أياد الزهيري
كما يُقال أن التاريخ يُراد منه استخلاص العبر والدروس لغرض أساسي هو أن لا يسقط الإنسان في أخطاء سقط بها غيره، حيث يُراد من ذلك تقليل الخسائر وتوفير الوقت والمال والجهد .فالتاريخ واحد من مصادر الخبرة للإنسان، وفي هذا الصدد سأذكر واقعه حدثت في زمن خلافة أمير المؤمنين علي ع. لقد فهم معاوية أن لا فرصة للنجاح في تحقيق الانتصار على علي ع، وهو العارف بأن علي ع هو بطل كل الحروب التي خاضها مع رسول الله ومن بعده، وأن معاوية قد جربه في معركة صفين وكاد ان يخسرها لولا خديعة رفع المصاحف، لذى عمد معاوية على إشعال الفتن الداخلية بأسلوب التحريض، فعمد الى إرسال عبد الله بن عامر الحضرمي وهو شخصيه أموية الهوى، فقد شارك الى جانب معاوية في معركة صفين ومع طلحة والزبير في معركة الجمل ضد الأمام علي ع، فأرسله وحده الى البصرة، والغرض هو إشعال فتنة وإعلان تمرد على إقليم يعتبر هو الثاني من حيث الأهمية بعد الكوفة بالعراق للدولة الإسلامية، فقد اتصل بالمجموعات التي لها هوى عثماني وهم قسم من قبيلة بني تميم وقبيلة قيس والأزد، هذه الطريقه قليلة التكلفة وخالية من التضحيات الا الشخص الموفد إذا فشل بالمهمة يتعرض فقط للخطر، وكان الشعار الذي يستخدم للتأليب على الامام وحكومته هو المطالبة بدم عثمان والاقتصاص من قتلته، كما يمكن من خلال هذه المهمة تأليب عشائر وأهالي من قُتلوا في حرب الجمل من البصريين ضد الأمام وذلك عن طريق نكأ الجراح والتذكير بمن قتلهم، مما سيشعل نار الثأر والانتقام ضد الدولة، كما أن هذا التمرد سيشغل الإمام اذا نجح من عرقلت تقدمه الى دمشق الذي بدأ يعد العدة له في منطقة المخيلة، وطرد معاوية المتمرد على الدولة منها، كما سينهك جيش الإمام بنفس الوقت وإيقاع الضحايا بين رجاله لتكون سبب في إضعافه وتثبيط عزيمته بالخروج الى الشام ضد معاويه، وهذا ما حدث بالفعل حيث عسكر الإمام بالنخيلة للاستعداد في الذهاب الى محاربة معاوية، ولكن جيش الإمام تقاعس من ذلك بسبب عدم الرغبة بالقتال، وبسبب خسائر تعرض لها في حروب الجمل والنهروان. معاوية لا تهمه دماء المسلمين فالرجل ميكيافيلي في ممارسته السياسية، ويبغي الى قضم الأقاليم التابعة للدولة واحداً بعد الآخر، ولكنه فشل في مهمته التي كلف بها الحضرمي حيث ارسل له الأمام الصحابي جاريه ابن قدامه وقضى على حركته الخبيثة، ولكن بنفس الوقت تركت أثراً سلبياً في فشل التعبئة العسكرية الى الشام بالقضاء على تمرد معاوية. إن الدرس الذي يمكن الأستفادة منه في هذا الحدث، هو ما يجري من أحداث لها نفس الأهداف، ونفس الأستراتيجية من قبل التحالف (الأمريكي-صهيوني- البعثي )، حيث أرادوا تغير المعادلة السياسية التي دخل الشيعة كأحد أركانها في العراق ما بعد ٢٠٠٣م لكي يخرجوهم منها ويرجع البعث ثانيه كعميل أكثر إطاعة لسيده الأمريكي، فصنعوا له داعش لإنهاك جيش في طور التكوين، وخلق متاعب لحكومة مشكلة حديثاً وقليلة الخبرة في العمل السياسي، ولكن ظهور الحشد الشعبي بفتوى المرجعية اسقط المؤامرة، وطرد داعش وأُسقط الرهان، وهنا جرب أعداء العراق طريق التحريض من الداخل وخلق الفوضى في البصرة والناصرية وهي نفس الخطة التي خطها معاوية والتي فوض لها الحضرمي الى البصرة، وفشلت المحاولة اليوم كما فشلت بالأمس. أن الأمر الذي وددت أن أشير له وبعد كل هذا التاريخ الطويل بين محاولة معاوية ومحاولة الأمريكان، هو لماذا لم يؤسس وعي عميق لهذا الشعب، ويعي الأساليب الخبيثة من قبل مجرمي السياسة الذين دمروا البلاد والعباد؟ ولماذا لم يعتبرا بدروس التاريخ التي لو استوعبوها لما تعرضوا لهزات مميتة وخسائر جسيمة؟ وهنا لا يسعني الا أن أذكر قول سقراط (الجاهل من عثر بحجر مرتين) وقول رسولنا الكريم (لا يلدغ المؤمن من جحره مرتين)، أن السقوط المتكرر بنفس الحجر يؤكد ما قاله سقراط ومحمد ص، أنه الجهل وعدم الأيمان هو السبب في تكرر الوقوع في نفس الخطأ.

