عادل عبد الحق
بعد كل تغيير ومع كل تطور تشهدها الدول، تُستَحدث أمور جديدة في المجتمع، ومنها بشكل أساسي الانفتاح على العالم، فيرى الناس في المجتمع الذي شهد تغيّراً أموراً لم يروها من قبل، وذلك بسبب افتقار مجتمعهم لها سابقاً. وتختلف هذه التطورات والأمور المستحدثة من مجتمع إلى آخر، ومن بيئة إلى أخرى.
وفي مجتمعنا العراقي حدثت واستُحدثت أمور متنوعة في شتى المجالات الحياتية، وتكيف الناس مع بعضها فيما رفض البعض الآخر، وبطبيعة الحال، فالمجتمعات متنوعة ويختلف تقبّلها للأمور المستحدثة بحسب الطبقة، والثقافة، وغيره من الأمور التربوية.
ومن هذه المستحدثات في المجتمع العراقي هي (مراكز المساج) أو (النوادي الصحية)، وفي الغالب، ومن العنوان، تجد أن هذه المراكز أمور طبيعية ولا ريب فيها، بل على العكس فيها إيجابيات صحية تنفع مرتاديها ولا تضرهم من حيث أنها انطلقت في البداية تحت مسمى (المساج الصيني) ولما نسمعه عن الطب الصيني ومعجزاته في شفاء الكثير من الأمراض، توجه الكثير من الناس للاستفادة الطبية المزعومة.
لقد بدأت هذه المراكز بشكل بسيط ومحدود، إلا أن طريقة عملها باستخدام الفتيات اليافعات لتدليك الرجال لاقت رواجاً في أوساط بعض الشباب والرجال وأصبح مرتادوها يكثرون يوماً بعد يوم، فيما الخدمات في هذه المراكز تطورت بدورها وتعدت التدليك والطب الصيني إلى مراحل أكثر استقطاباً وراحت تقدم (المتعة الجنسية) إلى جانب مهامها الأصلية.
وبمرور الوقت إنحسرت المهام بتقديم المتعة والملذات لتصبح مراكز للجنس وليس للمساج أو غيره، وتكاثرت هذه المراكز بشكل سريع وملفت للنظر وملأت إعلاناتها ودعاياتها الشوارع بالصور للأيدي الناعمة وهي تتحسس الأجسام المستلقية.
لم تنتشر هذه المراكز المشبوهة في جميع مناطق بغداد، بل تواجدت في أماكن قليلة معينة، غير أنها كثيرة نسبياً وكل هذا هو ضريبة الانفتاح الفوضوي والتمدن الذي جرى بعيداً عن الرقابة الحقيقية، فانتشرت الأمراض الخطيرة بين مرتادي هذه المراكز ومنهم تلقائيا إلى المجتمع!
لم يكن المجتمع العراقي يوماً منغلقاً على نفسه أو بعيداً عن الثقافة والثقافات، بل على العكس تماماً فأنه رغم طبيعته الدينية والعشائرية ألا أنه كان وما زال مجتمعاً مدنياً منفتحاً بأبهى صور الثقافة والانفتاح، وكانت شرائح المجتمع بكل توجهاتها تكمل أحداهن الأخرى لينتج مجتمعاً متناسقاً تحتفظ فيه كل شريحة بحقوقها دون نقصان، ويحافظ فيه الجميع على الأخلاق والتربية والبيئة العراقية الأصيلة، فلم ولن تدعوا شرائح المجتمع الدينية والعرفية والثقافية والمدنية رغم الانفتاح إلى الانحلال والتحلل المجتمعي، بل حاربوه كلٌ بطريقته لتبقى الأصالة العراقية هي المنبع الحقيقي للجميع.
إن ما نراه اليوم من انتشار لهذه المراكز وغيرها من المسميات الكثيرة وما تحتويه من ممارسات لا أخلاقية ما هي إلا دليل واضح على الفوضى والانحلال ونتائجه مرعبة على المجتمع، فقد إزدادت عصابات الاتجار بالبشر (واقصد هنا الفتيات حصراً) وازدهرت أعمالها فهذا الكم الهائل من الفوضى بمختلف الأسماء والعناوين بحاجة إلى كوادر لتسيير أعماله وجلب الأموال، ناهيك عن أمور أخرى مضرة وما خفي كان أعظم.
كل هذه الفوضى إن لم تعالج بشكل فوري وحازم ستزداد ويصعب السيطرة عليها ويجب الوقوف بقوة لمحاربتها، وهذه الحرب الأخلاقية الضروس يجب أن يخوضها الجميع دون استثناء فتبدأ من العائلة والمحلة والمنطقة والعشيرة ورجال الدين وأرباب المنابر، وكذلك الذهاب إلى السوشيل ميديا فبدل أن يحول هذا المنبر الحر إلى مكان ووسيلة لنشر لا أخلاقياتهم، نحوله نحن إلى منبر لمحاربتهم بشراسة. وبعدها تنطلق منظمات المجتمع المدني وشرائح المثقفين والنشطاء للحرب بطريقتها الخاصة والمسؤولية الكبرى بلا شك تقع على الدولة وأجهزتها الرقابية في جميع المفاصل والمهام والاختصاصات.
إنها حرب أخلاقية يجب أن نخوضها دون هوادة من اجل التخلص من الفوضى والحفاظ على أصالة وأخلاق مجتمعنا ونسيجه الجميل، ولتتكاتف جميع الشرائح ولتكمل إحداهن الأخرى كما في السابق لتعود تلك الصورة المجتمعية العراقية الأنيقة الرائعة الخالية من الحالات الشاذة المقيتة. (هذا ليس انفتاحاً.. بل فوضى).

