حميد الساعدي
في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، قرأنا كثيراً من الدراسات التي نَظَّرت لماهية الشعر الشبابي، انطلاقاً من تسميات الأجيال الشعرية، مبتدأة بأجيال ما بعد الريادة في الشعر العراقي، على وجه التحديد، بتسميات عقدية، فكان الشعر ستينياً، وسبعينياً وثمانينياً…الخ على اعتبار أن كل عقد من الزمن له جيله الشعري ، في محاولات عديدة لتجييل الشعر، ووضع الشعراء بما هم عليه من واقع كتابيّ، ضمن فترة زمنية محددة وسابقة لتقف عند آخر عقد فتسميه شعراً شبابياً. وسواءً اتفقنا أو اختلفنا، على هذه التسميات، فإنها اصبحت واقعاً لا محيد عنه في الدراسات الأدبية، التي ظهرت والتي ربما سوف تظهر، وهي تقرن الأسماء الشعرية بزمنيتها.ونحن الآن أمام وقفة مع الشعر الشبابي، في وقتنا الحاضر، الذي هو في حقيقة الأمر، يرمز للفترة الحاضرة بأسمائها التي طرحت تجاربها، وهي تجارب كثيرة – والحمد لله – لابد وأن تتمخض عن أسماء مهمة، تأخذ مساحتها ومداها، معبرة عن أن الشعر بخير، وان العراق بلد الشعر وهو ولود دائماً بما يمكن أن يغطي مساحة واسعة من خارطة الشعرية العربية.
الدماء الجديدة في الشعر العراقي هي دماء شابة تحمل عنفوان الكلمة، وعمق الالتحام مع معطيات الواقع الذي نعيش، وتأخذ من هذه المعطيات ما يجعلها تبرز إلى الواجهة بقوة، امتداداً وترسيخاً للتجارب الكبيرة في الشعر العراقي، بما يتلائم مع حقائق الواقع، الذي تطمح به أن يسير قدماً ليحقق روح التجاوز للمألوف وخلق أدوات تعبيرية جديدة، في واقع وطن مأزوم، نتمنى جميعاً أن يتجاوز أزماته، ويحقق لمواطنيه سبل العيش في مراتب معتدلة ، وليست مثالية على كل حال.لا يمكن الجزم بأن كل ما يكتب ويروج له، شعرا، ولا يمكن أن يكون كذلك نثراً صافياً ضمن قوالب نثرية محددة سلفاً، فالجدل شائك وعميق قد لا يحسم ويبقى دائراً إلى حين. يبدو للباحث في ماهية هذه التجارب، ارتباطها العميق بثيمة الحرب، فمن النادر أن تجد قصائد الغزل والعاطفة والحب في أكثر تجاربنا الشبابية الحالية ؛ ذلك أن حقائق الواقع الصادمة التي نشأت بتكرار الحروب، ووقوع هذا الجيل تحت أعنف مؤثرات الحرب بعد ٢٠٠٣وماسبقه وما تمخض عنه من حيثيات واضحة للجميع، وإن الأكثرية من هؤلاء الشباب انطلقوا في الكتابة تحت تأثير هذه الأجواء حين اخترقوا مرحلة الطفولة والصبا إلى الشباب بأنفاس الحرب، وصور الموت اليومي وفقدان الأحبة.وتأتي مجموعة ( رصيفٌ أعرج) لـِ أحمد وادي، ضمن هذا الإطار، المشبع بتشاؤمية الواقع، واقع مجتمع الحرب وإفرازاته النفسية والشعرية ،وهذا أيضاً ينطبق على مجايليه ممن يكتبون الآن، ما يصطلح عليه بـ ( الشعر الشبابي) .
في إهدائه يقول أحمد :
(إلى أخي الشهيد
الذي أطلقه الرغيف صوب فم الرصاصة) وهي جنبة شخصية أطلق فيها رصاصته القاتلة على سوداوية الحرب وكارثيتها منذ البدء :
(يتساءل أخو الشهيد
كيف لهم أن ينهوا إجراء شهادة وفاته
أخي الذي
لم تصدر له حتى الآن شهادة جنسية)
على مدى نصوص المجموعة كرَّس احمد وادي كل مفردات وتعابير الحرب فلا يخلو نص من مفردة ( الرصاصة – الانفجار – الشهيد – الشظية – الخوذة – الأرملة – الاعضاء المبتورة – الأشلاء المقطَّعة – الخ من هذه المفردات التي تلخص واقعاً يومياً فجائعياً نتعامل معه باستمرار،ونعيش معه لوعة الفقد والحزن القاتم بتنوع الحالة والموقف، وحتى في نص موعد فإن الحبيب يلهج وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة بمفردات تأتي من صميم عملية التمزق بعد الانفجار الذي حال بينه وبين لقاء حبيبته :
( اتصلت به
أين أنت؟
فأجاب …
أنا على بعد خمسين شهيداً
من موضع قدمي
لا تستائي
سأحمل الوردة بأطراف أسناني
لأن يدي ستقطع في الطريق)
إن ما يدعو للتأمل حقاً أن تغيب عن النصوص مسألة التغني بالحب والجمال والعاطفة والتغزل بالحبيبة في نصوص شاعر شاب لازال في ريعان الشباب، ليلقي بنا بهذا الأتون المحرق من النصوص التي نحس بتطاير شظاياها، ونعيش عبثية انفجاراتها وتلك موضوعة مبررة- كما أسلفنا- من حقيقة أن هذا هو الواقع بحقائقة الصادمة وندوبه التي تترك أثرها على القلب والتي يسجلها لنا الشاعر بومضات سريعة ونصوص مختزلة لكنها عالية في تعبيريتها.
( يا إلهي : أهناك هواء غير هذا؟
من كثرةِ ما تنفستُ جثثاً
ستنمو داخلي مقبرة. )
ونتساءل هنا :
هل نستطيع أن نُغرق الحرب بدموعنا اذا استمر البكاء كما يقول أحمد في خاتمة نصوصه:
استمروا بالبكاء
حتى تموت الحرب غرقاً.