Pdf copy 1

محمد عبد الجبار الشبوط
الاشخاص العظام يولدون وهم مؤهلون لاحتلال موقع خاص في مسيرة الانسانية نحو التقدم الذي يطلق عليه القران الكريم مصطلح «لقاء الله»، كما في قوله:»یَـا أَیُّهَا ٱلِنسَـٰان إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدحا فَمُلَـٰقِیهِ﴾ [الانشقاق ٦] اي ان مجموع كدح، اي سعي، الانسانية، بما ان المخاطب هنا هو الانسان عامة، سوف يثمر لقاء الله، اي تحقيق صفاته، اي صفات الكمال التي يتصف بها مثل العلم والقدرة والرحمة والعفو والقوة، في حياة الانسان. كلمة «ملاقيه» هنا تشبه بالضبط عبارة meet the requirements باللغة الانجليزية التي تعني تحقيق المتطلبات أو الشروط المحددة. وتستخدم هذه العبارة في سياقات مختلفة، كما عند التحدث عن امتثال شخص ما لمجموعة من المعايير أو المواصفات أو عند التأكد من أن شخص ما يفي بجميع الشروط المطلوبة لإكمال مهمة ما أو الحصول على فرصة معينة. وبشكل عام، تُستخدم عبارة «meet the requirements» للدلالة على الامتثال لشروط معينة مهما كان نوعها. وبناء عليه فان عبارة «كادح الى ربك كدحا فملاقيه» تعني ان دوام الكدح والسعي والسير سوف يؤدي الى توفر المعايير او الشروط او المواصفات التي يتطلبها الله من الانسان؛ سوف يؤدي الى الامتثال لله. لقاء الله لا يعني المواجهة الشخصية المباشرة وجها لوجه face to face  بين الانسان بما هو شخص مادي، وبين الله بوصفه شخصا غير مادي، وانما تعني الامتثال المتحقق تدريجيا للصفات التي يؤمن الانسان بتوحيدها في الله سبحانه وتعالى. وهذه من سنن التاريخ التي اطلق عليها السيد محمد باقر الصدر عنوان «الاتجاهات التاريخية العامة». وهي سنن يمكن للانسان ان يخالفها بعض الوقت ولكن ليس كل الوقت. وهذا يعني ان تجسد صفات الله في حياة الانسانية بفعل كدحها وجهدها امر محتوم ومؤكد، حتى لو ظهرت بعض الانتكاسات هنا وهناك، او كما قال القران:»وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ».  ( العنكبوت 69)
في هذا الطريق، وهو طريق طويل وشاق، تحتاج الانسانية الى نماذج او قدوات او قادة يقودون مسيرتها نحو الامتثال بصفات الله، ومن باب لطفه بالإنسانية قدّم الله للانسانية  نماذج للاقتداء امثال نوح وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد، وقال عنهم:»أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ». 
وكان علي بن ابي طالب المولود في ١٣ رجب  واحدا من هؤلاء الرجال الذين مكنهم الله ورسوله من الانضمام الى تلك السلسلة الذهبية من هداة البشرية، بعد ان تتلمذ على يدي رسول الله مدة ٢٣ سنة، ورباه  ليكون اماما بعده، على سيرة ابراهيم التي يرويها القران كما يلي: «وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ؛ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا. قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي؟ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ». ففهم ان للامامة شروطها، ومن هذه الشروط الا يكون المرشح لها من «الظالمين». حيث ان الامام هو من يقتدي به الناس ويتبعونه في اقواله وافعاله «فالإمام هو الذي يقتدي و يأتم به الناس». 
قال صاحب الميزان: ان ما نجده في القران أنه كلما تعرض لمعنى الإمامة تعرض معها للهداية تعرض التفسير، قال تعالى في قصص إبراهيم (عليه السلام): «و وهبنا له إسحاق و يعقوب نافلة و كلا جعلنا صالحين و جعلناهم أئمة يهدون بأمرنا»: الأنبياء – 73، و قال سبحانه: «و جعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا و كانوا بآياتنا يوقنون»: السجدة – 24، فوصفها بالهداية وصف تعريف، ثم قيدها بالأمر، فبين أن الإمامة ليست مطلق الهداية، بل هي الهداية التي تقع بأمر الله، و هذا الأمر هو الذي بين حقيقته في قوله: «إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء»: يس – 83، و قوله: «و ما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر»: القمر – 50، و الأمر الإلهي و هو الذي تسميه الآية المذكورة بالملكوت وجه آخر للخلق، يواجهون به الله سبحانه، طاهر مطهر من قيود الزمان و المكان خال من التغير و التبدل و هو المراد بكلمة – كن – الذي ليس إلا وجود الشيء العيني، و هو قبال الخلق الذي هو وجه آخر من وجهي الأشياء، فيه التغير و التدريج و الانطباق على قوانين الحركة و الزمان. و بالجملة فالإمام هاد يهدي بأمر ملكوتي يصاحبه، فالإمامة بحسب الباطن نحو ولاية للناس في أعمالهم، و هدايتها إيصالها إياهم إلى المطلوب بأمر الله دون مجرد إراءة الطريق الذي هو شأن النبي و الرسول و كل مؤمن يهدي إلى الله سبحانه بالنصح و الموعظة الحسنة، قال تعالى: «و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء» و يهدي من يشاء»: إبراهيم – 4، و قال تعالى: في مؤمن آل فرعون، «و قال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد»: مؤمن – 38، قال تعالى: «فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون»: التوبة – 122، بالجملة فالإمام يجب أن يكون إنسانا ذا يقين مكشوفا له عالم الملكوت – متحققا بكلمات من الله سبحانه – و l الملكوت هو الأمر الذي هو الوجه الباطن من وجهي هذا العالم، فقوله تعالى: يهدون بأمرنا، يدل دلالة واضحة على أن كل ما يتعلق به أمر الهداية – و هو القلوب و الأعمال – فالإمام باطنه و حقيقته، و وجهه الأمري حاضر عنده غير غائب عنه، 
وينتج من هذا أن الإمام يجب أن يكون مستوعبا للمسيرة الى الله بشرطها وشروطها، معصوما عن الضلال و المعصية، و إلا كان غير مهتد بنفسه، يدل عليه أيضا قوله تعالى: «و جعلناهم أئمة يهدون بأمرنا و أوحينا إليهم فعل الخيرات و إقام الصلوة، و إيتاء الزكوة و كانوا لنا عابدين»: الأنبياء – 73 فأفعال الإمام خيرات يهتدي إليها لا بهداية من غيره بل باهتداء من نفسه بتأييد إلهي، و تسديد رباني. و أن من ليس بمعصوم فلا يكون إماما هاديا إلى الحق البتة. و بهذا البيان يظهر: أن المراد بالظالمين في قوله تعالى، «قال و من ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين» مطلق من صدر عنه ظلم ما، من شرك أو معصية، و إن كان منه في برهة من عمره، ثم تاب و صلح. 
وكانت هذه هي شروط الدور الذي اعد الرسول عليا له حيث قال له  في حديث صحيح رواه البخاري عن البراء بن عازب: «أنْتَ مِنِّي وأَنَا مِنْكَ». وفي الحديث الذي يرويه الحاكم في المستدرك على الصحيحين عن عبد الله بن عمر نقرأ قوله: «ألَا أُحدِّثُكَ عن عَليٍّ؟ هذا بَيتُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه واله  وسلَّمَ في المَسجِدِ، وهذا بَيتُ عَليٍّ رَضيَ اللهُ عنه، إنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعَثَ أبا بَكرٍ وعُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما ببَراءةٍ إلى أهْلِ مكَّةَ فانْطلَقَا، فإذا هُما براكِبٍ، فقالَا: مَن هذا؟ قالَ: أنا عَليٌّ، فقالَ: يا أبا بَكرٍ، هاتِ الكِتابَ الَّذي معَكَ، قالَ أبو بَكرٍ: وما لي يا عَليُّ؟ قالَ: واللهِ ما علِمْتُ إلَّا خَيرًا، فأخَذَ عَليٌّ الكِتابَ فذهَبَ به، ورجَعَ أبو بَكرٍ وعُمَرُ رَضيَ اللهُ عنهُما إلى المَدينةِ فقالَا: ما لنا يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: ما لكُما إلَّا خَيرٌ، ولكنْ قيلَ لي: إنَّه لا يُبلِّغُ عنكَ إلَّا أنتَ، أو رَجلٌ منكَ». وفي رواية اخرى:»ولكنْ أُمِرتُ ألَّا يُبلِّغَه إلَّا أنا أو رجُلٌ منِّي. ونفهم منه ان عليا كان كنفس النبي على الاقل في الدور المرسوم لهما في المسيرة الانسانية. وقد تجلى ذلك في حياة الصحابة كما قال عمر بن الخطاب  في حديث ابن عباس الصحيح عن عمر انه قال:»وأَقْضَانَا عَلِيٌّ» (البخاري)  وفي صحيح البخاري و مسلم والترمذي عن سعد بن ابي وقّاص قال: ان مُعَاوِيَةُ بنُ أَبِي سُفْيَانَ  سأل سَعْدًا: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟ (اي الامام علي)  فَقالَ: أَمَّا ما ذَكَرْتُ ثَلَاثًا قالَهُنَّ له رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه واله وَسَلَّمَ فَلَنْ أَسُبَّهُ، لأَنْ تَكُونَ لي وَاحِدَةٌ منهنَّ أَحَبُّ إلَيَّ مِن حُمْرِ النَّعَمِ؛ سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه واله وَسَلَّمَ يقولُ له، خَلَّفَهُ في بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَقالَ له عَلِيٌّ: يا رَسولَ اللهِ، خَلَّفْتَنِي مع النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟! فَقالَ له رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه واله وَسَلَّمَ: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِن مُوسَى؟ إلَّا أنَّهُ لا نُبُوَّةَ بَعْدِي. وَسَمِعْتُهُ يقولُ يَومَ خَيْبَرَ: لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسولُهُ، قالَ: فَتَطَاوَلْنَا لَهَا فَقالَ: ادْعُوا لي عَلِيًّا، فَأُتِيَ به أَرْمَدَ، فَبَصَقَ في عَيْنِهِ وَدَفَعَ الرَّايَةَ إلَيْهِ، فَفَتَحَ اللَّهُ عليه. وَلَمَّا نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} [آل عمران: 61] دَعَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه واله وَسَلَّمَ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا، فَقالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي. وهذه هي مؤشرات الدور الكبير الذي انيط بهذا الرجل العظيم وهو امامة المسيرة الانسانية الكادحة نحو لقاء الله وهدايتها بموجب سنة «الاتجاهات التاريخية العامة».  ولا غرو ان يوالي عليا اليوم اغلب المسلمين في العالم وان على درجات مختلفة ومعان متباينة للولاية، ماعدا اولئك النفر القليل من اتباع معاوية واضرابه من الذين ناصبوا عليا وعادوه طمعا في الحكم والخلافة. وقد قال علي في الحديث الصحيح الذي يرويه مسلم:»والذي فَلَقَ الحَبَّةَ، وبَرَأَ النَّسَمَةَ، إنَّه لَعَهْدُ النبيِّ الأُمِّيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ إلَيَّ: أنْ لا يُحِبَّنِي إلَّا مُؤْمِنٌ، ولا يُبْغِضَنِي إلَّا مُنافِقٌ.»

التعليقات معطلة