عبدالباري محمد المالكي
يمكن لنا ان نصنّفَ ماجد الربيعي انه شاعر رثاء من الصنف الأول ،فقد استطاع ان يفتح رتاج باب الرثاء بقدر ما يمكنه احكامه ، وذلك بعد ان بدا رثاؤه مَتناً لمعاناة أهله ، ومادون ذلك مجرد حواشٍ . فقد وهبتْه أوجاعُه طاقة استثنائية اشرأبّ من خلالها في عالم التجديد والبقاء امام مرارة أحبِته ِالمذبوحين من الوريد الى الوريد دون اي ذنب.
وقد راق لشاعرنا ان يستنطق الحجر بتوسلاته المتكررة وهو يمثل قمة التوجعات النقية لما يعتري أي جبل من تلك المآسي المتكررة كل يوم ، فيستجدي من القدَر خيراً بأصرار ومجالدة دون ان تبرأ جراحات أمسه.
كل ذلك نلحظه امام زفرته اللامتناهية (رفقاً بأهلي ألا ياايها القدرُ)، وهو مايُعَدّ استهلالاً يجاوز فيه الزمن علّه يغيّر من خريطته الى غير وطن شاعرنا المتوجع.
لكن الواقعة … وقعتْ…
وسال الدمُ البريء أمام اعين شاعرنا.
والصمت حكمة … في عُرْف شاعرنا ،امام المصائب والنكبات.
فكان يمكن له ان يتخذ من لباس الجد والصرامة هيئة لتجلّده ، غير ان مشاعره انتفضت على نفسه هو قبل غيره، فلم يتمكنْ من ان يتظاهر بأنفاس معطرة ، ولم يحبسْ انفاسه الندية بالألم، فبدتْ شفتاه تختلجان ، وعيناه تدمعان ، ولم يكتفِ بالصمت حتى أطلق صرخته المدوية من صدره المتأوّه وروحِه الكليلة ، عبر اثير أوجاعه ،فأسمعَها كل مَنْ به صممُ.
(والهمّ همّان همّ الكد يرهقهم … وهمّ تلك البلايا ساقها الأشرُ) ذلك ماتفتّقتْ عنه قريحة شاعرنا في ثوبها الموشح بالسواد الذي لاشيةَ فيه ،فاستشعر الوجع بحقيقته القاسية ليسطر لنا واحدة من روائعه، اختارها شجنُه ، وخطّتْها انامله المتهالكة لما اصابها من هول مستبد، فأجّج الوجدانَ بشعلتهِ التي اضرم بها الأفئدةَ وأخشع لها الرؤوسَ بالصمت والإطراق ، بلغة عالية وخيالٍ جاسَ احاسيسَ الآخر بما أملى عليه حماسُه بنسيج شعري يلحظه كل ذي بصيرة .
وتستمر توسلات شاعرنا (همّ الكدّ يرهقهم ،يعطون ماادخروا، يستمطرون مآقي الدمع ، فقدُ الأحبة لايبقي ولايذرُ ،رفقاً تماديتَ ،هذا الموت انهكهم ،هي الأزقة ثكلى، نوح اليتامى ، وأمهات ..حرّى الدموع ) بصورها الكثيفة المتداخلة بفخامة نظم، وجزالة معنى، وبساطة لفظ ، رغم ضآلة محصوله المرتقب من تلك التوسلات وانخفاض مستوى فرص نجاحها التي ماتت في دربٍ غازلَهم فيه (وادي السلام) ، بتقنيةٍ هي خاطرةُ قيحهِ الدامي ، والتي يرجو السماء ان تتولاها برعايتها ، بإلحاح صاخب يلحظه كل حاذق ، ذلك الإلحاح الذي استمطر شاعرُنا به مشاعرَه الأليمة المتأسّفة في أفئدة جمهوره المترقب لظىً ، والذوّاق المتباكي لصورٍ اقترنتْ بمآقي دمع استمطرها أهلُه جراء فقْدِ أحبِِّتهِم.
وخلاصة الأمر … ان مآسي شاعرنا التي حلّت على الجبال قد استنطقت الحجرَ مقرونةً بقدرات فذّة ، ورثاء أمينٍ، خاطب فيه وجداناً لا آذاناً ، وقلوباً لا أعيناً ، في مشهدٍ أقلّ ما يقال عنه أنه ….
مشهد انسانيٌّ …. لشاعرٍ إنسان .
ابدعت شاعرنا القدير…..
………………………….
قصيدة الشاعر ماجد الربيعي ….
………………………
رفقاً بأَهلي أَلا يا أيّها القدَرُ
فهُم كرامٌ وفي أَهوالِها صبَروا
*
والهَمُّ همّان همُّ الكَدِّ يرهِقُهُم
وَهَمُّ تِلكَ البلايا ساقَها الأَشِرُ
*
( وادي السلام ) لَهُ دَربٌ يُغازِلُهُم
في كلِّ يومٍ لَهُ يُعطون ماادّخَروا
*
يَستَمطرونَ مآقي الدمعِ من حَزَنٍ
فقْدُ الأَحِبّةِ لا يُبقي ولا يَذَرُ
*
رِفقاً تمادَيت هذا الموتُ أنهَكَهُم
لهُ القرابينُ من أكبادِهم نَذَروا
*
هيَ الأَزِقَّةُ ثَكلى لا يُبارِحُها
نوحُ اليتامى على الأعتابِ تنتَظِرُ
*
وأمهاتٌ نواسيهُنَّ من وجعٍ
حرّى الدموع على الخدين تنهمر ُ
*
تلكَ المآسي إذا حلّت على جبلٍ
من كلِّ آهٍ بها يُستنطقُ الحجرُ

