Pdf copy 1

عادل عبد الحق 
لم يتوقف النزيف العراقي على مر العصور حتى تلك الموغلة في القِدم، فالمُطلِع على التاريخ العراقي منذ بدأ الخليقة والى يومنا هذا يعرف أن هذا النزيف لم يهدأ على مختلف الحكومات التي مرت بالبلاد، وعلى مختلف الشخوص الذين تربعوا على عرش السلطة ـوأيضا اختلفت طرق تقديم الدماء وظروفها وأساليبها.
الشباب في كل المجتمعات يشكلون قاعدة الهرم التي تستند عليها الدول وتخطط لمستقبلها استناداً لهذه القاعدة، إلا في العراق فشبابه هم قاعدة الهرم في التضحية ونزف الدم لا بالتخطيط لمستقبلٍ واعدٍ أو متقدمٍ ولهذا ترى قوافل النعوش تستمر بالسير نحو المقابر لا منقطع لها ولا رادع .
تفننت الحروب والمعارك التي خاضتها الأنظمة المتعاقبة على حكم العراق بحصد أرواح أبنائه دون هوادة وكذلك لم ترتكز كراسي الحكم ولم تُثبت حكامها إلا بمحاربة الشباب والحركات الاحتجاجية وتُعلقُهم على حِبال المشانق، وأيضاً وبمرور الزمن وتطور الظروف جاء الإرهاب ليأخذ بدوره مأخذاً كبيراً وقاسياً من العراقيين وخصوصاً شبابهم وللاقتتال الطائفي دوراً كبيراً بحصد ألوف الأرواح.
كل هذا وأكثر مما مر به العراق وأبنائه بمختلف توجهاتهم وأهدافهم لم يثنِ عزيمة الشباب ولم يغير من عراقيتهم وهم دوماً على إستعداد تام لتقديم الأرواح أكثر فأكثر، وفي الوقت الحالي كانت للدماء الزاكية وقفة مشرفة في المطالبة بالتحرر من براثن الفساد والمفسدين الذين خربوا العراق واستولوا على مقدراته.
لم يتراجع العراقيون، وفي مقدمتهم بل وأكثرهم من الشباب، عما خرجوا من أجله والمطالبة بالحقوق المسلوبة والتخلص من الاحتلال الداخلي الذي يمارسه المفسدون بكل وقاحة واستهتار وواجهوا رصاص القناصة (المجهولين!) بصدور عارية واستقبلوا قنابل الغاز برؤوس شامخة لم ولن تنحنِ لتستمر مسيرة التضحية دون توقف من اجل العراق.
إن الثورة الشعبية العارمة التي انطلق بها العراقيين بدأت بشهيد واحد ليقرروا بعدها تقديم الأكثر لا التراجع وهرعت الناس إلى الشوارع والساحات مطالبين بالتغيير الجذري مؤكدين أنهم على أهبة الاستعداد من أجل تقديم المزيد من الدماء لأنهم يعلمون إن أرض العراق كانت وما زالت تعشق دماء أبنائها ومتلهفة على احتوائهم بين أحضانها بعيداً عن الظلم الذي يعيشونه ما عاشوا وما بقوا.
إن الورود التي قطفت على مدى الشهرين الماضيين ابتداءً من بغداد ولم تنته بل كان آخرها في الشامخة ذي قار والأبية النجف ما هي إلا دليل واضح وجلي على غيرة العراقيين واستبسالهم من اجل وطنهم وأيضاً دليل أسود ومظلم على ما يعيشونه من ظلم وفساد.
إن الجيل المنتفض ألان على الفساد والمفسدين المطالب بالحقوق والتغيير من البؤس والحرمان إلى العيش بحياة كريمة يشعر بها العراقي انه إنسان حاله كحال غيره من باقي العالم، ما هو إلا امتداد حقيقي وطبيعي للجيل الذي ثار ضد الظلم والدكتاتورية في انتفاضة شعبان العظيمة عام 1991 وهما امتداد للثوار بانتفاضة صفر الخالدة عام 1977 وهكذا تواليك فكل جيل ثائر منتفض مضحي يسلم رايته إلى الجيل الذي بعده ليستمر بتقديم القرابين على طريق الحرية والثورة ضد الطغيان والظلم والاستبداد مهما اختلفت الصور والمسميات والشخوص.
لم تنتهِ أي من الثورات التي قام بها العراقيين بالفشل وتوجت بالنصر وان كان بعد حين والنصر أكيداً نتيجة طبيعية لهذه الثورة فالدماء لابد أن تنتصر (سلاماً شهداء العراق.. سلاماً شباب العراق.. سلاماً ورود العراق.. سلاماً يا عراق).

التعليقات معطلة