئة الأحذية المملوك لشركة أمازون، يتحوّل إلى الـ «هولاكراسي»، وهو نظام مُسطّح أكثر يتخلّى عن المسمّيات الوظيفية – على الرغم من أن مغادرات الموظفين والتوتر ولّدا كثيرا من الدعاية السيئة خلال الفترة الانتقالية المؤلمة. هاير، شركة الأجهزة الكهربائية المنزلية الصينية، سرّحت عشرة آلاف مدير من المستوى المتوسط في عامي 2013 و2014. وتعمل على تحويل نفسها إلى شركة مساهمة فعّالة تُشرف على شبكة من الشركات الصغيرة التي تتنافس مع بعضها بعضا على الموارد المركزية.
الجائزة التريليونية
جاري هاميل وميشيل زانيني حسبا في دراسة نُشرت الشهر الماضي أن «التغلّب على البيرقراطية» يُمكن أن يُحقق دفعة ذات قيمة للإنتاجية في الولايات المتحدة. وأشارا إلى أن نسبة الموظفين إلى المديرين يُمكن أن تتماشى مع الشركات «الطليعية» الأكثر كفاءة، بما في ذلك هاير، وهانديلسبانكن السويدية، التي تملك ثلاثة مستويات إدارية فقط، وقسم الطيران في جنرال إلكتريك، التي يوظف مصنعها في كارولينا الشمالية مديرا واحدا فقط للإشراف على 300 من الفنيين. من خلال الاستقراء من أرقام مكتب العمل الأمريكي، يُقدّر الباحثان أن هناك 12.5 مليون «بيروقراطي» فائض – من مديرين وإداريين – يُعيقون الاقتصاد الأمريكي، فضلاً عما يُعادل 8.9 مليون من «المرؤوسين الذين ينجزون الأعمال الورقية»، وهو رقم يستند إلى عدد الساعات التي يقضيها غير المديرين في أعمال «ذات قيمة مشكوك فيها». إعادة نشر هؤلاء الموظفين البالغ عددهم 21.4 مليون موظف في أعمال «تُوجد الثروة» يُمكن، كما يعتقد المؤلفان، أن يُضيف ثلاثة تريليونات دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي السنوي في الولايات المتحدة. ويُقدّران أن حجم «الطبقة البيروقراطية» في المملكة المتحدة عام 2014 كان 19 في المائة من القوة العاملة، مقابل 17.6 في المائة في الولايات المتحدة.
وكتب البروفيسور هاميل وزانيني: «البيروقراطية لن تبدأ بالانهيار حتى يعترف قادة القطاعين العام والخاص البارزون بحقيقة أن هدر الإمكانات البشرية الناجم عن البيروقراطية أمر لا يُمكن الدفاع عنه أخلاقياً».
هذه الحسابات تستند إلى كثير من الافتراضات، وخطابهم كما يقول النقّاد في المجال الأكاديمي، مُبالغ فيه. لكن المفارقة في قلب النقاش بشأن الضغط لهدم التسلسلات الهرمية، وإزالة البيروقراطية، وإلغاء دور المديرين من المستوى المتوسط، هي أن جميع المنظمات بحاجة على الأقل إلى بعض من جميع العناصر الثلاثة إذا كانت ستبقى متماسكة على الإطلاق – أمر حتى البروفيسور هاميل يُدركه.
جاي سوتوفسكي، كبير الإداريين الماليين في نيو فويس ميديا، شركة خدمات السحابة القائمة في المملكة المتحدة التي نمت من 30 إلى 350 موظفا في غضون أربعة أعوام، يقول: «الإجراءات والبيروقراطية ليستا كلمتين جميلتين وليستا مرغوبتين أبداً، لكن وجود الإجراءات والهياكل والوضوح يعد أداة تفعيلية وليس أداة تقييد».
حتى الشركات التي بدأت مع طموحات طليقة لتكون مختلفة، بحاجة إلى «قضبان حراسة»، هذه هي الطريقة التي وصفت فيها كايزر بيرمانينت، مجموعة الرعاية الصحية الأمريكية، القواعد غير القابلة للتفاوض التي استخدمتها لتتمكن من الحصول على نظام قياسي في الرعاية الصحية جديد ومُعقد بين عامي 2004 و2010.
نظرية الفوضى
بدون هذه القضبان يُمكن أن تنحرف الشركات بشدة. في وقت سابق من هذا العام، مثلا، زينيفيتس، شركة الوساطة المالية للتأمين الصحي القائمة في كاليفورنيا، جذبت دعاية سلبية واهتمام الجهاز التنظيمي بسبب ثقافتها المتراخية. قال رئيسها التنفيذي في مذكرة بعد استقالة سلفه: «الحقيقة هي أن العديد من الإجراءات الداخلية، والضوابط والإجراءات لدينا حول الامتثال لم تكُن كافية».
دومينيك جاكويسون، مدير المواهب في إنديكس فينتشرز، مجموعة رأس المال المغامر، يقول إنه من خلال تجربته في مساعدة الشركات الناشئة على الصعود «الفوضى هي المشكلة الرئيسة»، وليس وجود فائض من البيروقراطية.
مع ذلك، في الوقت الذي تنمو فيه الشركات، يجب على المؤسسين تفويض المهام للمديرين، من رؤساء المُنتجات أو التسويق، إلى كبير الإداريين التشغيليين المؤهل بالكامل. كما يحتاجون أيضاً إلى سياسات الموارد البشرية التقليدية – مثلا، فيما يتعلّق بإجازة الأمومة، أو إدارة الأداء – لتعيين الموظفين والاحتفاظ بهم. مولينجر، من شركة فندينج سيركل، وهي واحدة من استثمارات شركة إندكس فينتشرز، يقول: «كونك من المؤسسين، فإنك تملك صلاحيات هائلة، لكن رحلتك بالكامل هي تجربة اجتثاث للسلطة».
في عملية تعيين المديرين، تتشكل التسلسلات الهرمية الجديدة. وجد بحث أجراه ليندريد جرير، من كلية الدراسات العُليا للأعمال في ستانفورد، وآخرون، أنه في أحسن الأحوال، عندما يُدرك أعضاء الفريق نقاط القوة لبعضهم بعضا، فإن التسلسلات الهرمية يُمكن أن تعمل على توضيح الأدوار وتشجيع أداء أفضل. لكن في أسوأ الأحوال، هيكلة التسلسل الهرمي يُمكن أن تُعيق فريق العمل من خلال تشجيع المماحكات والتنافس غير المُنتج.
سبب آخر للروتين الإداري هو التعقيد. بوب ساتون، أستاذ آخر في جامعة ستانفورد ومؤلف مُشارك لكتاب «سكيلينج أب إكسيلانس» (توسيع نطاق الامتيارز) يُشير إلى «مدى بطء أفضل شركات التكنولوجيا مثل فيسبوك في الانتشار في مواقع متعددة». يقول إن حذرها المُبكر بشأن التوسع الجغرافي يُساعد في تفسير نجاحها.
تقريباً بمجرد أن تفتح أي شركة قسما واحدا أو اثنين تابعين لها، تُصبح على الطريق إلى إدارة «مصفوفة»، بحيث يحتاج الموظفون إلى الرد على أكثر من رئيس واحد – رئيس إقليمي، مثلاً، ورئيس قسم. مثل هذه الهياكل يُمكن أن تُشجّع بشكل مفيد التواصل بين الأقسام المنفصلة. لكنها أيضاً يُمكن أن تُضاعف عدد إقطاعيات وجيوب البيروقراطية. القوانين التنظيمية – كما اكتشفت المصارف على وجه الخصوص منذ الأزمة المالية – تضيف حتماً طبقات من الموظفين الجُدد، المسؤولين عن تنفيذ القواعد، حتى مع تخفيض الوظائف المُدرّة للدخل.
التقليد أيضاً يُمكن أن يُعزّز الإجراءات الإدارية. في رولز رويس، اعتزاز قوي ببراعة المجموعة الهندسية، جنباً إلى جنب مع الحاجة الضرورية لتلبية معايير السلامة العالية، تحوّل مع مرور الزمن إلى فائض من الرقابة. تقول الشركة إن 12 توقيعا كانت مطلوباً في بعض الأحيان من أجل تصميم أو تغيير إجراء لا يتطلب سوى أربعة مستويات من التوثيق، بسبب «أسطورة كانت قد نمت أن 12 توقيعا كان هو العدد المناسب».
أخيراً، الحظ الجيد يُمكن أن يُعمي الرؤساء التنفيذيين عن تفاقم عدم الكفاءة والإجراءات. جون كينث جالبريث صاغ مُصطلح «استهلاك» على مخزون من الاختلاس غير المُكتشف الذي يحدث في الأوقات الجيدة عندما يكون «الناس مرتاحين، ويثقون بالآخرين والمال وفير». بالمثل، غالباً ما تتسامح الشركات مع الفائض البيروقراطي حتى تتراجع الأسواق وتُصبح مستويات الإدارة غير الضرورية واضحة، كما هي الحال في بعض مجموعات الموارد بعد انخفاض السلع الأساسية.
لتجنّب هذا المصير، يُشير البروفيسور ساتون إلى أنه في الوقت الذي تُصبح فيه الشركات أكبر، ينبغي لها الانقسام إلى وحدات أصغر ليكون من الأسهل إدارتها وتحفيزها.
الانتهاء من السباق
إدارة المشاريع خلال دورات أقصر أيضاً تجعل تفاقم البيروقراطية في أدنى حد ممكن. هذا النهج مألوف بالنسبة للذين يستخدمون ما يُسمى أساليب تطوير برمجيات سريعة والشركات الأكبر تختبر منح فِرق العمل الأصغر المزيد من الاستقلالية.
تم تأسيس «اتحاد التعلّم للاقتصاد الإبداعي»، الذي يتضمن مايكروسوفت وريوت جيمز، مجموعة الألعاب على الإنترنت، في عام 2015 لمشاركة المناهج غير التقليدية في الحد من الروتين والخلاف الإداري. مثلا، قسمت إريكسون 2300 من مهندسي برمجيات الشركات، الذين يتم التنسيق فيما بينهم من إيرلندا، إلى أكثر من 100 فريق عمل صغير مُستقل، تطور المنتجات في «سباقات» لمدة ثلاثة أسابيع.
إسحاق جيتز، مؤلف كتاب «فريدوم إنك»، الذي تم اعتماد فلسفته للشركات «المُتحرّرة» بمنح المزيد من الاستقلال الذاتي للعاملين من قِبل مجموعات مثل ديكاثلون وميشلان في فرنسا، يقول إن إدارة وحدات أصغر قد يكون أكثر كُلفة. لكنه يُضيف: «ما ستحصل عليه هو سرعة الحركة، والإبداع، والابتكار، والمشاركة ورضا الزبائن».
في بحثهما، يقول هاميل وزانيني إن الانتصارات السهلة المُعتادة على البيروقراطية، مثل تقليص حجم المكتب الرئيسي، أو التخلّي عن بعض المديرين كما تفعل باريك جولد ورولز رويس، عادةً ما تكون «صغيرة ويتم عكسها بسرعة». لكن في حين أن هدفهما للتغلّب على البيروقراطية يبدو متطرفاً، إلا أن حلّهما أكثر تدرّجاً. فهما يشيران إلى أن الشركات ينبغي أن تُدير «هاكاثون» – مسابقات داخلية – من إجل إيجاد طُرق حديثة لحل المشاكل التشغيلية. بعد ذلك، يُمكن نشر الإصلاحات على نطاق أوسع إذا كانت ناجحة. يقول البروفيسور هاميل: «السؤال هو ليس ما إذا كنت بحاجة إلى السيطرة أم لا، أو ما إذا كنت بحاجة إلى الإجراءات أم لا، أو الانضباط أم لا. السؤال هو كيف تحصل على ذلك؟». أما بالنسبة للحلول الأكثر تطرّفاً، مثل الـ «هولاكراسي» – التي تستبدل المديرين بنظام مُدبّر بعناية من الاجتماعات والمناقشات – فهو يعتقد أن مثل هذه التحوّلات من الأعلى إلى الأسفل محكوم عليها بالفشل. يقول مُشجّعو الـ «هولاكراسي» إن النقاد أساؤوا تفسير هذا النهج، الذي يصفونه بأنه إطار عمل لتطوير طرق جديدة للتنظيم. يقول البروفيسور جيتز في الشركات «المُتحرّرة، نحن بحاجة إلى عدد أقل من المديرين، لكن لم يتم تسريح هؤلاء المديرين – لماذا تسرح شخصا كان جيداً لمدة 15 عاماً؟ بل تعرض عليهم ما يُسمى جسرا: «عودوا إلينا وأخبرونا ما الذي ترغبون في عمله للمساهمة في رؤيتنا؟». ليس نوعا من المناصب البيروقراطية، بل نوع من النهج الإبداعي الشرعي». الرئيس التنفيذي في هاير، تشانج روي مين، مثلا، يقول إن كثيرا من مديري المستوى المتوسط الزائدين عن الحاجة في الشركة وجدوا أدوارا أكثر إنتاجية في الشركات الصغيرة الجديدة داخل المجموعة. على مدى تاريخ الشركات، كان البندول يميل للتأرجح بين البيروقراطيات المركزية والشبكات ذات السيطرة الضعيفة. التحدّي هو منع الإجراءات من التفاقم إلى بيروقراطية مع مرور الزمن. يقول البروفيسور ساتون إن أي قائد لا ينظر باستمرار إلى التخلّص من القواعد والإجراءات غير الضرورية هو مثل بُستاني يقول «أنا عليّ جز العشب الخاص بي مرة واحدة فقط». في الوقت الذي كانت تنمو فيه شركة فندينج سيركل، قال مولينجر إن واحدة من أصعب الأشياء التي يجب تفسيرها للموظفين هي أن الاجتماعات كانت تُصبح غير عملية. بعض الموظفين سيكونون في حال أفضل بعدم المشاركة. لكن الحضور، كما تبيّن، كان دليلاً على المكانة التي كان الزملاء مترددين في التخلّي عنها. لقد تعلّم درساً: «بيروقراطية شخص واحد هي بمثابة تمكين لشخص آخر».