Pdf copy 1

نوزاد حسن
اليوم يتحدثون عن كتلة عابرة للطائفية تعمل من اجل الوطن. بعد كل هذه السنوات ادرك الجميع سر شباب العملية السياسية. انه في الابتعاد عن المحاصصة والطائفية. قيل هذا مبكرا لكن التطور الجديد هو ان المصطلح تغير، فبدلا من القول بأن على الجميع ترك الحزبية والفئوية والجهوية كما يقول دائما «ابو حمزة» اعني اياد علاوي, بدأ البعض يتحدث عن كتلة تتمتع بحرية نسر في السماء، كتلة تملأ صدرها بهواء نقي كي تنطلق لبناء الوطن الذي تعرض لمشاكل كثيرة, ولا يزال يتعرض.
اذن الكتلة العابرة للطائفية ليست مفهوما سياسيا بل هي وصفة علاج، لكن هل هي وصفة علاج سهلة التحضير؟. المشكلة في السياسة ان لا وصفة جاهزة يمكن ان تعيد ثقة الناس بقادة وجدوا ان للتفرق طعما ليس مرا، وان هذا التراشق الكلامي والتلاسن الدائم له طعم العسل.
ان قارئا من نوعيتي لا يزال يحمل في ذاكرته وصايا الاستاذ نبيل مدرس الرسم في المدرسة المتوسطة يشعر ان الامور لا تسير ضمن منطق القدر وانما تسير ضمن منطق الشهوة السياسية. للسياسة شهوة قوية كإعصار، ولعلنا نحن الطبقة المحكومة نعرف معنى الخسارة الحقيقية اليومية.
دعوني احدثكم قليلا عن ذلك الاستاذ الرائع الذي لا يزال يعيش في ذاكرة بعض الزملاء ممن درسوا على يديه, ولا يزالون احياء. لقد تحول درس الرسم الفارغ من اي معنى الى درس مهم. احيانا كان استاذنا يخرجنا الى السطح ويطلب منا رسم مشاهد لقناة الجيش حيث كانت مدرستنا تطل على افق القناة بأشجاره العالية وعشبه المشبع باخضرار غير مغبر. كنا نرسم وهو يراقبنا ويشرح, ويأخذ القلم ليضع بعض لمساته البارعة على اوراق رسمنا. بصوته الهادئ كان يمارس الرسم في صفحات ذاكرتنا. في احدى المرات سألنا هذا السؤال: من هو الانسان الميت؟. كلنا اجبنا: هو الذي يفقد الحياة ويصبح جثة. قال لا هذا المعنى سطحي. الانسان الميت هو الانسان الذي لا يقرأ.
كان يحدثنا عن الفن والرسم العراقي, وعن جواد سليم بطريقة رسام لا تزال رائحة روما تفوح منه، وكنا نتعاطف معه كروح غير مقيدة بتفاهات هذا العالم. وحين طلب من خمسة من طلابه زيارة بيته المبني بطراز معماري يعود لأيام الستينيات بقيت ملامح البيت راسخة في اعماقي. السياج الواطئ المزين بأزهار الجهنمية, والباب المصنوع ببراعة من الخشب والذي لا يزيد على المتر، والستائر المسدلة على الشبابيك. اما المرسم فكان مكانا مليئا بلوحاته. كنا في سفرة فنية بكل معنى الكلمة، وفي النهاية اعطانا اكياسا صغيرة فيها بذور لانواع مختلفة من النباتات وقال حاولوا ان تزرعوها.
الحكاية تشبه حلم مر, هكذا احسها في هذه الايام الصعبة. وفي الحقيقة انا اجد التشابه الكبير بين بطل تولستوي في الحرب والسلام «اندريه بولكونسكي» وبين مدرسنا الراحل.
انا في الحقيقة اردت ان اصنع توازنا بين ذاكرتي وبين مصطلح «الكتلة العابرة للطائفية»، فمن لا يتمنى ان تولد مثل هذه الكتلة لتغير الاوضاع الى الافضل.  

التعليقات معطلة