Pdf copy 1

حاورها/عمراواره
نجاح أبراهيم أديبة سورية تمارس العمل الأدبي بكافة اجناسها المختلفة، بدأت بالممارسة منذ نعومة أظافرها ومازالت مستمرة لحد الآن، فهي عضوة في أتحاد كتاب العرب ومنظمة الشرق الأوسط للحقوق والحريات وسفيرة البيت الثقافي الهندي في سورية ، حاصلة على عدة جوائز على مستوى سوريا في المجالات الأدبية منها جائزة دمشق للثقافة والتراث عام 2008 وجائزة المزرعة عامي 2004 و2008، التقينا بها وكان هذا الحوار.
_اريد أن أسألك عن البدايات والمكونات الأساسية ، التي حدت بكِ إلى الإبداع الأدبي عامة؟
_ هي العزلة التي وضعتُ نفسي فيها، وأنا طفلة صغيرة . ستقول لي كيف ؟ وسأجيبك : حين كان عمري ثلاث سنوات قلت لعائلتي إنني ملكة وقد أضعتُ ملكي! أي احترق ، ورأيت بأم عيني النيران تأكل القصر وما يحيط به. وقد تمّ إغراقي بالنهر القريب . فضحكوا عليّ وسخروا من مقولتي ، لهذا وجدتني أنعزلُ من عالمهم ،لأعيش حياتي السابقة بمفردي. وحين كبرت لجأت إلى الكتابة كبديل عن الحياة الاجتماعية ، فكانت عكازاً أستند إليها وأنا أسير على الصراط..مما أثرتُ انتباه معلمتي ،خاصة المواضيع التي كنت أكتبها ، والتي تفوق مستواي العمري، ومن هنا أزهرتِ العزلةُ  بالقراءات والكتابات المتتالية.وأظنُّ أنّ الحزن الذي رافقني ساعدني في التدفق.. فأصبحتُ أشاركُ في الأمسيات ،وكلما كبر الحزن جاءت الكتابة أجمل..
_ما مدى التطور والتحولات التي طرأت على بناء القصيدة العربية الجديدة؟
_ هل رأيت مرّة البرق في السماء وهو يلتمع؟إنّ القصيدة خاضت بهذه السرعة تطوراتها . وانتقلنا من شعر العمود ، إلى التفعيلة ، إلى قصيدة النثر ، إلى الومضة، إلى ………..ولعلّ ما هو واضح التطور في المبنى ، وليس في المضمون، فما زالت المواضيع كما كانت عليه، بل افتقدنا إلى أهمها عند الكثير من الشعراء.
_كيف ترين واقع النقد عندنا ، والموجه إلى أعمالك الشعرية خاصة؟
ج- في الواقع لا يوجد نقد في الوطن العربي، إلاّ ما ندر، هو مفقود في الساحة الأدبية، ولكلّ الأجناس ، وليس للشعر فقط، ولعلّ هناك أسباب لهذا العزوف، منها: كثرة المستشعرين ، والكمّ الشعري المطروح، والسرعة في انجاز الشعراء لقصائدهم ، بينما النقد يتطلب دراية ووقتاً .السبب الآخر هو اجترار الشعراء لمواضيع مطروقة، ولا جديد من حيث الطرح ، لهذا إنْ كان ثمّة نقاد فيمكن عدّهم على أصابع اليدين، قد سئموا مما يحيط بهم من تفاهات ، وخربشات، وسلق كلام..لهذا وُضعت الأقلام وجفت الصحف امابالنسبة لي حين أتناول ديواناً أو قصيدة نقداً، فإنّما أكون مقتنعة بما يمور في داخلي تجاههما، ونقدي لا يستند إلى نظرية بعينها، وإنما غايته إيجاد نصّ نقديّ يوازي النصّ المنقود ، بمعنى الاعتماد على اللغة العالية وتبيان الجماليات والإشارة إلى القبح، وإضاءة الفكرة المطروحة ..وجلّ ما أعتمده في تناولي الشعر الموضوعية ، والذاتية ، ولا أنكر ان نقدي يأتي انطباعاً ، بيد أنني أقدم نصاً إبداعياً يمور بألوان شتى تجعل القارئ متابعا له.بالنسبة لتناول النقد لقصائدي!  كلها جاءت مديحاً، وأنا ما زلت أنتظر إضاءتها على يد ناقد متأكد من أدواته النقدية.
_ هل أنتِ متفائلة بواقع الشعر العربي المعاصر؟
_ لست متفائلة لطالما في ليلة وضحاها يولد شاعر، وترقص مدعية!وإنْ كنتُ ممن يزرع الأمل واستشراف الضوء ، فسأكون متفائلة لاشك ، لأنه في نهاية المطاف لا يصح إلا الصحيح ،فتلك المستشعرة ستملّ من السرقة والادعاء، فمهما أوتيت من مقدرة لن تتطرق إلى المواضيع الكبيرة ، ستحوم حول دائرة الذات ، وذلك المستشعر سيتعب..وسيبقى القليلون ممن منحهم الله موهبة الشعر، والتفكر وخوض مسائل كبيرة إنسانية ، وكونية ، ووطنية، وسيؤدي الشعر المعاصر رسالته ، كما كان في سابق عهده.
_ ما هي أصعب قصيدة واجهتك في عالمك الشعري؟
_ هي قصيدة “طفل الأوحال” تألمت جداً وأنا أرى على شاشات التلفزة أطفال سورية في مخيمات الدول العربية وهم يرشحون برداً وجوعاً ، فانبثقت القصيدة عن جرح عميق، طلعت مني كشوكة من قطعة قطن . وقد نلت عليها شهادة “منجز” من جامعة ستراتفورد الأمريكية ، وترجمت إلى عدّة لغات ، ونالت شهرة واسعة ، أقول في مطلعها:” بحجم قفة من انكسار/ ينحني على طفولته/ بين أرتال الخيام/ وحيداً إلا من أنفاس / تعارك صبراً/ وجوعاً يشدّه إلى جهة نار/ حاف نهاره/ من شمس الحنان….”إنها القصيدة التي تحاول أن تزرع كلمة في حقول الموت والضياع.
_ كيف تتشكل لديك : انفعال، عزلة، انكسار، أم لحظات صفاء؟.
_ لا يمكنني أن أخرج بقصيدة إلاّ إذا كنت حزينة ، ولن الحزن كان نديمي من مطلع طفولتي ، حتى الآن ، لهذا لا يمكن أن اكتب دونه.. لاريب بادئ ذي بدء يكون التفاعل مع حدث ما ، ثم الانفعال الداخلي والغليان ، معه وبه، ثم تتشكل القصيدة قطرة قطرة. أنا لا أعرف الكتابة بلحظة صفاء ، كتابتي دائماً تأتي بعد توتر وقلق وحزن وألم .
_ ما الخصائص الفنية لأسلوب الشاعر؟
_ لكلّ شاعر وله أسلوب يميزه عن غيره من خلال تلك الخصائص، ولعل أهمها التجربة الشعرية ، والعمق الذي نلمحه في القصيدة ، والوحدة العضوية، ثم تأتي الصور التعبيرية ، والألفاظ والعبارات والأخيلة والموسيقى ، ولعلّ الصدق خصيصة هامة، فإذا انعدم فقدت القصيدة قيمتها الأدبية والجمالية.
_ ما رأيك بحال السّاحة اليوم ، وهل الشعر الحقيقي هو السائد فيها؟
_ أجبت في سؤال سابق عن هذا ، الساحة الآن تكتظ براقصة وطبال ومصفق ، وفي إحدى الزوايا تجد شاعراً حقيقياً، وهذا نادر .ليس من شعر يعوّل عليه إلا ما ندر ، ولعلي أطرح تساؤلاتي: أين الشاعر الآن من قضايانا الكبرى؟أين هو من أوجاع الناس؟ في ما ينشر نجد هذا يبحث عن مريمته، وذاك عن عبلاه، وتلك عن مموّل..
_ نسمع الكثير عن الحداثة ، فما هو مفهومك لها؟
_ الحداثة  وعي للعصر الذي نحياه، ومواكبة له إذ يتطلب منا تغييراً وانبات مستجدات ..ولابدّ من خروج عن نمط قديم يتلبسنا ، ولهذا علينا إبداع أشكال ومضامين مبتكرة ، وكما في الشعر انزياح يشد الانتباه، ويستدعي الدهشة ، كذلك ثمة انزياح على التقاليد المعروفة.والحداثة ليست كلمة تقال، وغنما هي تجديد في الشكل والمضمون وابتكار الصور ، ولا أعني البتة نبذ الماضي ، ورفضه والانسلاخ عنه، وإنما توظيفه .ولو نظرنا إلى الموروث لوجدناه جديراً بتطعيم قصائدنا به ، ولكن وفق ما يتطلبه عصرنا الحديث.

التعليقات معطلة