شريف الشافعي
المرأة والحربة وجهان لعملة واحدة في النص الشعري الايراني ألحديث اذ انطلقت القصيدة الجديدة إلى آفاق بعيدة من الافضاء الإنساني سعيًا إلى تجاوز ألمألوف والتمرد على الثوابت الجمالية والمجتمعية في آن، من من دون اهدار لقيمة الموروث. هنا، تكون المرأة هي الرمز الأكثر وضوحًا داخل النص ألشعري لترجمة انعكاسات تلك الرغبة الانسانية الجارفة في التحرر والتمرد، والتفاعل مع القديم بشكل تثويري، ويتجلى ذلك أكثر وأكثر عندما تكون المرأة ذاتها هي مبدعة القصيدة. كنموذج لمثل هذه ألكتابة الساعية إلى تحريك السكون وتقديم صورة أكثر ايجابية وتفاعلية للمرأة، يأتي ديوان الشاعرة الايرانية المعاصرة «ساناز داودزاده فر»، الصادر حديثًا باللغة العربية بعنوان «أمشي على حروف ميتة» عن بيت الشعر في فلسطين بترجمة الشاعر والكاتب الفلسطيني محمد حلمي الريشة.
من ألنافذة مباشرة، تختبر الشاعرة الايرانية ساناز داودزاده فر مقدرتها على الابتسام في زمن عابس، والطيران في واقع ضيق، مطبق، خانق، كصندوق أسود. لا شيء يمكن أن يقيد حرية الذات الشاعرة، المتسلحة بقلمها الرصاص ضد رصاصات العالم. هي الحركة في مواجهة الكمون، وهي رغبة الذات الانسانية في الخروج من قمقمها، لتحقيق مرادها بكل السبل، وان لم يكن هناك درب، فمن الممكن خلقه خلقًا بفعل الارادة. تقول ساناز: “النَّافذةُ، ابتسامةُ الجدارِ بالنِّسبةِ إلي لأَنَّني كنتُ أَختبرُ ألطيران بقلمِ رصَاصٍ، ألنافذة بدايةُ ألطيران”
ساناز داودزاده فر، مثل حصاتها لا يمكن أن تخضع خطواتها الانسانية للكبح، ولا خطوطها الفنية، اذ تبدو لوحاتها هي الأخرى جامحة، بقدر ما تبدو انطلاقتها على الأرض وفي الفضاء بعيدة المدى. واذا كانت المرأة التي بداخلها قد «فُقِدَت بالأَمس فِي ورودِ شَادرِها»، فانها اليوم قد ظهرت في «أَزهار شجرة التفاح». الألوان دائمًا تستجيب للنداء وتأتي بالجديد، هكذا تنطلق الذات الشاعرة، وهكذا يعلو صوت خُطى الحصان، تقول: «عندَما لاَ أَستطيعُ أَن أَذهبَ، أَرسمُ حِصانًا، صوتُ خُطَي الحصانِ، يمكنُ سَماعهُ حتى منْ بينِ الأَلوانِ، هذهِ لوحة لاَ يمكنُ كبحُ جِماحِها».
التحدي هو الذي يحكم تجربة ساناز عادة، والقدرة على الاتيان ببديل لفك الحصار، أي حصار من أي توع حتى لو كان بخنق ألرؤية فانها دائمًا تمتلك الخلاص: «أَن أَراكَ؛ هذهِ عَادةٌ، حينَ لاَ تكونُ هنأ أَراكَ أَكثرَ». هذا ألتحدي تصاحبه رغبة متجددة في التطهر، وغسل الذات مما قد يعتريها من شوائب تعطلها عن تحقيق منجزها وإرضاء طموحها وجموحها، وهكذا يصير الوضوء نوعًا من أنواع ألاشتعال «تقفُ داخلَ النَّارِ، وأَنا الَّتي أَصيرُ رمادًا، أَنتَ لاَ تحترقُ، أَمَّا أَنا فأَحترقُ بدونِ نارٍ، وهكذَا سيكونُ كلٌّ منَّا ظاهرا
في رحلتها ألوعرة تمشي الشاعرة «على حروف ميتة»، وفق عنوان ألديوان حيث قد تتألم الكلمات أحيانا وتموت بعض ألحروف لكن الوصول آتٍ لا محالة: «للوصُولِ اِليكَ، أَمشي عَلى حُروفِ مَيتةِ، ربَّما كلمةٌ تقولُ: آهٍ، معَ الكلمةِ المُصابةِ أَيضًا، سأَمشي بجانبِ مسافاتِكَ». وتراهن الشاعرة على مفارقة مبدئية من خلال العنوان «أمشي على حروف ميتة»، فالموت هو الثابت أو الساكن، والدينامية كائنة في فعل المشي. وهناك تحوُّل موازٍ، لبعث ألحروف بطاقة طائر الفينيق، الذي يحيل إلى أجواء أسطورية وتراثية لم تخل منها تجربة ساناز داودزاده فر، التي لم تمنعها رغبتها في التمرد والانطلاق والتحرر من التمسك بجذورها كشاعرة وامرأة وإنسانة من بلاد فارس.
العشق الأبدي
هنا، الشاعرة تذيب الفواصل بين الأمكنة، لتتحرك فوق الثوابت بحرية، كما أنها تبحر في الزمن بطلاقة، إلى الماضي أو صوب المستقبل، طارحة قضيتها الخاصة جدًّا، كراغبة في العشق الأبدي الخالد، من غير قيود: «ااذ أزلت الحُدودِ، تُهمِّني الهجرةُ فيك، بدونِ تأْشيرةٍ، قضيَّتي ليَستْ سياسيَّةً، هربت عاشقة، اِذا أَعودُ، سيخيطون لِسَاني وشفتيَّ، الحبُّ، من دون حديث، مع الحدود، بِلا وطن». التجربة الشعرية هنا تنفتح لحظاتها المعيشة وتفاصيلها العابرة على أكثر من محور، فهناك الطرح المعرفي، والاستنتاج الذهني، والحكمة المتوارثة من الجدات والأجداد، والتصوف، والفلسفة، والوعي بالتاريخ والتراث، فشاعرة ايران المعاصرة تدرك أنها ابنة الحضارة الفارسية، ولعل ذلك يفسر تقديمها الديوان بعبارات تثبت فيها حضور رحيق الأجداد، وقدرة الحاضر والمستقبل على أن يتواصلا مع الماضي: «رَحل جدِّي، وبقيَ لطفهُ هُنا، لونُ اللُّطفِ أَخضرُ، وأَن تكونَ الأَخضرَ، فَهذا جريمةٌ لاَ تُغتَفرُ، الشِّعرُ يبقى أَخضرَ أَيضًا، حتّى بعدَ تنفيذِ الجريمةِ فيهِ».
هذا الوعي بالذات، وبالزمن، لدى الشاعرة، جعل لكل عناصر التجربة الحياتية أبعادًا وأصداءً متجذرة، بل ان الألم له تاريخ، والجرح لها عُمق: «أَجزاءٌ كبيرةٌ منِّي، مثلَ سَمكةٍ ذهبيَّةٍ صغيرةٍ، معَ كلماتٍ مُمطرةٍ وغيرِ مأْلوفةٍ، اِناءُ الماءِ الضَّيِّقِ كابوسٌ معَ ماءٍ عكرٍ، قدْ جعلَ حَراشفي أُحفوريَّةً، أَلمي مَحفورٌ فِي جسَدي، بالحُروفِ المسماريَّةِ، ستُشاهدونَ أَلمي فِي المتحفِ». هذه الذات المتألمة، التي وُلدتْ وهي تبكي، وعاشت وهي تصرخ، تعرف أنها في طريقها إلى رحيل ما، لكنها قابضة على جمرة التوهج، وشغف الحياة، ولذلك هي تتمنى الاحتفاظ الدائم بابتسامة محددة، هي ابتسامة الموناليزا، حتى في لحظة التلاشي، الحقيقية أو المفترضة.
ورغم خوفها من غدٍ يفتقد الطفولة، فان الذات الشاعرة مؤمنة بأنه لا تزال هناك «طفولة كثيرة» تنتظرها في الكبر. هذه الذات المشتعلة، والمنقسمة، التي تقر بأن العالم من دخان، وبأن المسافة بين البداية والنهاية أقصر من سيجارة «أَدورُ داخلَ دُخانِ سيجارتِكَ الَّتي أَشعلتَها، ومعَ آخرِ رشفةٍ مِنها يَبقَي عَقبُها، ولاَ شيءَ يَبقَى منِّي»، هي الذات المحتفظة في الوقت نفسه بأسرار الوجود، وكيمياء البقاء اللانهائي، ويكفي اعادة شحنها وشحذها بوقود العشق لكي تفجر الذات أسطورتها الخالدة: «عندَما أَشمُّ رائحةَ الحبِّ، لاَ تستطيعُ مروحةُ أَيَّ مصنعٍ، أَن تكونَ منافسةً لِي، مزِّقوني كبَتَلاتٍ، وأَرسِلُوني اِلي باريسَ، وادْعُوني جُولييتَ، سأَكونُ العطرَ الأَكثرَ بيعًا». وحتى اذا اعتراها السقوط ذات لحظة أو في مكان ما، فان هذا السقوط ستكسوه الحلة الأسطورية أيضًا، وستبقى الرقصة الأخيرة منقوشة على الحجر: «قدْ أَسقطُ فِي مكانٍ مَا، لمْ تُولَدُ الحروفُ فيهِ بعدُ، ولا يوجدُ تدقيقٌ بأَيِّ تفكيرٍ، هناكَ بثيابٍ منَ الزُّهورِ، سأَرقصُ وأَنا أَتذكَّرُكَ، وسأَنقشٌ رَقصتي فِي حَجرٍ، وحتَّى بعدَ بليونِ سنةٍ، سيكونُ الحبُّ معنَى هذهِ الرَّقصةِ».
ولأنها تطرح قوانيها الخاصة، تمضي الشاعرة ساناز داودزاده فر على طريق الرفض حتى نهايته، متذمرة مما يشهده العالم من حروب وارهاب وآلام ودماء، متشبثة بمعنى أولي للسلام، يمكن التقاطه من حضن دافئ أو قبلة بريئة: «شفتاكَ غائبتان، ولا أحد يدرك آلامي، الكل منشغل بداعش وحدود أوروبا، لم يدركوا أن السلام هو القبلة، وحضن بقي وحيدًا». بمثل هذا الرصيد الانساني، الذي لا يُستهان به، فان «الرِّياح لاَ تستطيعُ أَن تأْخذَنا معَها، لأَنَّنا مليئونَ بالحجارةِ، وثقيلونَ». هكذا يبقى الانسان، وتظل الانسانية، وتزول خطايا البشرية، وهفوات الأرض.
هذه المقارنة، بين الزائل الأرضي، والباقي الانساني، لا تمنع الذات الشاعرة أن تكون مرآة للأمكنة، مثلما أنها ملتقى للأزمنة: «اِذا زُلِزلَ أَيُّ مكانٍ فِي الأَرضِ، سيتَصدَّعُ بذلِكَ، أَيضًا، قَلبي».
ويدفع الوعي بالأمكنة الشاعرة إلى التفرقة بين مدن الملح والأسمنت المعاصرة، التي قد تدمرها القذائف وتذيب أركانها عوامل التعرية، وبين المدن العريقة في الحضارات القديمة، التي لا تزال حاضرة إلى الآن في العقول والقلوب، رغم مأساوية العصر الجديد، عصر التسليح والاقتتال ووأد الأحلام: «لِعدَّةِ ليالٍ، وبَدلاً منْ حُلمِكَ، ينامُ يُورانيُوم مخصَّبٌ فِي سَريرِي، قبَّلتهُ، كلُّ مدينةٍ صَارتْ عشَّ غُرابٍ أَبيض منَ الدُّخانِ، وتخيُّلي، لِعدَّةِ سَنواتٍ، منْ كابوسٍ نُوويٍّ، صارَ أَكثرَ سُخونةً».

