طارق حرب
في سلسلة تراث بغداد كانت لنا كلمات عن النسخ والنساخين ببغداد في العصر العباسي ذلك ان مهنة النسخ اضحت رائجة وسوقها عامرة ببغداد وخلال القرنين الثاني والثالث من عمر هذه المدينة الخالدة ما ادى بابن النديم وصف كتابه الفهرست الذي يعتبر الاجمع لاحصاء ماتم تأليفه وترجمته حتى وفاته عام ٣٨٠ هج بإنه المصنف الاكمل في تحديد النشاط في هذا الباب ومن يراجع هذا الكتاب يتعجب للنشاط الكبير في ذلك العهد وكثرة عدد المؤلفين والمترجمين في جميع نواحي الثقافة والعلم والفن والمعرفة وتزداد صورة هذا النشاط في بغداد اذا ما تصفحنا الكتب التي صدرت بعد ذلك منها تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ٤٦٣ هج وذيل تاريخ مدينة السلام للدبيثي ٦٣٧ هج والمستفاد من ذيل تاريخ بغداد لابن النجار البغدادي ٦٤٣ هج اذ هبت رياح العلماء والمفكرين والادباء في بغداد فكانت غزارة في التأليف والكتابة وكان وراء ذلك جهود النساخون الذين تولوا تدوينها وان كان الكثير من الكتاب والمؤلفين نسخوا كتبهم بأيديهم حيث قام النساخون بنسخ الكتب والمؤلفات خير قيام وقد ازدهرت الكتابة وشرعت عملية تدوين الكتب على ايدي النساخين ومن شاركهم فيها من المؤلفين الذين قاموا بمهمة نسخ كتبهم وكان وراء ازدهار حرفة النسخ عوامل عديدة منها رواج صناعة الورق وشغف الناس بالقراءة وقبالهم على شراء الكتب وظهور المكتبات الخاصة وظهور مجالس الاملاء وحلقات التدريس والمدارس وحالات قدوم اهل العلم والثقافة الى بغداد واخذهم بعض الكتب عند رجوعهم لبلدانهم وحيث انتشرت عملية النسخ في بغداد وتحول النسخ الى حرفة ومهنة بغدادية عربية متقنة وكان على الناسخ ان يعتمد في النسخ على عدة ادوات وان كان بعض من اقبل على حرفة النسخ واعتاشوا على اجورها لم يرزقهم النسخ ما يسد تكاليف ومتطلبات الحياة ومنهم الشاعر السري الرفاء الذي ينسخ شعره وشعر غيره ويبيعه بالاجرة ومات وعليه دين وابو حيان التوحيدي وكان من مشهوري العلم والمعرفة والوراقين كان قد هجر حرفة النسخ ويصفها بانها حرفة الشؤم ذلك ان اجور النسخ في بغداد خلال العصر العباسي متباينة اعتمادا على حسن الخط ونوعية الورق واتقان النسخ وضبطه وما تم معرفته ان العشر ورقات كانت تنسخ بدرهم وهذا السعر كان شائعا حيث يذكر الخطيب البغدادي ان بعض النساخين طلبوا خمسة دراهم عن نسخ عشر ورقات لكن صاحب الكتاب هددهم بانه سيمليه على الناس فقبلوا بالسعر السابق وبعد ذلك زاد الثمن حتى اصبحت الورقة تنسخ بدرهم وكان القاضي السيرافي ٣٦٨ هج لا يخوج الى مجلس القضاء ولا مجلس التدريس الا بعد ان ينسخ عشر ورقات ويأخذ اجرتها عشرة دراهم وفي القرن الخامس الهجري ارتفعت اجور النسخ حتى اصبحت مصدر ثراء لبعض النساخين في بغداد ومنهم الحسن بن شهاب العكبري ٤٢٨ هج الذي يقول كسبت في الوراقة خمسة وعشرين الف درهم ومن قواعد النسخ الدقة والامانة في النسخ وقل ان ترى ناسخا يتعمد الخطأ او التغيير او التحريف بغية تغيير المعنى ولكن قد تحصل بعض الاخطاء بسبب الاستعجال بالنسخ وعند حصول ذلك لا بد من تداركه بالكشط او المحو وعلى الناسخ ان يكون على طهارة اذا كان النسخ يتعلق بعلم الشريعة وعليه ان يتبع كتابته بسم الله بالتعظيم وبعد كتابة اسم الرسول عليه ان يذكو الصلاة عليه وعليه ان يبتعد عن الكتابة الدقيقة الذي يشكو منه ضعاف البصر ويحافظ على استواء السطور والنسخ يعتمد على الورق والاقلام والحبر والدوى اي المحابر فلقد انتقلت صناعة الورق الى بغداد من الصين وقد ادخل اهل بغداد كثيرا من التحسينات حيث اخترعوا طريقة لصناعة اوراق رقيقة ويروى ان الرشيد بنى مصنعا للورق في بغداد حتى صار الورق البغدادي اكثر تفضيلا من انواع الورق الاخرى وقد عرض ابن النديم شيخ النساخين والوراقين في بغداد اربعة وعشرين نوعا منها الجليل والطومار والنصف والثلث وقد فضل نساخو بغداد استعمال اقلام القصب لما يؤديه من روعة الخط وضبط الخروف وعرف البغداديون صناعة الحبر او المدد من مواد متعددة وتوضع المواد في قدر كبير تذاب بالماء الحار وصنع الحبر من الدخان اي السخام وكان هذا اللون هو المفضل اما الانية التي يجعل فيها الحبر هي المحبرة ووصفت بانها ام الات الكتابة واتخذها النساخون من الخزف او الخشب او الفخار وغير ذلك من المعادن وكانت الدواة يتم تعطيرها بالكافور وكانت المحبرة من بين الهدايا الثمينة التي يهديها الكاتب .

