منهل عبد الأمير المرشدي
ترددت كثيرا في اختيار عنوان يعّبر عن مضمون مقالي هذا الذي احاول ان اختصر فيه جزءا من معاناة الذات والأحساس بالأسى لما تمر به بلادنا التي هي الدولة الأقدم على وجه المعمورة بكل ما تعنيه كلمة الدولة في الفكر السياسي والفلسفي وما هو الوصف اللائق لنا اليوم وهل نحن فعلا دولة قائمة متكاملة ام كما نسمع دائما عبارة ( ماكو دولة ) والتي يرددها مظلوم هنا ومظلوم هناك وخريج عاطل هنا وخريج عاطل هناك ومريض يائس من علاجه هنا وأب يسلّم ابنه الذي لم يجد له دواء للموت هناك وبائس هنا وبائس هناك ويائس هنا ويائس هناك . لا اريد ان اصدر حكما على ما يصدق عليه حال العراق اليوم لكنها وجهة نظر شخصية وتساؤلات اطرحها ام انظار الجميع بما فيهم اصحاب القرار . بداية وبالمختصر المفيد أود هنا ان اوضح إن مصطلح الدولة ليس بالجديد بل تم تداوله منذ القدم فقد شمل فلاسفة اليونان هذا المصطلح في كتاباتهم حيث تناول أرسطو مفهوم الدولة على أنها رقعة جغرافية بمساحة محددة تحت إدارة سلطة تنظم الحياة الأجتماعية والسياسية والأقتصادية والأمنية وتلبّي الاحتياجات المختلفة للأفراد او مجموعة من السكان المقيمين عليها وتكون الدولة مسؤولة عن الأمن الداخلي وتأمين الحدود وتوفير الوظائف وتأمين الخدمات بجميع مفاصلها في الصحة والتعليم والأتصالات والمواصلات وغيرها وكل ذلك يقع تحت مضمون السيادة للدولة التي لا نريد ان نبحث في مراحل نشوئها فذلك شأن آخر , لنأتي على ما نحن فيه فحين نرى عشرات الآلاف من الخريجين يفترشون الأرض أمام واجهات الوزارات وساحات المدن لا يطالبون بشيء سوى حقهم الطبيعي في الحصول على وظيفة من دون ان يسمعهم احد او يلبي طلبهم اي مسؤول في الدولة لا رئيس ولا حكومة ولا برلمان من حقنا ان نسأل ( اكو دولة لو ماكو دولة ) . حين نعيش مأساة انقطاع الكهرباء وابتزاز اصحاب المولادت ومن ورائهم منذ 16 سنة مضت والى اجل غير محدود مع فشل الدولة بالكامل لحل هذه المعضلة من حقنا أن نسأل ( اكو دولة لو ماكو دولة ) . حين يتحول الطب في العراق الى تجارة رابحة بآلآم الفقراء وارواح المرضى وتتحول المستشفيات الحكومية الى مسالخ و ثلاجات لحفظ الموتى من دون اي امل بإجراء من المسؤولين في الدولة من حقنا ان نسأل ( اكو دولة لو ما اكو دولة ) . حين نرى الفاسدين يعتلون منصات الخطابة للسلطة ليتحدثوا عن الفضيلة والأخلاق وحين نرى المجرمين يعثيون في الأرض فسادا ويتبوأون مواقع المسؤولية وحين نرى اموال الدولة وثرواتها تنهب في الشمال من سلطة البرزاني وفي الجنوب من مفايات الأرصفة وحين يقصف حشدنا من اسرائيل وتنتهك ارضنا من تركيا وحين نرى بعض العشائر تتقاتل بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة وقت ما شائت وكيفما شائت من دون ان تتحرك الدولة او رئيسها من حقنا ان نسأل ( اكو دولة لو ماكو دولة ) . احيرا وليس آخر حين تتنقل في داخل المدن وترى شوارع بلا ارصفة ومدن بلا خدمات وحين تنتقل من محافظة الى اخرى وترى طرق مدمرة كما هي مأساة الطريق بين بغداد وكركوك وحين تدعو وزارة الدفاع حملة شهادة البكلوريوس للتطوع برتبة نائب عريف بالجيش ليكون الآمر عليهم خريج ابتدائية ضابط دمج برتبة عقيد او عميد فأننا لا نتسائل (اكو دولة لو ماكو دولة ) إنما وبحكم العقل والمنطق واليقين أقولها وبكامل قواي العقلية .. ماكو دولة .

