إبراهيم أبراش
حالة من العدمية السياسية الهوياتية والانتمائية تتمدد في العالم العربي وتملأ فراغ انهيار وتفكك الأيديولوجيات والانتماءات الكبرى خصوصاً في الدول التي عصفت بها فوضى ما يسمى (الربيع العربي)، وأبرز تجليات هذه العدمية حالة من التيه الفكري والأيديولوجي والهوياتي وفقدان الثقة بالدولة وبكل الأيديولوجيات الوطنية والقومية والأممية دون طرح بديل توافقي أو رؤية للمستقبل. العدمية Nihilism فلسفة قديمة يمكن التأريخ لها منذ فلاسفة المدرسة الكلبية أو التشاؤمية Cynicism في اليونان القديمة في القرن الرابع قبل الميلاد وأبرزهم ( Diogenes ديوجين) مروراً بالفيلسوف والشاعر الإسلامي أبو العلاء المعري (363 هـ – 449 هـ) (973 -1057م) إلى الفيلسوف الألماني نيتشه (1844 – 1900) وتيار الفوضوية Anarchism في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مع ميخائيل باكونين الذي كان ضد الدولة ومؤسساتها وضد القانون، وقد صدرت كتب ودراسات عديدة عن العدمية في أبعادها وتمظهراتها الفلسفية والفكرية والأدبية والسياسية.
يمكن تعريف العدمية بأنها نزعة أو تصور سلبي وتشاؤمي للحياة في كل أبعادها ومستوياتها من الأخلاق والدين إلى الفكر والأدب والسياسة، نزعة تقوم على ألا معنى وألا يقين وألا ثقة بأي شيء، وهي تعبير عن حالة رفض للواقع ورغبة قوية في تدميره أو على الأقل عدم الاعتراف به، بحيث لا ترى في الواقع إلا سواداً بدون نقاط مضيئة ولا تلمس شيئاً يمكن البناء عليه ولا تعترف بالانتماءات الجامعة الكبرى الدينية أو الوطنية أو القومية أو الأممية.
والعدمية بهذا المعني ليست مجرد نقد للواقع، لا نقد موضوعي ولا حتى نقد هدام، لأن النقد بشكليه السالفين يطرح البديل ويُنظِّر للمستقبل أما العدمية وخصوصاً في بُعدها السياسي فهي تنتقد بشراسة وتنسف المعنى الكامن وراء أي شيء موجود دون أن تطرح حلولاً أو منافذ أمل بالمستقبل.
موضوعنا في هذا المقال ليس التأصيل أو شرح النزعة أو الفلسفة العدمية بل تغلغل هذه النزعة في العقل والفكر السياسي العربي وعند كثيرين من المثقفين والكُتاب بل وتغلغلها في الأدب والفن، وخصوصاً في ظل حالة الفوضى الناتجة عن ما يسمى الربيع العربي وتفكك وتراجع الأيديولوجيات الوطنية والقومية والأممية وانكشاف الأيديولوجية الإسلامية وضعف مؤسسات الدولة الوطنية، بحيث سادت حالة من اليأس والاحباط وألا يقين بكل ما هو قائم.
نزعة العدمية السياسية على المستوى الشعبي وفي مجتمعات ترتفع فيها نسبة الجهل والفقر تؤدي إلى التطرف والإرهاب والرغبة في تدمير كل شيء دون أن يكون لدى الإرهابيين رؤية أو تصور عقلاني وواقعي للبديل عما يتم تدميره، كما تكمن وراء عصبويات ما قبل الدولة من عائلية وقبلية وطائفية ومذهبية ضيقة، لأن فقدان الثقة بالدولة ومؤسساتها وقوانينها وبالأحزاب والأيديولوجيات يفكك رابطة الوطنية والقومية الجامعة ويدفع الأفراد لطلب الحماية والتعبير عن ذاتهم من خلال الانتماءات التقليدية، هذا إن لم يهربوا نحو التطرف والإرهاب كما سبق ذكره.

