علاء جاسب
عندما يصنع القلم دهشة تحملك على الرجوع الى اصالة التفكير ، حتما أنت في رحاب التأمل تسافر عبر البوح الرمزي الى ضفاف العودة الذاتية للنقاء ،، 
ستؤكد قناعتك ذلك و أنت تقرأ الرواية المهمة ( مستر جونسون) للمتميز اﻻديب اﻻنكليزي (جويس كيري) ، قد تختلف مفسرات القراء للنص و قد يتفق كما اتفق النقاد على عبقرية الرواية ، لكن احساسك بمرونة البساطة العميقة و غياب الملل الدرامي هو الواضح في البناء النصي للرواية.
باعتقادي الشخصي ان في هذه الرواية وجهين ، اﻻول قناع مكشوف و الثاني رؤيا عميقة تتحدث بلغة ﻻ يترجمها سوى إحساس القارئ اللاشعوري ، و قد أخطأ الكاتب النيجري ( تشينوا إتشيبي) عندما تهجم على الرواية ﻻنها تتحدث عن فترة اﻻستعمار البريطاني لنيجيريا في القرن الماضي متهما الكاتب بإظهار همجية اﻻفريقيين بشخصية مستر جونسون و مجتمعه اﻻفريقي و ان هدف الرواية تقديم صورة تصغيرية و تحقيرية لنيجيريا ، ضمن اتهامه للأدب اﻻوربي عامة عن إفريقيا بالأدب الكولونيالي لرواية القصص التي تظهر إفريقيا بالهمجية لتبرير استعمارها و تجارة الرقيق . 
لكني ﻻ اتفق مع (اتشيني) برأيه حول رواية مستر جونسون و ربما اتفق معه حول التصور العام للادب اﻻوربي المساهم في تبرير اﻻستعمار ، لكن على العكس في هذه الرواية ، فقد أدان الكاتب (جويس كيري) تماما اﻻستعمار البريطاني بكشف الوجه الفاسد للادارة البريطانية المسؤولة عن المستعمرة النيجيرية في مدينة (فادة) التي تجري فيها احداث الرواية و اظهار البريطانيين بصورة سارقين للمال العام و مزورين للوثائق و يمارسون العنف الجسدي مع اﻻضعف و يركزون على مصالحهم السياسية و ﻻ تهمهم شؤون الناس في البلدان المحتلة و يحرصون على الحفاظ على المناصب السياسية بالتواطئ و تحالفات المصالح الشخصية من خلال شخصية (ردبيك) الحاكم السياسي البريطاني لمدينة (فادة) و شخصية (غوﻻب) الانكليزي صاحب المخزن التجاري الكبير و شخصيات انكليزية اخرى في الرواية.
قصة الرواية حول السيد جونسون و هو شاب ذكي نيجيري الجنسية يتكلم اﻻنكليزية بركاكة يعمل حديثا موظفا عند مركز حكومة مدينة (فادة) التي يديرها البريطانيون بإعتبارها مستعمرة انكليزية تحت قيادة الحاكم (ردبيك) ، يحب مستر جونسون أن يعيش حياته بالرقص و القاء الشعر و شرب البيرة و الحفﻻت الليلية الصاخبة و يتزوج من المرأة التي يحبها بالرغم من انها ﻻ تعرف ما هو الحب و تسير وفق املاءات و عادات اهلها و قبيلتها المتوحشة التي تزوجها لمستر جونسون بعد ان يتفقون معه على دفع مبلغ كبير من المال يسدد على قسطين ، و من اجل تحقيق كل هذه الرغبات للسيد جونسون فإنه يضطر على أن يعيش على اقتراض اﻻموال من الناس حتى يصل مرحلة التهرب من تسديدها و في ذات الوقت يستمر باللهو و اللابالية ، و نتيجة لتزايد رغباته في اﻻمتلاك فهو يضطر الى تغيير ارقام صرفيات الخزانة المالية بالتواطؤ مع مركز الحكومة الذين يستفادون أيضا من تغيير هذه اﻻموال لسرقتها أيضا ، كما أنه يوهم نفسه بأهميتها من خلال تقليده التام للأزياء و العادات البريطانية ، و الأهم من هذا أنه شخصية تصدق كذبها و تكذب على نفسها قبل الآخرين حتى أنه يفسر كل حدث وفقا لرؤيته النرجسية غارقا في وهم ذاته .
الرؤيا الخفية لشخصية مستر جونسون الذي أرادها الكاتب إيصالها لنا ، هو أننا جميعا مستر جونسون ، خدما للأقوى منا ، نسرق من أعمالهم و أفكارهم و نتشبه بهم لكنهم في الحقيقة هم من يسرقون منا و يزدادون قوة بنا ، يتحكمون بنا مثل الدمى من خلال ايهامنا بأننا شخصيات قوية و مهمة عندما نكون مثلهم لكننا في الحقيقة نفقد هويتنا و لغتنا و روحنا و نصبح مشوهين و مشرعين للسخرية ممن ننتمي إليهم و ممن نحاول الانتماء إليه باعتباره المستوى الذي نظن أنه المثالي ، مستغلين فينا حبنا للحياة و طيبة ساذجة ستوقعنا إلى أعتاب الجريمة بأنفسنا و ضمائرنا و بالآخرين .
المشهد الأخير من الرواية ، يوضح الفكرة بطريقة أكثر عمقا و تراجيديا مأساوية تختم القصة بصدمة عنيفة للقارئ موقضة فيه تناقضات حسية كثيرة ، فهو يصور هذه الشخصية بأن وهمها في القوة المثالية التي اتخذتها مصدرا للإلهام سيزداد أكثر و أكثر بالرغم من الحقائق المكشوفة بزيف هذه القوة و أن مستر جونسون يحاول إيجاد الأعذار لهذه القوة التي ستعمل على سجن مستر جونسون و الحكم بإعدامه ، و مع ذلك يستمر في وهم تقديسه لهذه القوة التي تبني على جسده شيئا من أمجادها المزيفة .
لن احدثكم عن المشهد الأخير في الرواية حتى لا أفسد الحبكة الدرامية للرواية و قيامكم باستنباط الفكرة حسب منظومتكم الفكرية العامة للتصور السايكلوجي ، لكن ما يؤكده الكاتب هو أن الإنسان حتما سيدخل في ارتباك ثقافي و طرق تائهه و سينتهي إلى الهاوية عندما ينفصل عن جذوره الفكرية الحقيقية و عندما يقلد المختلف عنه من دون وعي و لا تخطيط للاستفادة في تطوير قاعدته من دون الإخلال بالهوية ، كما أن الكاتب يدين الواهمون بالمجد و هم لا يملكون سوى القشور لخداع الآخرين بزيف تميزهم في حين أن الناس جميعهم و بالذات الأقربون له سيرون مع الأيام حقائقه المزيفة التي ستسقط تباعا .
كل شخصية في الرواية لها رمزيتها المهمة ، و لا تسع الصفحة لاحدثكم عن مغزاها لإيصال المعاني التي ذكرتها أعلاه .
ترجمة الرواية إلى العربية من قبل السيدة أمل الشرقي كانت سيئة و غير مفهومة إلا من خلال قراءتي للنص الإنكليزي .
في النهاية أقول أن الرواية تحولت إلى فيلم سينمائي عام 1992 ، لكن الفيلم كان سيئا للغاية و دمر فكرة الكاتب محولا إياها إلى قصة مفككة تبتعد تماما عن رؤية الكاتب جويس كيري لما أراد إيصاله لنا ، و هذه أحد سياسات السينما و هو تزييف الثقافة لصالح المتعة من أجل تخدير عقول الجماهير .

التعليقات معطلة