المستقبل العراقي/متابعة 
 
 هو شخص صعب جدا بإجماع من حوله، يبحث دائما عن لحظة تصادم مع الآخر فقط ليتحرر من طاقة الغضب التي تصر على اقتحام روحه المضطربة القلقة الرافضة لفكرة أن يتعامل مع كل المشكلات التي تلازم تفاصيل حياته ببساطة تقود في الغالب إلى الاستسلام وعدم الاكتراث بما سينتج عن ذلك الاستهتار من فوضى.
كم هائل من الغضب يحمله في داخله ضد الآخر، ومصالح مشتركة ومستمرة مع أولئك الذين يهوون المشاكل، ويخترعون قواعدها باعتبارها سلاحهم الوحيد الذي بإمكانه أن يجعل منهم أشخاصا أقوياء، لا يُكسرون أمام الكارهين والحاقدين.
بل يبقى صوتهم هو وحده المسموع، ربما لأنهم يجيدون صياغة المشاكل، ويحترفون فنونها بشتى أشكالها، اعتقاداً منهم أنهم بذلك سيفرضون رأيهم على الآخر، وستكون شخصيتهم هي الأقوى بدون منازع.
مثل هؤلاء الناس يؤمنون بأن الغضب ينبغي أن يدخل في كل تفاصيل حياتهم حتى وإن غير ملامحهم، وشيئا من تلك الروح المتوجسة دائما من واقعها القائم على المفاجآت.
فشلهم في صنع حوار مع من حولهم يدفعهم إلى حشد الكثير من المبررات المقنعة من وجهة نظرهم فقط بدون التفكير حتى بحقيقة تلك المبررات، الأمر الذي يتسبب في خلق مشكلات جديدة يحاولون إثراءها بكل ما لديهم من تفاصيل قادرة على تأجيج الموقف وتصعيده بحجة أنهم يريدون إحقاق الحق، وكشف الستار عمن ظلموا، وسلبت حقوقهم.
لكن الحقيقة على العكس من ذلك تماما، فهم وبالرغم من قدرتهم على التصنع والاختباء خلف حجج زائفة مضللة تفتقد للصدق والواقعية، إلا أن نواياهم المستترة تعد مكشوفة للجميع، كونها نوايا مبنية على ادعاءات كاذبة تطالب بالتعايش السلمي، وبتقبل الآخر كما هو بدون محاولة لتغييره أو بالأحرى إعادة برمجته وفقا لمعاييرهم الخاصة.ويستبعدون أن الحقيقة التي يحاولون جاهدين تجميلها وترميمها من خلال طرحهم لقناعات لا تشبههم بدت ملامحها المشوهة تتضح شيئا فشيئا، وبدت أيضاً مستعدة لمواجهتهم بأدلة من شأنها أن تحبط مخططاتهم. وتقلب حياتهم رأسا على عقب، ربما لأنهم لم ينجحوا ولو لمرة في اختراق حدود الآخر بهدوء وطمأنينة، بل على العكس كان دائما ينتهي ذلك الاختراق بالمناوشات التي غالبا ما تؤدي إلى إشعال فتيل الحرب ثانيةً بين طرفين أحدهما قادر فعليا على تكسير كل قوانين وأنظمة الحياة الآمنة. وارتجال المواقف الساخطة التي تعد بالنسبة لكثيرين نقطة سلبية تضاف إلى رصيد تلك النفوس المشبعة بالغضب غير المبرر، الباحثة عن كل ما من شأنه أن يخدم هدفها المتمثل في ترهيب من حولها، وتوريطهم أكثر بإخضاعهم لحالة الغضب التي تجتاح روحهم بالكامل وتنتزع كل ما هو جميل في داخلها، مع الاقتناع بسياسة التخويف تلك التي يرون فيها خيارهم الأوحد لحماية أنفسهم وكسب احترام من حولهم، على اعتبار أن اتباعهم لهذه الطريقة سيضاعف من قوتهم وسيجعلهم أقدر على فرض رأيهم ومصادرة حق الآخر في المناقشة وإبداء وجهة نظره الشخصية بمعزل عن أي ضغوطات من شأنها أن ترغمه على التنازل والانصياع لأحكامهم وقراراتهم المستبدة.إبقاؤهم على الاختباء داخل متاهات الغضب الضيقة، والخضوع لسلبياته المدمرة لكل اللحظات السعيدة والمؤقتة، ربما يضعهم في عزلة قصرية مع ذواتهم التي تأبى الانعتاق من أكثر التفاصيل تعقيدا وتحريضا على افتعال المشاكل مع الآخر، وإغراقه في الهموم الناتجة حتما عن صعوبة الالتقاء مع تلك النفوس التي تختص بالتنكيد على من حولها، واقتحام أي لحظة رقيقة دافئة من شأنها أن تنثر الفرح في زوايا أرواح تبحث عن ملامح الحياة الهانئة.

التعليقات معطلة