مؤيد عبد الزهرة
تعود في طلب الرزق مبكرا ابتغاء في دعوة النبي صلى الله عليه واله وسلم “ اللهم بارك لأمتي في بكورها” فالصباح مبارك ، ولكنه بخلاف أيامه هذه المرة كان احمد الجاسم “ أبو مريم “ يتنفس صباحه برئتين من توجس وقلق من انفجار او أكثر من الوحوش الشرهة لإفطار بطعم الدم وحرائق تزرع اللوعة في قلوب الأمهات وتجعل صباحاته كوابيس لاتطاق ..مع ذلك هاهو النهار يغسل وجهه من الندى ويرتدي ثيابه ويعلن حضوره ليدخل في الضجيج ، عربات الجوالين والحمالين تتوزع أمكنتها عند الأسواق الشعبية فيما تزعق السيارات بأبواقها علامة للزحام واختناق الشوارع والجسور التي توزعها باعة الشاي والسكاير والمناديل الورقية ولعب الأطفال وكارتات الموبايل وحتى باعة “ السميط “ فضلا عن متسولين من عجائز ونساء منقبات وأطفال اتخذوا من بيع العلكة ومسح زجاج السيارات عند تقاطعات إشارات المرور غطاء ليكونوا بعيدا عن أعين حملات الشرطة التي تجمع المتسولين من الطرقات العامة بين فترة وأخرى..وثمة مجاميع لأطفال يحملون على ظهورهم الحقائب في طريقهم إلى المدرسة تسبقهم ضحكات ملونة وشقاوات بريئة
ومثل كل يوم أيضا صافح وجهه هذا الصباح بائع صحف وأكثر وقد توسطوا الشارع المزدحم ملوحين لأصحاب السيارات والركاب بالصحف وهم يتسابقون هنا وهناك لمناولتها لهذا أو ذاك ..بيد أن أكثر ماشد احمد الجاسم هذه المره جديد المواد الكهربائية لفصل الصيف من مراوح بأنواع وإحجام وبرادات وثلاجات ومبردات اغلبها ذات منشأ إيراني وغيرها تسيل اللعاب وتغري بالشراء اذ تختنق بها الأرصفة كما تختنق تماما بالجهة المقابلة للشارع بالملابس النسائية والرجالية والولادية والفساتين والحقائب والأحذية وأحزمة الجلد وقد علق على بعضها مقدار أسعارها وبين هذه المعروضات وتلك تجد باعة خضار وفواكه وعصائر ومحال لبيع السمك وشواءه..ولايخلو مشهد النهار من تجمعات “ مساطر”لعمال البناء وقد شغلت أماكنها المعروفة منذ الصباح الباكر بانتظار فرصة عمل ويرابط قربها سيارات لدوريات الشرطة والنجدة لحماية المكان الذي تعرض غير مرة لعمليات إرهابية طالت الأبرياء من الكسبة .. انه يوم يضج بالحياة هكذا ردد ابو مريم حديثه مع نفسه ، لكن ثمة مساحة رمادية معتمة مازالت تعشعش في ذهنه لايستطيع محوها بسهولة ، فالقلق مازال يسكنه من ان هذا النهار المليء بالعافية لن يمر بخير..!!
اهو الحلم الكابوس من ليلة أمس اذ “رأى نفسه يسقط من السلم وقد كسر احد ذراعيه وبالكاد كان يقف على قدميه وان حريقا هائلا قد زامن سقوطه يكاد يطال بيته “..او ربما ماطالعه في قراءة الأبراج الأسبوع الماضي من ان “ الأيام المقبلة ستحمل مفاجاءات غير سارة وعليه ان يكون حذرا”
هذه التصورات لازمته لذلك بقي القلق يرافقه مع كل خطوة يخطوها نحو مقر عمله ولهذا وقف قليلا قرب احد المحال التجاريه وتنفس ملء رئتيه بعدها تعوذ بالله وقرا المعوذتين ثم اية الكرسي وتحسس مكان دعاء “الحصن الحصين “في جيبه وسار مرددا بصوت خافض “ ان الله هو الحارس وهو الحامي وقد توكلت عليه وهو خير الحافظين”
اجل خير الحافظين قالها مؤكدا “ انا مؤمن بذلك ، فقد عشت حرب السنوات الثمانية وكم كنت قاب قوسين وادني من الموت وانا في الخندق وعند السواتر الأمامية وفي حافات الاهوار وكم من موقع فقدنا وصحاب قاسمونا رغيف الخبز والطلقة أكلتهم تلك الحرب فقد كان الموت حينذاك ظلنا الظليل يأكل ويشرب معنا مع ذلك خرجت منها بإذن الله دون جرح او خدش سوى الذكريات الموجعة “ نعم “كل شيء مكتوب” عندها ابتسم وواصل طريقه مرددا هي الحياة وتلك دورتها ولابد ان نعيشها ..القلق موت ..

