خالد جمال الموسوي 
كثر الشعراء وقل الشعر ربما قل لأن كثرت الولادات المشهوة فأصبحت الخلقية قبحية وهذا ما يزيد النفير من الخلق أتجاه خالقهم بين جمع غفير من الضوضاء والضجيج يصعب على المرء أن يسمع صوتا جميلا ملفت من بين هذا الكم الهائل من البشاعات لذا لا تبقى من الذوائق ما تميز هذا التفرد من الجمال لذا أصبحت سوح الشعر معتركا ليس من السهل على فارسه ان يصهل بجواده من بين هذا الحشد المتفاقم وكما كانت الخنساء فارسة شماء وشاعرة شيماء بتولة أعطت لسوح الوغى دروسا وأمثلة لفرسان كان الوغى يخشاهم فأصبحت تهابها الفرسان ولكن لقنت الشعراء أيضا وأثبتت جدارتها في معترك الشعراء ولابد للسلف الصالح ذرية صالحة كانت تناجيها في غياهب الدهور وفعلا مافي الآباء في الأبناء لأطلق عليها لقب خنساء العراق أنها أنثى النار والماء كما هي كنايتها 
انها ميسرة هاشم الدليمي هذه الداهية الشعرية الغريبة وغرائبية غريبة بتواضعها وغرائبية بتمردها امرأة أعلنت الثورة على الواقع وحملت بها القصائد وكان قماطها القرطاس ووالدها اليراع ( عربدة شفاه) ليس ثرثرة كما تطالع العنوان وأنما ثورة على قصائد كانت ممسوسة بالبلادة والسذاجة والتواطء نعم هذه المجموعة التي تكلمت عن ثورة في واقع المجتمع الشرقي الذي ركنت فيه المرأة العربية والشرقية إلا التوحد والعزلة والحشمة والتواري فأصبحت دمى لايحق لها ان تنطق أو تصرح أو تمارس حريتها قبل ان تولد كانت في قضبان وعندما تولد توضع في طامورة أخرى أشد تعاسة فإذن 
ميسرة خرجت عن نساء قومها لا لشيء لكن نبية ورسولة سلام ومحبة أرادت
ان تصرخ بوجه الرجل أنا مثيلتك ونصفك أنا حواءك وانت آدمي نحن نشترك في آواصر عميقة لا يمكن فك رباطها يمكنني من خلالك أن أصنع غريما وعاشقا كما يحلو لي لست أنا المدللة وحدي فقط يحق لي كإنسانة وشاعرة وأنثى أن أتغزل بك أن أخلقك كما أشاء أنت صغيري وحبيبي وزوجي وكل شيء فلا تستعبدني فأنا لست جارية كم تعتقد مجموعة في طرح جريء ومصارحة مطلقة اعتمدت الشاعرة على بناءات جدلية يصور للقارىء للوهلة الأولى ربما نصوص رومانسية أو غريزة كما يتضح له من مدلولات اللغة التي أتخذت منها الشاعرة مطية للانطلاق للمفاهيم التي أرادت ان ترسخها بذهن القارىء وفي الحقيقة تكلمت مقدمة النصوص وتحدثت عن أحداث تاريخية مرت بها المرأة العراقية لحقبات من الزمن وماعانته المرأة من ظلامات أفقتدتها وأنستها بأنها أنثى من حروب وويلات وحصار وما لذلك من عناء أثقل كاهلها فهي المربية والمجاهدة والأم والزوجة ولكن ليس هنالك معيار يقيم المرأة لدينا لذلك أكلت هذه الهموم من المرأة الشرقية العربية وجعلتها جارية لمجتمع لا يهمه سوى بطنه وشهوته هذه الصرخة التي أطلقتها دواة ميسرة هاشم لربما زلزال مرعب لجبورت المجتمع البدوي الذي يوأد الانثى ويصبح وجهه مسودا كظيما ملامح النصوص تعطي للمرأة منحة أخرى تكشف بها الشاعرة عن الأنثى المتجبرة الجامحة التي تكتنف الرجل بأنوثتها وشخصيتها الواثقة المرأة الذكية الحاذقة المتنورة من جهة فهي قوية والرقيقة والشفافة من جهة أخرى وهذه المضامين نراها متجلية واضحة في نص 
فصول شيطانية :
تريث أيها النجم المنزلق 
عن جسد السماء
خذ بريقك المصطنع
وهنا تعبير مخيف للشاعرة التي غايرت هذه المرة في هذه التراكيب التراكيب السالفة التي تستخدم الأرض رمزا للأنثى
فجعلت ميسرة النساء آفاق للمرأة والرجل ماهو إلا نجما منزلق يهوى بإشارة منها
البناءات اللغوية لميسرة متماسكة تنحت في صخر كما سئل أحدهم عن الفرزدق وشعره فقال: ينحت في صخر
التمرد في الخيال والشذوذ اللغوي التركيبي المعتاد يجعل للشاعرة أسلوبا يجبر القارىء على قراءة النص حتى منتهاه فنرى الاستهلال لديها غير مستهلك ومغاير كما في نص جرعة شوق :
رذاذ الصمت
وجرعة موت
حينما يلتهمها الانتظار
وهنا نرى أيــــضا بعــــــض الصمت رذاذا عــــندما يصمت صاحبــــه فهو عين الجبن والخنوع والذلة 
نعم العنوان في هذه القصيدة رومانسي ولكن في بواطنه سياسة أيضا ودارسة اجتماعية أيضا لان الشاعرة لا اتفصح عن شوق حبيبة وحبيبة وأنما شوق للحق شوق للسلام شوق للحياة شوق للعدالة والتآويل مفتوحة
أما نجاح الشاعرة في السبك القوي منذ بداية القصيدة وحتى النهاية فهذه تتطلب مهارة وخزانة لغوية جما لذا نرى الشاعرة
ليس لديها تراكيب مكررة ومترهلة وتحافظ على نفس النسق وبمثالية بكل تركيب يشكله البيت الواحد وقل وندر أن يحافظ الشاعر على جزالته في النص الواحد أضف إلى ذلك في جل نصوص هذه المجموعة لم تلجأ الشاعرة الى عنوة السرد والتقريرة الذي أثر على قصيدة النثر وأساء لها 
وعندما نتعرض إلى خواتم ونهايات القصيدة لدى ميسرة 
نرى فيها مثلا في قصيدة آيا رجلا أحببت :
من سرب الزواحف
آيا رجلا أحببت
ممنوعة أنا من الإجهاض
ممنوعة من الغناء
عاقرة في رحمي
المواويل تححطم ألحانهاساعة الولوج
نعم نها صورة تعبيرية تدلي بها الشاعرة 
لرضوخ الرجل تماما لإرادة المرأة العاشقة وهي دلالة وجدانية بحتة في ذات الأنثى لانها لاتحب الرجل المتنازل بطبيعة ذاتها نعم انا راضية بأنك انت تصبح أسيرا وتأتي طائعا
ممنوعة من الإجهاض أستطيع ان أرفض ما يملا علي من المجتمع وعاقرة في رحمي فلا أستطيع ان اختار من يكون لي رجلا
وتذهب ألحاني وأحلامي ساعة الولوج والأقتران
نعم تخاطب عبر الزمن هذا التعنت الموروث الجاهلي الذي مازال ماكثا بنا أن كل مابهذا الديوان الذي يتكلم عن الوجه الغائم للمراة تجسده ميسرة برواية شعرية يعتريها الهوس الشعري الجامح المحلق في عربدة أبطالها قصائد ظاهرها غزلي وباطنها مكابدة ومواجهة مع مجتمع أراد ومايزال ان يجعل المرأة حبيسة المخادع فأرى بميسرة شاعرة أجادت تفاصيل هذه المعركة بحبكة وشعرية وإبداع يفرض على الشعر أن يحتفي بها .

التعليقات معطلة