Pdf copy 1

ضحى كريم ثابت
إذا استسلم المريض لهذا الهاجس، تحول الى هلوسة، يتراءى له خلالها شخص يحصي عليه مآخذ ما مضى، وفي الحقيقة هذا الشخص الموهوم.. هلوسة.. هو المصاب نفسه، يتحول الى رقيب حالي على ماضيه، و… قد فات الأوان.
فرط التفكير بالأحداث الغابرة، يرهن الإنسان بالماضي أكثر من الحاضر، حاجبا عنه فرص التقدم نحو المستقبل، ومخيما عليه بكآبة الندم؛ فلا جدوى من البكاء على أطلال حدث لن يعود.. بل عودته من ثالث المستحيلات “الشمس لا تشرق من المغرب”.
فلا يتقهقر الزمن عائدا، إلا بمشرق الشمس من موضع غروبها، وهذا خلاف الفيزياء الكونية، التي قدرها الرب منازل… لكن تصح استعادة الماضي في حال واحدة، هي الإفادة من موعظته لتعميق الحسنات وتصحيح الأخطاء.. سوى ذلك تبديد لطاقة الفكر وتعطيل عن السعي الى مستقبل متفائل.
فغالبا من تستهلك الإنسان أفكار سوداء، تجعله يلوك ما مر به ويعيد تركيبه وفق سيناريوهات تبتكرها المخيلة، التي تحل بديلا عن الحافظة في معالجة أحداث انتفت في زمانها وماكنها لكنها تشغلنا.. سلبا وإيجابا.الإنشغال سلبا يفتت قوة التماسك المعنوي، متسربا الى القدرة على العمل الفعلي الجاد، والزهو إيجابا بما تحقق يؤدي الى غرور أجوف يكتفي منجز فات وولى؛ لذلك يجب التوازن في منظور لوحة الحياة فرحا بالمتحقق والعمل على إحتواء الآتي.
الماضي كتلة موارة ينوء بها من يقع تحت سيطرتها، حزينا مشتت البال، يغيب عن لحظته الراهنة فينفلت المستقبل من بين أصابعه.
التفكير الزائد.. المفرط، يسمى (Overthinking) وقد اكدت الدراسات أن ٧٣٪ من الشباب بين عمر ٢٥ – ٣٥ و٥٧٪ من النساء و٤٣٪ من الرجال، يعانون من فرط التفكير، الذي يؤدي الى امراض نفسيه وجسديه؛ لأنه يتضمن عمليات فسيولوجيه وذكريات قديمه وتفكير عميق وتحليل للأحداث، من الممكن أن تجعله روتينا يوميا في حياة الشخص! وهو مرض أبرز أعراضه عدم القدرة على إبطاء سباق الأفكار أو المخاوف أو العواطف الغامضة، واسترجاع الفشل بإستعراض الأخطاء السابقة مرارًا، في تكرار ضاغط.. قهري لا يمكن تجاوزه. عندما ينشب هذا الداء السيكولوجي مخالبه في شخصية ما؛ تفقد الشعور والقدرة على العيش في اللحظة الحالية.. ندم مستمر على القرارات السابقة، يُهْدَرُ فيه وقت ثمين يمكن استثماره بمنجز نافع. إذا استسلم المريض لهذا الهاجس، تحول الى هلوسة، يتراءى له خلالها شخص يحصي عليه مآخذ ما مضى، وفي الحقيقة هذا الشخص الموهوم.. هو المصاب نفسه، يتحول الى رقيب حالي على ماضيه، و… قد فات الاوان.

التعليقات معطلة