المستقبل العراقي/ ضياء السراي
تسعى المنظومة الغربية، المستهلك الأكبر للنفط والمصنع العالمي الأول الى إيجاد وسيلة للتحكم بأسعار النفط عبر عاملي العرض والطلب والتلاعب بمتغيرات السوق من خلال النافذة السياسية، ان ما يمر به السوق النفطي اليوم من تقلبات سلبية في الأسعار ما هو إلا نتاج تخطيط قد لا يكون دقيق جدا لكنه شبه محكم فقد توقعت مراكز البحوث المتخصصة في أميركا واوربا ان تتقلب أسعار النفط وتنخفض الى مستوى 45 دولار منذ عام مضى. وعلى الرغم من ان النتيجة تعتمد اعتمادا كبيرا على الافتراضات حول العرض والطلب وسلوك أوبك والقطاع المصرفي العالمي إلا ان المضاربات السياسية والأزمات الكبيرة كأزمة سوريا واحتلال الموصل من قبل داعش والحصار المفروض على إيران وما يحصل في مناطق أخرى من شمال أفريقيا وشرق أسيا كلها تقود بالمحصلة الى التأثير على أسعار النفط، ولعل الأزمة النفطية التي تضرب الدول المنتجة للنفط عبر انخفاض الأسعار الى هذا الحد أتت في صالح المعسكر الأميركي-الإسرائيلي، فالحصار على إيران المنتج الأكبر للنفط وانخفاض أسعار البترول ستقضي على أمال الجمهورية الإسلامية في التطور والنمو، لاسيما في مجال الطاقة النظيفة (النووي) وفي الوقت ذاته ستقضي على أمال النظام السوري في الحصول على المساعدات العسكرية، كما ان الأمر لن يختلف بالنسبة لحزب الله في لبنان الذي يجابه تل أبيب منفردا في منطقته. وفيما يخص العراق فان حربه ضد داعش ستشهد تراجعا لمعسكر الحشد الشعبي والجيش الحكومي في آن واحد بسبب نقص الأموال والتسليح، فالصدمة النفطية أتت على آمال القضاء على داعش وهو مطلب دول الخليج بكل تأكيد ومطلب أميركي-إسرائيلي وانه سيسرع بتقسيم العراق وكلما طال بقاء داعش في غرب العراق والموصل كلما تعايش أبناء تلك المناطق معه وانخرطوا في صفوف التنظيم وخير دليل هو ان تعداد داعش لم يتجاوز الثلاثة الاف اغلبهم من جنسيات غير عراقية في منتصف العام 2014 والان وصلت اعدادهم الى 35 الف اغلبهم من أبناء المنطقة الغربية والموصل وصلاح الدين. لذلك ليس من المستغرب النظر الى تصرفات أوبك التي أدت الى هذه الهزة في الأسعار، إذا ما علمنا ان السعودية لاتزال تحافظ على سقف إنتاج مرتفع جدا ومعها قطر والإمارات والبحرين فالحرب النفطية أقسى من الحرب التقليدية وان خسائر الخليج المستقر اقتصاديا لا يمكن مقارنتها بخسائر إيران والعراق وسوريا ولبنان الجنوب.
ومن خلال مقارنة أوضاع وتقلبات السوق النفطية والعوامل التي تنتج على أثر خفض أسعار النفط فان المرحلة الجديدة المتمثلة بالأعوام 2015-2016 قد تشهد حدوث ثلاثة سيناريوهات مختلفة, الأول سيستمر حتى شهر ديسمبر 2015 حيث ستتراوح أسعار النفط عند منحنى 45 $ الى 100 دولار / برميل كما يوضحها الشكل رقم (1).
(الشكل الرقم (1) يبين خط العرض الأزرق لمعدلات الإنتاج الشهري وبيانات الأسعار للأعوام 1994-2008 ونرى كيف أصبح العرض غير مرن مقارنة بالطلب لما بعد 2004 حتى استمر الطلب في الارتفاع وارتفعت الأسعار أضعافا مضاعفة وصولا إلى 148 $ / برميل، في يوليو 2008 قبل تحطمها وانهيارها. وبالاعتماد على بينات سوق العرض النفطي في وقت لم يكن هناك تنافسا كبيرا بين برنت وخام غرب تكساس الخفيف وهو ما بني عليه الخط الأزرق للإنتاج كما هو موضح في الرسم البياني.
الطاقة الإنتاجية الفائضة وسياسات (أوبك)
ان جزء من مفتاح فهم كيفية أداء سوق النفط العالمية هو أن ننظر إلى بيانات الطاقة الفائضة لأوبك والتي تعطي صورة واضحة عن سياسة أوبك للمحافظة على الأسعار وتقلبات سوق العرض والطلب. فتعليق أوبك نشاطات أسواقها وعروضها وسياسة التسويق السائدة أدى الى هبوط أسعار النفط اليوم وهو امر مستغرب جدا فهي لم تنهج مثل هذه السياسة من قبل وكانت تزيد من نشاطات التسويق وبالمقابل تتلاعب بمستويات المعروض من النفط لتتلافى الهزات الكبيرة في الأسعار، لكنها منذ ستة أشهر تقريبا وهي تقف ساكنة عن قصد إزاء الانحدار الكبير في أسعار النفط.
(الشكل 2 يوضح سياسة أوبك للحفاظ على النظام في سوق النفط. بدلا من السماح لتقلبات الأسعار للسيطرة على العرض والطلب، وتعمل أوبك على تحديد السعر الذي يناسبها والحفاظ عليه من خلال تقليل وزيادة المعروض ضمن تناغم لتقلبات الطلب العالمي والعرض من خارج أوبك. وبالتالي فإن صورة الطاقة الإنتاجية الفائضة لأوبك يعكس تقلبات في سوق النفط العالمي.)
على مدى السنوات أل 10 الماضية كانت هناك ثلاث دورات للسوق. وكانت اثنتان من تلك الدورات التي عمر كل واحدة منها تقريبا 3 سنوات مع وفرة لما يقرب من 2 مليون برميل يوميا كما هو واضح في (الشكل 2). هذا الكسل الجانبي في الطلب دام لدورة عمرها 4 سنوات وضاعف الفائض الى 4 مليون برميل يوميا بسبب الانهيار المالي العالمي عام 2008. وقد استجابت أوبك لمتغيرات السوق النفطية في تلك الدورات وماشت الطلب العالمي وتغيرات العرض خارجها. وكانت هنالك دورات تقلب أصغر ووصفت بأنها “طبيعية” إلى حد ما. لكن مؤخرا أثيرت الكثير من علامات الاستفهام حول عدم تدخل أوبك والاستجابة لتقلب الأسعار الذي يتطلب إنتاجا متوازنا من خلال تغيير العرض وتحديد الإنتاج الفائض ودراسة حجم الإمدادات من خارج أوبك.
وتشير البيانات الى ان الخلل بين (الطلب / العرض) قد تستمر ثلاث سنوات، الأمر الذي يتطلب 18 شهرا من العمل الجاد والمكثف للعودة إلى نقطة منتصف الدورة حيث يقلب إمدادات النفط بالتزام الدول المنتجة لإحداث نقص في الإمدادات. ان الانكماش في دورة الأسعار الحالية بدأت في يوليو الماضي 2014، وبالتالي أوبك ملزمة بان تتدخل بأسرع ما يمكن لوقف الانهيار الحاصل في أسعار النفط والا فإنها لن تستطيع السيطرة على تقلبات السوق العالمية ولا سيما سوق الذهب والتأثيرات التي ستترتب على الوضع الحالي.
العرض أو الطلب والأسواق المنقادة
كما أنه من الصعب أن نتبين إذا كان الإفراط في العرض للحالة الراهنة وصولاً الى الطاقة الإنتاجية الزائدة أو انخفاض في الطلب قد تغير من عوامل السوق النفطية العالمية الحالية إلا انه من المحتمل ان يؤدي الطلب المتصاعد تدريجياً الى رفع الأسعار مرة أخرى وان لم يكن على المدى القصير للعام الحالي وعلى سبيل المثال فان أداء اليابان والصين والاتحاد الأوروبي على سبيل المثال لا الحصر في الاقتصاد العالمي بات سيئا جدا وشبه متراجع. لكن الخبر الجيد هوان روسيا وكندا على وشك الانضمام الى أوبك وان لم يعول عليه كثيرا إزاء النفوط الجديدة التي يتم استخراجها كالنفط الأحفوري وابتكارات الطاقة الطبيعية من الحنطة والحبوب وما نحو ذلك.
الرسم أدناه (تقرير سوق النفط) يميل إلى تأكيد وجهة النظر هذه.
السيناريو 1 لواقع السوق النفطي العالمي
سنخفض الطلب في عام 2015 بنسبة 2 مليون برميل يوميا مقارنة بصيف 2014 وهو وقت الذروة للإنتاج النفطي ومع ان أوبك تسعى لخفض العرض لعام 2015 الى 1.4 مليون برميل يوميا (توقعات أوبك) إلا انه لن يؤثر على الأسعار الحالية وسيترك سعر النفط في أحسن الأحوال عند عتبة 60 دولارا (الشكل 3). في هذه الأثناء السعر قد ينخفض مع استمرار الطاقة الإنتاجية في الارتفاع قبل أن يتراجع إلى المستوى الحالي في نهاية العام. وبسبب الاتجاهات على المدى القصير مدفوعا بالمضاربة.
الشكل (سيناريو 1) ديسمبر 2015. يبين ان علل الاقتصاد العالمي ستديم انخفاض الطلب بنسبة 2 مليون برميل يوميا اعتبارا من ذروة يوليو 2014الماضي وصعودا، السعر ينتهي في حوالي 60 دولارا / برميل. ولكن في هذه الأثناء قد تعود قصة انخفاض الأسعار مرة أخرى. في عام 2016، انخفاض الأسعار يؤدي إلى انخفاض في طاقة إنتاج النفط العالمية لما يقرب من 1 مليون برميل يوميا وزيادة في الطلب الى قرابة 1 مليون برميل يوميا. هذه التعديلات صغيرة جدا لا يمكن التعويل عليها ولربما ينتعش سعر النفط ليقترب من عتبة 105 $ / برميل في ديسمبر 2016.
السيناريو 2 لواقع السوق النفطي العالمي
تحت السيناريو 2، هزيمة أسعار النفط يسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج وما ترتب من ديون على المنتجين بسبب انخفاض الأسعار لهذه الفترة الطويلة وتشير التوقعات الى قرب حصول أزمة قروض تقود الى خلق أزمة مصرفية جديدة ولربما تكون أسوأ من تلك التي حصلت في عام 2009 ذلك لأن معظم البنوك والميزانيات العمومية للحكومات لم تتعاف من الأزمة السابقة. وهذا سيقود الى تراجع الطلب على النفط بنسبة 4 مليون برميل يوميا مقارنة بصيف 2014، ولكن يتم قطع قدرة العرض أيضا بنسبة 1 مليون برميل يوميا بسبب الصخر الزيتي أو النفط الأحفوري. في ديسمبر 2015 سيقف سعر النفط عند عتبة 45 دولار/ برميل (الشكل 5).
يسبب انخفاض الطلب على النفط كما يبينه الشكل (سيناريو -1 2015) صدمة لكثير من المنتجين العالميين اهم أسبابها التخلف عن سداد القروض بالنسبة للشركات المنتجة للنفط وهذا يشكل أثر على القطاع المصرفي والاقتصاد عموما مما سيؤدي إلى مزيد من الانخفاض في الطلب خلال عام 2015. ويستمر سيناريو هبوط الأسعار.ان سعر النفط المنخفض سيلقي بسحره على الاقتصاد العالمي الصناعي في الصين ودول آسيا المصنعة ويرتد بقوة في عام 2016 ويدفع الطلب ليرتفع بنسبة 2 مليون برميل يوميا. وسيصطدم ارتفاع الطلب على النفط مع انخفاض القدرة الشرائية لدى اوربا وأميركا وقد تعود أسعار النفط مجددا لتصل الى عتبة 100 دولار / برميل بحلول ديسمبر كانون الأول عام 2016. ولكن يكون العالم قد خسر 2 مليون برميل يوميا من طاقة إنتاج النفط.
الشكل (سيناريو 2-2016) وهزيمة الأسعار يبين سقوط العرض الى 1 مليون برميل يوميا. ولكن السعر المنخفض جدا يؤدي إلى انتعاش كبير في الطلب بنسبة 2 مليون برميل يوميا في عام 2016 ترفع الأسعار الى 100 دولار / برميل.
السيناريو 3 لواقع السوق النفطي العالمي
إذا أوعزت أوبك لكل من قطر والكويت لخفض الإنتاج كونهما الأقل تضررا والأكثر قدرة على خفض الإنتاج من باقي الدول المنتجة مع تعهدات من المملكة العربية السعودية بالرجوع الى سقف الإنتاج لما قبل 2013، فان ذلك سيقودنا الى السيناريو 3، وهو ان أوبك تخفض الإنتاج بمقدار 2 مليون برميل يوميا بحلول ديسمبر كانون الأول عام 2015، ليتناسب مع تراجع الطلب بنسبة 2 مليون برميل يوميا الذي بدأ منذ يوليو 2014. فان سعر النفط سيتعافى الى 100 دولار / برميل بحلول ديسمبر المقبل 2015 (سيناريو3-2015).ان أوبك لابد ان تخضع للضغط من عدة أعضاء لبدء مرحلة تخفيض إمدادات النفط تدريجيا ليصبح المجموع 2 مليون برميل يوميا خلال العام 2015. ويتم موازنة الطلب المنخفض ليتلائم مع الطلب الصافي مقارنة بيوليو 2014، ويتعافى السعر ويصل الى 100 دولار بحلول ديسمبر كانون الأول عام 2015. وهذا يعني عمليا إعادة تقييم الوضع الراهن مقارنة بالسنوات الأخيرة وعدم الركون الى سياسات أوبك التي تبين انها خاضعة للقرارات السياسية للدول المهيمنة على السوق العالمي سواء النفطي أو الصناعي أو السياسي. وبالمحصلة فان كل السيناريوهات ستقود الى نتيجة واحدة وهي انه لن يكون ممكنا السيطرة على الأسعار منخفضة وستعود لترتفع الى 100 دولار مع بداية عام 2016. الاختلافات الرئيسية هي في مدى الأثر وشدته على المدى القصير ومتغيرات السوق والطاقة الإنتاجية العالمية. سيناريوهات 1 و 2 تبين ان قدرة الإنتاج ستنخفض بنسبة 1 إلى 2 مليون برميل يوميا في ديسمبر كانون الأول 2016 و هذا من شأنه أن يكون أساسا خارج قدرة أوبك التي سهلت المزيد من السيطرة على أسواق النفط. اماالسيناريو 3 يرى صيانة القدرات مع إعادة تقييم الوضع الراهن وارتفاع أسعار النفط.
لقد تم الاستعانة بموقع “انريجي ماترز” لتصميم الأشكال التفاعلية والبيانات.