علي مزيد
تنفّس اللبنانيون الصعداء، وعاد أنصار الجنرال ميشيل عون وحلفاؤه إلى الطرقات، وهم يحملون أعلام التيار البرتقالية. اصطفوا على شرفات المنازل وفي ساحات بيروت وجونية وجبيل وسائر المدن والبلدات. أُضيئت السماء اللبنانية بالألعاب النارية، عمّت الاحتفالات أرجاء العاصمة. إنه الاحتفاء بانتخاب زعيمهم رئيساً للجمهورية اللبنانية. كلماتهم تعبر عن السعادة الفائقة وتشي بالكثير من اختزان الماضي «تحقّق الحلم»، «عدنا 26سنة إلى لوراء» «الجنرال عون قائد فريد» إلى ما هنالك. فالجنرال المولود في بيت متواضع – حسب تغريدة لقناة العربية – «ابن بائع حليب متحالف مع حزب الله»، والذي بجهده وكدّه أصبح قائداً للجيش اللبناني ما بين (1984-1990). هذا الجنرال عاد اليوم إلى «قصر بعبدا» رئيساً للجمهورية اللبنانية بـ ( 83 صوتاً من أصل 127)، القصر الذي كان قد سبق وغادره فجر 13 تشرين الأول 1990 إلى مقرّ السفارة الفرنسية، ليسافر فيما بعد إلى فرنسا في 30 آب 1991 حيث بدأ منفاه الذي دام خمسة عشر عاماً.
سنتان ونصف بقي المنصب الوحيد الذي يشغله مسيحي في العالم العربي فارغاً، فالتجاذبات السياسية والتدخلات الخارجية وخاصة السعودية منها كانت تحول دائماً دون اجراء هذه الانتخابات. الفرحة عامرة عند أغلب اللبنانيين وقواهم السياسية. والآمال المعقودة على الرئيس الجديد كبيرة، فالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في الحضيض. لذلك يجد كثيرون في الجنرال منقذاً للدولة والوطن، فالرجل زعيم استثنائي يحمل فكراً سياسياً حقيقياً ورؤية واضحة لإصلاح الدولة اللبنانية التي تشارف على الانهيار. في خطاب القسم بعد انتخابه يلخص الرئيس عون أولوياته التي تحتل فيها الوحدة الوطنية والهاجس الأمني الموقع الأهم. بدأ الجنرال بتأكيده على تطبيق ميثاق الطائف، من خلال إقرار قانون انتخابي يؤمّن عدالة التمثيل، ويحقق روح الدستور والمناصفة الفعلية، ثم انتقل إلى التأكيد على الوحدة الوطنية وتحقيق الاستقرار الأمني من أجل مواجهة «التحديات التي تواجهنا بصورة داهمة». تحدث الرئيس عون بمنطق الدولة «إن لبنان السائر بين الألغام لا يزال بمنأى عن النيران المشتعلة حوله في المنطقة، ويبقى في طليعة أولوياتنا منع انتقال أي شرارة إليه». وتكلم أيضاً بمنطق المقاومة «أما في الصراع مع اسرائيل، فإننا لن نألو جهداً ولن نوفر مقاومةً، في سبيل تحرير ما تبقّى من أراضٍ لبنانية محتلّة، وحماية وطننا من عدوّ لم يزل يطمع بأرضنا ومياهنا وثرواتنا الطبيعية». علماً أنّ هذا الكلام لا يختلف في شيء عن أطروحات حزب الله وحركة أمل وباقي قوى 8 آذار.
الشق الأهم من الخطاب تركّز على التعامل مع الإرهاب بطريقة وقائية «وسنتعامل مع الإرهاب استباقيا وردعيا وتصديا، حتّى القضاء عليه». ليس هناك أوضح من هذه الرسالة، فماذا يعني استباقياً؟ غير تدعيم وجهة نظر حزب الله في مواجهة الارهابيين التكفيريين قبل وصولهم إلى الأراضي اللبنانية، وتطرق الرئيس المنتخب أيضاً إلى أولويات أمنية أخرى، منها التنسيق بين الأجهزة والقضاء «إن بلوغ الاستقرار الأمني لا يتم إلا بتنسيق كامل بين المؤسسات الأمنية والقضاء.. ومن واجب الحكم تحريرهما من التبعية السياسية». ومن الأولويات التي ذكرها عون، تأمين عودة النازحين السوريين والتأكيد على حق العودة للفلسطينيين بالتنسيق مع الأمم المتحدة. وشدّد أيضاً على أولوية «مشروع تعزيز الجيش وتطوير قدراته، فهذا سيكون هاجسي وأولويتي، ليصبح جيشنا قادراً على ردع كل أنواع الاعتداءات على وطننا، وليكون حارساً أرضه وحامياً استقلاله وحافظاً سيادته».
وقد أولى الرئيس القضايا الاقتصادية والاجتماعية والمالية والانمائية والصحية والبيئية والتربوية، اهتماماً خاصاً في خطابه ووعد باعتماد نهج تغييري لمعالجتها، مشدداً على ضرورة ايجاد خطة شاملة؛ «فالدولة من دون تخطيط لا يستقيم بناؤها». كذلك أكدّ على أهمية «استثمار الموارد الطبيعية في مشاريعَ منتجة يؤسس لتكبير حجم اقتصاد حر قائم على المبادرة الفردية وعلى إشراك القطاع الخاص مع القطاع العام». ووعد الرئيس عون بإيلاء القطاع التربوي عنايته الخاصة، داعياً إلى استثمار الموارد البشرية في هذا القطاع. واحتلت قضية اللامركزية الإدارية، التي عادة ما يشدد عليها الزعماء المسيحيون في لبنان حيزاً هاماً من خطابه، فهي تجمع على حسب قوله ما بين المرونة والدينامية في تأمين حاجات الناس وخدماتهم، وبين الحفاظ على الخصوصية ضمن صيغة العيش الواحد». كذلك كان قانون مكافحة الفساد حاضراً لديه إذ أن كل ما تقدم لا يمكن تحقيقه من دون «إرساء نظام الشفافية عبر إقرار منظومة القوانين التي تساعد على الوقاية من الفساد وتعيين هيئة لمكافحته، وتفعيل أجهزة الرقابة وتمكينها من القيام بكامل أدوارها».
بالمحصلة يمكن القول أن الرئيس عون قد طرح نفسه كصمام أمان للبلاد. وحدّد العناوين الكبرى لعهده الرئاسي الذي يأمل هو وتياره وكل اللبنانيين، أن يحقّق نقلة نوعية في ترسيخ الشراكة بين جميع فئات الشعب اللبناني، والشروع في اطلاق نهضة اقتصادية تنقذ لبنان من الأوضاع المزرية التي يعيشها والانتقال إلى قيام دولة العدالة والمواطنة الحقة.
كل ما تقدم يشكل طرحاً واعداً ومحموداً ومُطالبا به من كل اللبنانيين الذين ينشدون الدولة العادلة والقوية، ولكن شريطة عدم الوقوع في فخ المحاصصة والنكد السياسي ما بين الرؤوس الثلاثة المكونة للسلطة وللنظام السياسي اللبناني. فيما أنصار الرئيس المنتخب منشغلون بالاحتفاء بهذا الانجاز، تنكب دوائر القرار والمجالس السياسية للأحزاب اللبنانية وربما السفراء في هذا البلد الصغير والمهم على دراسة احتمالات ما بعد هذا الحدث السياسي والدستوري الفائق الأهمية. الأحزاب وخاصة المشاركة منها في السلطة تعمل على تحضير مطالبها. وفيما تُسطر ملاحم الفداء والشهادة الرامية إلى تحرير حلب والموصل وغيرهما من الجماعات التكفيرية المجرمة، وفيما يبذل الجيشان العراقي والسوري وحلفاؤهما تضحيات جساماً في الميدان، ينتخب لبنان رئيساً مسيحياً مشرقياً ملتزماً بمحاربة هذه الجماعات ومقاومتها من دون هوادة وحريصاً على حماية التنوع في هذا الشرق العظيم والجريح.
هنيئاً للبنان والمشرق بانتخاب الرئيس المقاوم ميشيل عون.

