Pdf copy 1

        قراءة  للناقدة والتشكيلية التونسية خيرة مباركي  
قصيدة “غزالة الركض ل أحمد قنديل “مرة أخرى يسرج بنا شاعرنا في أعماق تيهه مع أنثاه المترنحة على أناغيم الجمال المتهادية في تراتيل العشق ..وأي جمال ؟إنه جمال تخشع له عشتار في أوج بهائها ..قد مياس تخترق مداه الحواسُ فيطوع كل أفانينه لتستجيب لنداء الجيد المقدس ..للنهود ..للعيون ..للخصر الأملود … شبقية باذخة شكلها بهسيس الحرف وقلقلة القوافي ..مناجاة وبوح وفي بوحه صدى يخترق منا الفؤاد ويطبق ..لغزالة تحيي الشعر وهو رميم .. فتطرح بسحرها مخزون ذات مضمخة بانفعالات مترعة بروحه الحساسة التي تهفو للجمال وتشرئب للمطلق ..للسرمد ..للأفق البعيد ..بأحداق حالمة موغلة في إفكها تتجاوز كل الأعراف ..لقد طلع علينا شاعرنا بنسيج كصهد الزهر حين يتفتح للعشق ..كأحداق الليل ..وروعة المجون ..يهدهد للشعر مصلوبا بجحيم فكرة يولد من قهقهتها الخيال .. إنها ميّادة تتبختر في أحلامه غادة تترشف الملائكة من أديمها حتى نتوهم انها الصدق ..صاغها من أعنف أحلامه طيفا من السحر ..غزالة تضرم قلب متيمها ..بقَدٍّ يميس وجيد يهز القافية ..وشفاه حلو الشام يحسدها ..بعيونها بحار تيه ..ومن رموشها يغرق الشفق ..إنهاغادة من الأحلام وجْدُها يسعر القلوب ويسقر العقول .. لقد أبحر بها عاشقها في جداول بلا نهاية ..مطلوقة كالآهات …إنه ضرب من التداعي الصوري ..قد يوحي بحركة المادة في نزوعها إلى أفقها السفلي حسب فلاسفة الأخلاق ..ليعبر عن معنى الحب فتكون بذلك حركة أخرى للنزل سليلة الأولى و هي التحول من الحلم إلى الواقع ..فيكون بذلك التلذذ بالمعاني القدسية والتيه للحسن المعشوق ..فهي بذلك الوجود وهو الزمان .. والحب بينهما هو المناسبة التي تطير فيها الأرواح من موادها لترتقي نحو إقامة شاعرية في المعارج ويجعل من خطابها بستانا يتنزه في أبعاضه ..وهذا ما يعبر عن حركة عكسية لحركة النزول ..لذلك فبين الحركتين رحلة انصهر مرتحلها في شعاب لذائذها وما توقظه سوى نيران الحب ..لعلها رؤية الخلق في الحق تذكرنا بفلسفة ابن عربي الصوفية في الحب حين يعتبر أن معاشرة النساء تنقل الروح إلى مقام رؤية الخلق في الحق وتمزيق الحجاب عن وحدة الوجود …والكمال إنما يتحقق في حب حسناء ليس لها مثيلا في البشر ..فتغدو نعيم الذات إلى درجة الفناء ..وعاشقها من ينال هذا النعيم أما جمال الصورة فهو النديم ..إنه احتفال شعري ممزوج بعنت صوفي ..قد يعلن من خلاله عن تقديس الحب وإفراغه من معناه المتداول الذي قد يصل عند البعض إلى الفهم الإيروتيكي ..ولكنها ظاهرة في الشعر الحديث وهي العودة إلى التجربة الصوفية ..فبدا شاعرنا في رغبته المتأججة اشبه بحرقة النار التي اختطفها برومثيوس من الآلهة ومنحها للإنسان ..هنا قد نحول وجهة القراءة إلى بعد وجودي ..يجعل من هذه الأنثى بما تعبر عنه من رغبات دفينة ..وسيلة للتواصل مع هذا الوجود ..لقد انبثقت أمامه بلا اسم ولا هوية ..ربما جاءته في الأحلام ..وحتى وإن كان لها صدى في الواقع فلم تعد كذلك بل تحولت إلى بنية جمالية وكائن شعري ..قد تكون السبيل لحوار بين الذات ونفسها ..وبين الحقيقة والوهم وبين المحاكاة والإبداع ..وبين السعادة والشقاء ..إنه تضاد يتحكم في ماهية العشق ..ولكنه في الآن نفسه يكشف علاقة هذه الذات بالوجود ..فتكون المحاولة للقضاء على الاغتراب بالحب ..وليس أعنف من هذا الواقع وكرا للاستلاب والاغتراب …فيكون بذلك الحب الترياق ضد تراجيديا الزمان ..
غزالة ُ الرَّكْض ِ 
(بحر البسيط )
إن ْمَشَتْ 
فوق َ الضُّلوعِ ِ هَمَى
قلب ُ المتيَّم ِ عِشقا ً 
وَالهَوى شَبق ُ
ْهَذِي ضُلُوْعِي ْ 
كَمَانٌ .. 
حينَ تَمِسَسُهُا
أصابعُ الرَّقْص ِ 
مِن ْ رِجْلَيك ِ يا نَزَق ُ
ْغزالة ُ الرَّكْض ِ 
كَم ْ مُد َّ العِناق ُ بِنَا
في الحُلم ِ 
حَتَّى نَذِيرَا ً جاءَنا 
الفلَق ُ
ْكم بِت ُ أجدِف ُ في نهرين 
من ْ عَسَل ٍ
كَم ْ مَرْفأ ٍ 
كُلَّما لامَسْت ُ
أنزلق ُ
ْقَدّ ٌ يَميس ُ 
وجِيد ٌ هَزَّ قافيتي ً
رُحماك َ ياخَصْرَها
أوَّاه ُ , يا عُنُق ُ
ْفي النَّحْر ِ 
خَالان ِ يَخْتَالان ِ 
في سَبَق ٍ
كِلَاهُما فائِز ٌ 
والخَاسِر ُ السَّبَق ُ
ْْهَذِي الشفاه ُ 
وَحُلْو ُ الشَّام ِ يَحْسِدها
أَغْرَت ْ شِفَاهِي َ حَتَّى 
كِدْت ُ أستَبِق ُ
ْْمن ْ 
لي بكأس ِشفاهِ التُّوتِ 
تُسْكِرُنِي
أوَّاه ُ يا تُوتَها 
مِن ْ أين َ يانَبَق ُ !؟
ْذراعُ ( بِللوْر )
كَم ْ أخشى أداعِبها
لثما ً
فينكَسِر ُ البِللوْر ُ 
والطَبَق ُ
ْْوللعُيون ِ 
بِحَار ُ التيْه ِ .. حَدُّ مُدَى
لا طَفْو 
بعدَ الذَّبح ِ مِنْ رِمْشيك 
أو غَرَق ُ
ْنهدان ِ 
قد ْ وَقَفَا صَوْبِي ِ 
وفي ثقة ٍ
وللنهُود ِ إبَاء ٌ 
حِينَما تَثِق ُ
ْأشْعلْت ُ
مِنْ خَدِّها الكِبْرِيت َ 
يُدفئني
حتَّى كأنِّيْ كما الكبريت ِ
أحترِق ُ
ْسُبحانَ ربي 
الذي سَواكِ في هَيف ٍ
وأودَع َ الورد َ خَدَّا ً 
دونَه العَبَق ُ
ْْأنثى الحَنان ِ 
تعالَي : إنَّني ثمل ٌ
لا الحلم ُ يُجْدي 
ولا الأقدار ُ تَتفِق ُ

التعليقات معطلة