التصنيف: الرأي

  • تعزيز الإنفاق لإنعاش الطلب

    جريس سيهومبينج 
    تعمل إندونيسيا على تسريع صرف حوالي 50 مليار دولار من الحوافز المالية لإنعاش الإنفاق الاستهلاكي ومنع أكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا من الانزلاق إلى الركود. وقالت وزيرة المالية الإندونيسية «سري مولياني إندراواتي» إن حكومة بلادها ستدفع 28.8 تريليون روبية (1.96 مليار دولار) لموظفي الخدمة المدنية والمتقاعدين الحكوميين كراتب للشهر الثالث عشر ابتداءً من هذا الأسبوع. وأضافت أنه من المتوقع أن تعزز هذه المكافأة، إلى جانب 37.7 تريليون روبية كحوافز نقدية لنحو 16 مليون عامل في القطاع الرسمي تم الإعلان عنها الأسبوع الماضي، القوةَ الشرائية وتحفيز الاقتصاد. وقالت إندراواتي في مؤتمر صحفي في جاكرتا، يوم الاثنين الماضي، إن «الحوافز ستكمل حزمة التحفيز التي تم طرحها بالفعل». وأضافت: «إن اتجاه استيعاب الميزانية يُظهر زيادةً مع تمديد وتوسيع بعض خطط المساعدة الاجتماعية، وإعادة تصميم البرامج وتبسيط الإجراءات البيروقراطية».
    يُذكر أن الاقتصاد الإندونيسي تراجع بنسبة 5.32 في المئة خلال الربع الثاني من العام الجاري، وهو أول انكماش له منذ أكثر من عقدين، بعد فرض قيود صارمة على التنقل لاحتواء تفشي فيروس كورونا، وهي القيود التي أدت إلى تدمير الشركات الصغيرة والكبيرة على حد سواء. وقالت إندراواتي الأسبوع الماضي إن الحكومة تخطط لإنفاق ما يصل إلى 1,476 تريليون روبية قبل نهاية العام الجاري لتعزيز الاقتصاد. وأوضحت أن الحكومة أنفقت 151.2 تريليون روبية من حزمة تحفيز تبلغ 695.2 تريليون روبية اعتباراً من الأسبوع الأول من شهر أغسطس الجاري. 
    وقد تساعد زيادة الإنفاق على عكس اتجاه الانخفاض الذي بلغت نسبته 5.51 في المئة في مستوى الاستهلاك الخاص، إلى جانب انخفاض بنسبة 6.9 في المئة في الإنفاق الحكومي خلال الربع الثاني من العالم الجاري.
    وبينما لا تزال الآفاق الاقتصادية قاتمةً، أكدت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني على تصنيفها الائتماني السيادي لإندونيسيا عند BBB، مع نظرة مستقبلية مستقرة. وأشارت الوكالة إلى توقعات النمو الإيجابية على المدى المتوسط وانخفاض نسبة الدَّين الحكومي بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي مقابل الاعتماد الكبير على التمويل الخارجي، موضحةً أن هذه العوامل هي من بين أسباب الاحتفاظ بهذا التصنيف. وتتوقع وكالة فيتش أن يتقلص العجز المالي لإندونيسيا إلى 5 في المئة في عام 2021 ثم إلى 3.5 في المئة في عام 2022، حيث يُنظر إلى معظم النفقات المرتبطة بجائحة كورونا الحالية على أنها نفقات مؤقتة. 
    وقالت وزيرة المالية الإندونيسية (إندراواتي) إنه بينما تواجه بلادُها عجزاً مالياً مرتفعاً في الوقت الحالي، فإن الحكومة ملتزمة بالعودة إلى أقل من 3 في المئة، مؤكدةً أن «الخطوات الاستثنائية لتقاسم العبء مع بنك إندونيسيا تتماشى مع الممارسات الدولية العادلة والحكيمة».
  • الاستثمار في صحة الأفارقة

              كارل مانلان
    إن وجود نظام قوي للرعاية الصحية شرط أساسي للتنمية الاقتصادية، ولكن لا يمكن التنبؤ بالمساعدات الإنمائية المخصصة لقطاع الصحة في إفريقيا حتى نتمكن من دعم أنواع الاستثمارات الطويلة الأجل اللازمة. 
    يمثل القطاع الصحي في إفريقيا فرصة استثمار هائلة، تقدرها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا بقيمة 66 مليار دولار سنويا، ومع ذلك يواصل القادة الأفارقة والمانحون مناقشة أنظمة الرعاية الصحية في إفريقيا من حيث فجوات التمويل، وفي الواقع، ستسد هذه الفجوات، عندما يُنظر إلى إفريقيا على أنها وجهة استثمارية لا وجهة للمساعدات الخارجية.
    إن وجود نظام قوي للرعاية الصحية شرط أساسي للتنمية الاقتصادية، ولكن لا يمكن التنبؤ بالمساعدات الإنمائية المخصصة لقطاع الصحة في إفريقيا حتى نتمكن من دعم أنواع الاستثمارات الطويلة الأجل اللازمة. إن استيراد الأدوية، على سبيل المثال، يكلف إفريقيا ما يقدر بنحو 14 مليار دولار سنويا، ولن تخفض تهيئة الظروف لتصنيع المستحضرات الصيدلانية المحلية هذه الفاتورة فقط؛ بل ستخلق أيضا 16 مليون وظيفة. (هذا سبب آخر لدعم منطقة التجارة الحرة القارية لإفريقيا، AfCFTA). ومع ذلك، غالبا ما تقدَّم المساعدات وفقا لجداول زمنية محددة في مدة ثلاث سنوات، دون أي ضمان بأنها سترسل بالفعل عند الحاجة إليها لتمويل البرامج المخططة.
    وبطبيعة الحال، يمكن استخدام الموارد العامة المحلية لهذا الغرض، ولكن نظرا للنمو الاقتصادي المنخفض، وتكاليف خدمة الديون المرتفعة أصبحت المساحة المالية للعديد من الحكومات الإفريقية محدودة، ومع ذلك، مع تركيز أكبر على النهوض بتحصيل الضرائب، سيكون لدى الأفارقة فرصة أفضل لزيادة عائداتهم المحلية. وغالبا ما تتأثر الميزانيات بتغير القيادات السياسية والأولويات، والتي يمكن أن تحول دون استثمار ثابت وطويل الأجل.
    والنتيجة هي عدم الإنفاق على الرعاية الصحية في إفريقيا بما يكفي، وهذا أمر مؤسف، إذ في عام 2015، شكلت القارة 2٪ فقط من 9.7 تريليونات دولار، وهي قيمة النفقات على الرعاية الصحية على مستوى العالم، مع أن إفريقيا تمثل 16٪ من سكان العالم، و26٪ من عبء المرض على المستوى العالمي.
    إن زيادة الإنفاق على الرعاية الصحية في إفريقيا ليست مسألة تكثيف المساعدات؛ إذ من الواضح أن الكرم الخارجي بلغ حده، فالأمر يتعلق بجعل الجهات الفاعلة من القطاع الخاص- وخصوصا الأفارقة- تغتنم الفرص التجارية ذات الصلة.
    ولا ينبغي الاستهانة بحجم هذه الفرص، فالنمو السكاني السريع، إلى جانب طول أمد الحياة، يدل على أن احتياجات البلدان فيما يتعلق بالرعاية الصحية سترتفع في السنوات القادمة، ومع حلول عام 2030، من المتوقع أن تُخلق نسبة 14٪ من فرص العمل في مجال الصحة العالمية في إفريقيا، وستصل قيمة أسواق الصحة والرفاهية في القارة إلى 259 مليار دولار.
    إن تلبية حاجيات سكان إفريقيا المتزايدين من حيث الرعاية الصحية- وبالتالي ضمان أن تتمتع القارة بقوة عاملة صحية من شأنها أن تدفع بعجلة التحول الاقتصادي- سيتطلب تمويلا أكثر قابلية للتنبؤ وأكثر استدامة، وتمويلا يعتمد على استراتيجيات طويلة الأجل وموثوقة. هنا، يجب أن يضطلع المغتربون الأفارقة بدور قيادي.
    وكما يبدو، من المرجح أن تستخدم نفقات الرعاية الصحية الممولة من المغتربين الأفارقة لدفع الفواتير الطبية لأحد الأقارب المرضى (أو على نطاق أوسع، على الاستهلاك)، بدلا من أن تستثمر في تعزيز النظام الصحي، وسيتطلب هذا الاستثمار تجميع الموارد وتوجيهها (عبر وسطاء موثوقين) نحو مشاريع يمكنها تلبية احتياجات مجتمعات بأكملها في أي لحظة، ويفترض هذا تحول التركيز على الحلول من أعلى إلى أسفل إلى تطوير أنظمة مرنة تبدأ على مستوى المجتمع. وعلى سبيل المثال، ستكون هناك حاجة إلى مليوني عامل صحي محلي مع حلول عام 2020 لضمان حصول كل إفريقي على رعاية جيدة، وهذا ليس حلا جديدا، إذ كان العاملون في مجال الصحة المحلية سبب نجاح الرعاية الصحية التي تلقاها والديّ في ساحل العاج في الخمسينيات من القرن الماضي، ولكن نحتاج إلى تمويل يمكن التنبؤ به لبناء نظام يمكنه تلبية احتياجات الرعاية الصحية اليوم، مع توفير مليوني وظيفة. وتشمل الاستثمارات الأخرى المستهدفة إدارة الأمراض، وهي سوق تقدر قيمتها بنحو 14 مليار دولار، بالإضافة إلى مراقبة المرضى عن بعد، التي بدورها تقدر بقيمة 15 مليار دولار. وكلما كانت بيئة الاستثمار أكثر استقرارا، كانت الجهات الفاعلة في القطاع الخاص أكثر استعدادا لتمويل التدخلات الواسعة النطاق اللازمة لإطلاق العنان لقدرات إفريقيا الإنتاجية، إن إنشاء مناطق اقتصادية خاصة، والتي نجحت في بلدان مثل إثيوبيا، سيزيد من تعزيز القدرة على التنبؤ والثقة، مما سيحدث المزيد من التقدم.
    وفي الوقت الذي يستعد فيه القادة لجمعية الصحة العالمية الثانية والسبعين لمنظمة الصحة العالمية التي ستعقد في جنيف هذا الشهر، تجدر الإشارة إلى حدود التنمية التي تعتمد على المانحين في إفريقيا، ولوضع الأسس للتحول الاقتصادي- بما في ذلك عن طريق تطبيق اتفاقية التجارة الحرة لإفريقيا- يجب على الأفارقة في الداخل والخارج أن يكثفوا من جهودهم.
    وذكرنا الخبير الاقتصادي، جون ماينارد كينيز، بأننا جميعا سنموت على المدى البعيد، ولكن الاستثمار الصحي الطويل الأمد يهدف إلى تحسين مستوى المعيشة، وهذا يعني أن أولئك الذين بدأت حياتهم للتو سيكونون قادرين على بناء مستقبل أكثر ازدهارا، وضمان تمتع أجيال المستقبل أيضا بحياة أطول وأكثر صحة وإنتاجية.
  • مشكلات مزمنة يعانيها الإقتصاد العراقي

              لطيف عبد سالم
    ليس بالأمر المفاجئ القول إنَّ الاقتصادَ العراقي يُعَدّ من الاقتصادات الواعدة التي تعرضت لحالاتٍ من التدهور في مراحلٍ عدة، فضلاً عما صاحب ذلك من تعثرٍ في المساعي الرامية إلى تنميته. ويمكن الجزم بأنَّ السببَ الرئيس في ذلك يعود في واقعه الموضوعي إلى جملة من العوامل الموضوعية التي تركت في أرجائه ندبات سلبية عميقة الأثر، مع العرض أنَّ أغلبَ تلك العوامل متأتٍ من تداعيات الحروب، وسوء الإدارة، وما ظهر من السياسات المرتجلة، بالإضافة إلى انتشار ظاهرةالفساد بشكلٍ مخيف. 
    من المعلوم أنَّ الاقتصادَ العراقي شهد تحولات في نظامه واتجاهاته وأدائه منذ مطلع العقد الخامس من القرن الماضي وحتى يومنا هذا، فضلاً عن تعرضِه إلى صدماتٍ عنيفة بفعل رؤى القيادات السياسية الَّتِي ترتب عليها إقحامِه في ظروفٍ معقدة أفضتْ إلى زعزعة استقرارهو فقدانه فرص التطوير المفترضة. ولعلّ أبرز هذه المحطات هو الحر وبالعبثية، والتي بدأت بحرب الخليج الأولى التي دامت ثماني سنوات، وتسببتْ في استنزاف نسبة عالية جداً من الاحتياطيات الأجنبية التي استخدمت من أجل تمويل الإنفاق الحربي، إلى جانب كارثية آثار هذا التوجه الذي كان في مقدمة نتائجه المأساوية ما حصل من تشوه فيبنية البلاد التحتية، وتراجع إنتاجية قطاعات البلاد الرئيسة، إذ وصلتْ قيمة الإضرار حينئذ إلى نحو (453) مليار دولار أمريكي بحسب البيانات الحكومية.
    حين أطلَ عقد التسعينيات من القرن المنصرم على المجتمع البشري، كان الاقتصاد العراقي وهو لم يتعافَ بعد على موعدٍ مع التداعيات السلبية لمجريات حرب الخليج الثانية، والتي سبقت التحضيرات لها فرض المجتمع الدولي عقوبات اقتصادية قاسية تمثلت بحصارٍ اقتصادي جائر، أفضى إلى دخول البلاد بعزلةٍ دولية وإقليمية دامت لأكثرِ من عقدٍ من الزمان، بالإضافة إلى جسامة التعويضات المالية التي تحملها العراق، والتي قدرت خسائرها بما يقرب من (200) مليار دولار أمريكي بالاستناد إلى الوثائق الدولية.
    من المهم الإشارة في هذا السياق إلى أنَّ الاقتصادَ العراقي يعاني اليوم من كونه أسير العديد من العوامل المقيدة لمحاولات تطويره، إذ ماتزال قِطاعات البلاد الرئيسة تعيش التراجع والتشتت، وتعتمد على مختلفِ دول العالم، فضلاً عن المحيط الإقليمي بمهمة تغطية حاجات السوق المحلي، فلا ريب أنَّ العراقَ أصبح في مقدمة البلدان المستهلكة لبضائعٍ وسلع ضرورية أو غير ضرورية من خارجِ البلاد، على الرغم من أنَّ البياناتَ الرسمية تشير إلى استنزافه ما يزيد عن ( 500) مليار دولار في المدة الماضية.  
    تتجسد المشكلات الكبيرة التي تواجه الاقتصاد العراقي في عالم اليوم بمجموعةٍ من العوامل الموضوعية التي من أهمها ارتفاعِ حجم المديونية الخارجية، تباطؤ معدلات النمو، تراجع إنتاجية قطاعي الزراعة والصناعة، القوانين القديمة المعرقلة لإنضاج البيئة الاستثمارية والاعتماد على الاستيراد الخارجي بنسبةٍ عالية في ظل تفاقم ظاهرة الفساد الإداري والمالي التي أفضت إلى انهيار القطاع الخاص.
  • صمود «بيلوسي»

              كارين تومولتي
    لدى الرئيسة «الديمقراطية» لمجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي شيء يسمح لها أن تثير أعصاب الرئيس دونالد ترامب بطريقة لا يستطيع شخص آخر القيام بها. فقد أعلنت يوم الخميس الماضي قائلة «أدعو لرئيس الولايات المتحدة. أتمنى لو تدخلت أسرته أو إدارته أو فريق عمله لصالح البلاد. ربما يريد الحصول على عطلة». وترامب رد عليها بالقول «إنني عبقري مستقر للغاية».
    وتقاذف الإهانات مع ترامب ليس مسعى منتجاً، لكن بيلوسي تمثل أداة إحباط خطيرة لرئيس نجح في إصابة جميع من حوله بالحيرة، لكن موهبة بيلوسي الفريدة تتمثل في القدرة على التركيز على الهدف النهائي. وهدفها الحالي هو ضمان أن تضمن أن يترك الرئيس المكتب البيضاوي بأكبر درجة ممكنة من السرعة. وهذا يعني أن بيلوسي يتعين أن تقوم بأمرين في وقت واحد وهما: إبقاء ترامب في حالة عدم توازن وتقييد التكتل «الديمقراطي الذي يحث على القيام بمسعى استباقي نحو توجيه الاتهام للرئيس.
    وبيلوسي تعلم أنه ما لم يتوافر دعم هائل من الحزبين لمسعى توجيه الاتهام، فسينتهي الأمر بتبرئة ساحة ترامب في مجلس الشيوخ، وهذا سيساعده فحسب على الفوز بفترة ولاية رئاسية أخرى مدتها أربع سنوات. فقد أخبر «ديمقراطيين» بارزين في اجتماع خاص «أنه يريد توجيه الاتهام إليه حتى يبرئ مجلس الشيوخ ساحته»، لكن رئيسة مجلس النواب تجادل من أجل سلوك طريق آخر، وهو استمرار رقابة الكونجرس والاعتماد على المحاكم في الوقت الذي تسعى فيه ست لجان مختلفة بمجلس النواب للحصول على وثائق وشهادة من إدارة تماطل. صحيح أن هذا أقل من أن يرضي الذين يتوقون إلى تدشين إجراءات توجيه الاتهام أو الذين يجادلون بأن أي شيء أقل من هذا يمثل تقصيراً في واجب الكونجرس في إخضاع ترامب للمساءلة، لكنه الطريق المرجح لإلحاق الهزيمة بترامب عام 2020. وسيكون من حكمة التكتل «الديمقراطي» أن يثق ببصيرة بيلوسي وخبرتها. إنها صبورة ومنضبطة وقادرة على الصمود. فلم تصعد امرأة في تاريخ الولايات المتحدة إلى منصب أكثر نفوذاً في الحكومة من المنصب الذي تحتله بيلوسي للمرة الثانية الآن. وفي أول فترة لها، ذكر باحثون في شؤون الكونجرس أن بيلوسي من بين أكثر رؤساء مجلس النواب نفوذاً في التاريخ الحديث.
  • في الدفاع عن أوربا

              ميشيل بارنييه
    لا تزال أوروبا تتمتع بقدر كبير من القوة الناعمة، لكننا لا نفتقر إلى القوة الصارمة، وإن العودة إلى سياسات القوى العظمى تعني أن هذا التوازن لم يعد مستداما، وأن أوروبا تحتاج إلى ركيزة ثانية تستند إليها، ويتوقع مواطنونا اتحادا مقتدرا، وصاحب سيادة، وقادرا على حمايتهم. لقد عادت رقعة الشطرنج الجيوسياسية، ففي أعقاب فترة فاصلة بدأت بعد عام 1989، حيث بدا الأمر وكأن التاريخ يميل نحو نظام دولي ليبرالي سلمي، نشهد الآن منافسة متصاعدة بين القوى العظمى، ومساعي الهيمنة، والتوسع شبه الإمبراطوري. فها هي ذي روسيا تخرق القانون الدولي بوقاحة، وتؤكد نفوذها الإقليمي، وتنخرط الصين في منافسة استراتيجية شاملة وتروج لنموذج دولي بديل، واختارت الولايات المتحدة أن تدافع عن مصالحها من خلال العمل الأحادي وممارسة الضغوط من جانب واحد. في مواجهة هذه الصحوة الجيوسياسية العنيفة، يتعين على أوروبا أن تصنع مستقبلها بيديها، وإذا لم نهب للتعبير عن مصالحنا وقيمنا والدفاع عنها، فسيصبح الاتحاد الأوروبي وبلدانه الأعضاء فريسة لآخرين في ظل «اللانظام» العالمي الجديد. لقد آن الأوان أن يبني الأوروبيون سيادتهم جماعيا في كل المجالات التي يريدون أن يضطلعوا فيها بدور مؤثر لا أن يقفوا موقف المتفرج: السياسة الخارجية والدفاع، الاقتصاد والتجارة، التكنولوجيا الرقمية، والاستدامة البيئية. تحت قيادة رئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك ورئيس المفوضية الأوروبي جان كلود يونكر، اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوات مهمة في هذا الصدد، فقد صقلنا سياستنا التجارية في الاستجابة لتوقعات الحروب التجارية، وجعلنا اقتصادنا أقل عُرضة لعمليات الاستيلاء الأجنبية على أصول استراتيجية. بالإضافة إلى هذا، استثمرنا في المرونة والصمود لحماية الشبكات الحرجة ومرافق البنية الأساسية من الهجمات السيبرانية. لعل الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أننا قطعنا أشواطا كبرى في تجميع جهودنا الدفاعية، وبعد أن كان الدفاع يشكل أحد المحرمات ذات يوم، أصبح الآن أولوية سياسية للمفوضية الأوروبية. على سبيل المثال من المقرر أن يفتح صندوق الدفاع الأوروبي الذي تبلغ قيمته 13 مليار يورو (14.6 مليار دولار أميركي) آفاقا جديدة في التخطيط المشترك وشراء المعدات المشتركة. لكن أوروبا تستطيع، بل يتعين عليها، أن تبذل المزيد من الجهد في هذا المجال. لم يعد من الخيارات الواردة الاستعانة بمصادر خارجية لضمان أمن أوروبا، ورغم أن زيادة الإنفاق من شأنها أن تجعلنا أقوى، فإن هذا لن يكون كافيا في حد ذاته، بل تحتاج أوروبا إلى خطة- بوصلة سياسية- كما ينتظر مواطنونا أيضا مثل هذه الخطة. الواقع أن الاستراتيجية العالمية للاتحاد الأوروبي- بقيادة الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ونائبة رئيس المفوضية فيديريكا موغيريني- حددت مستوى جماعيا جديدا من الطموح للعمل الأوروبي الخارجي في عام 2016، ولكن الآن، مع تسابق القوى العالمية إلى الأمام، ومع شيوع التهديدات العابرة للحدود، من ريجا إلى نيقوسيا، تحتاج هذه الاستراتيجية إلى تحديثها وترجمتها إلى سياسة خارجية وتخطيط دفاعي. حان الوقت إذاً لمراجعة الدفاع الاستراتيجي، على أن يشمل هذا التقييم المشترك للتهديدات الأساسية التي ستواجه أوروبا من الآن وحتى عام 2030؛ والتوجيه الاستراتيجي بشأن الأولويات المشتركة للاتحاد الأوروبي وبلدانه الأعضاء؛ وترجمة هذا إلى معدات وهياكل مؤسسية مشتركة.
    إلى جانب التأكيد على الدور الأساسي الذي يؤديه حلف شمال الأطلسي في الدفاع الجماعي، ينبغي لهذه المراجعة الدفاعية الاستراتيجية أن تعمل على تطوير قدرات أوروبا وتعزيز جاهزيتنا للعمل الخارجي المشترك. نحن في احتياج إلى قدرات موحدة لمواجهة التحديات الجديدة غير المتساوقة مثل الإرهاب؛ والجريمة السيبرانية؛ وحملات التضليل؛ والتهديدات الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية. ويمثل الفضاء السيبراني بشكل خاص المنطقة حيث يتعين علينا أن نزيد من قدراتنا المدنية والعسكرية لمواكبة تحديات المستقبل، بالإضافة إلى هذا، ينبغي لهذه المراجعة أن توفر التوجيه والإرشاد للصناعة الدفاعية الأوروبية كعنصر أساسي في أمننا. لصيانة هذه الجهود وتحقيق مستوى متجدد من الطموح، يتعين علينا أيضا أن نعمل على بناء اتحاد السياسة الخارجية والدفاع. تشكل مؤسسات الاتحاد الأوروبي والبلدان الأعضاء فريقا واحدا. والهدف ليس الانتقاص من سيادة البلدان الأعضاء، بل جعل كل منها- وجميعها- أعظم قوة. تستفيد السياسة الخارجية والدفاعية المشتركة من تنوع أجهزة الاستخبارات، والقوات المسلحة، والمعدات، والخبرات القتالية، إلى جانب الآفاق الإقليمية المختلفة- في التعامل مع إفريقيا، والشرق الأوسط، وغرب البلقان، والجهة الشرقية لأوروبا- الموروثة بحكم التاريخ والجغرافيا. ضمن هذا الإطار، ينبغي للدول الأعضاء أن تعمل أيضا كسفراء أو دول رائدة في مجالات مختلفة. وهذا من شأنه أن يسمح بقدر من المرونة والاتساق في الصيغ أو المبادرات الإقليمية، ومن شأنه أيضا أن يمكن الدول الأعضاء من استخدام نفوذها لدعم المصالح الوطنية والأوروبية. بالتوازي مع هذا، لابد من إضفاء الطابع المؤسسي بالشكل اللائق على الدفاع على مستوى الاتحاد الأوروبي: إنشاء مجلس دفاعي لتوفير منصة للتنسيق بين وزراء الدفاع، ومركز قيادة للعمليات لتخطيط وإدارة السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة على مستوى الاتحاد الأوروبي، فضلا عن سلسلة قيادية مستجيبة وفعّالة، وأكاديمية دفاعية شاملة.
    وسوف تساعد هذه الخطوات العملية في تعزيز ثقافة استراتيجية أوروبية مشتركة وجعل الدفاع الأوروبي واقعا عمليا، كما ستعمل على تجهيز الاتحاد الأوروبي للانخراط بشكل أفضل مع شركائه الاستراتيجيين، أولا وقبل كل شيء المملكة المتحدة، التي ستظل حليفا أساسيا وشريكا قويا بعد أن تترك الكتلة. بيد أن المسائل الداخلية مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي احتكرت لفترة طويلة أجندة القادة الأوروبيين على حساب تحديات أمنية ملحة، لكن الاستقرار في إفريقيا، وعملية السلام في سورية، والأزمة في ليبيا، ومنطقة البلقان الغربية، والجوار الشرقي، والقطب الشمالي، كل هذا يستحق أيضا قدرا أعظم من الاهتمام، فضلا عن قدرتنا على التعامل مع الشركاء الاستراتيجيين. من الأهمية بمكان أن تكون التحديات الأمنية المشتركة على أجندة المجلس الأوروبي كل ثلاثة أو ستة أشهر. ومن خلال المناقشات المنتظمة المرتبة، يصبح بوسع القادة التصدي للاتجاهات الاستراتيجية وتحديد مسار العمل المشترك، بالاستعانة بكامل مجموعة أدوات السياسة الخارجية لدى الاتحاد الأوروبي. من ناحية أخرى، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يحسن استخدام أدوات السياسة الخارجية- الدبلوماسية، والتجارة، ومساعدات التنمية، والدفاع- على النحو الذي يجعلها أكثر تماسكا. وللتصدي لتحديات مشتركة في عالم حيث ستؤدي إفريقيا وآسيا دورا متزايد الحجم، يتعين على أوروبا أن تخرج من صومعتها وأن تعمل على مواءمة أدواتها الخارجية.  في شهر مارس، على سبيل المثال، بدأ تاسك مناقشة بين قادة الاتحاد الأوروبي حول العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين، وينبغي لهذا أن يشكل أولوية قصوى للسنوات المقبلة. لكن المفتاح إلى السياسة الخارجية الناجحة يكمن في القدرة على دعمها، فلا تزال أوروبا تتمتع بقدر كبير من القوة الناعمة، لكننا لا نفتقر إلى القوة الصارمة، وإن العودة إلى سياسات القوى العظمى تعني أن هذا التوازن لم يعد مستداما، وأن أوروبا تحتاج إلى ركيزة ثانية تستند إليها، ويتوقع مواطنونا اتحادا مقتدرا، وصاحب سيادة، وقادرا على حمايتهم، ولن يتسنى لنا تحقيق هذه الغاية إلا من خلال تضافر قوى وجهود الدول الأعضاء ومؤسسات الاتحاد الأوروبي.
  • السودان إلى أين؟

              ÍÇÒã ãÈíÖíä
    ÈÚÏ ãÝÇæÖÇÊ ãÇÑÇËæäíÉ¡ ÃÚáä ÊÌãÚ Çáãåäííä ÇáÓæÏÇäííä¡ Ãä ãäÊÓÈíå ãÓÊÚÏæä ááÇÖÑÇÈ ÇáÚÇã æÇáÚÕíÇä ÇáãÏäí ÇáÔÇãá¡ áßÓÑ ÔæßÉ ÇáÚÓßÑ æÇÓÞÇØåã áãÖíåã Ýí ØÑíÞ ãä ÓÈÞæåã ÈÚÏã ÇáÊÓáíã æÇáÊÚäÊ Ýí ÇáÊÝÇæÖ. æíÃÊí åÐÇ ÇáÊáæíÍ ÈÇáÊÕÚíÏ ÈÇÚÊÈÇÑå ÇáÓáÇÍ ÇáæÍíÏ áÊÍÞíÞ ãØÇáÈ ÇáãÍÊÌíä ÇáÊí ÊäÕ Úáì ÊÓáíã ÇáÓáØÉ ááãÏäííä¡ æãÍÇÓÈÉ ÑãæÒ ÇáäÙÇã ÇáÓÇÈÞ¡ æÅÑÓÇÁ ÇáÍÑíÉ æÇáÚÏÇáÉ æÇáãÓÇæÇÉ. æßÇä ÇáÊÌãÚ æÇáÍÒÈ ÇáÔíæÚí ÇáÓæÏÇäí ØÇáÈÇ ÈÅÓÞÇØ ÇáÍßã ÇáÚÓßÑí æÊäÝíÐ ÓáÓáÉ ãä ÇáÇÚÊÕÇãÇÊ æÇáÇÖÑÇÈÇÊ Ýí Úãæã ÇáÈáÇÏ¡ áÝÑÖ ãØáÈ ÇáãÍÊÌíä ÈäÞá ÇáÓáØÉ ááãÏäííä¡ ÈÚÏ ÇÊåÇã ÇáãÌáÓ ÈÚÑÞáÉ ÇäÊÞÇá ÇáÓáØÉ ááãÏäííä æÈãÍÇæáÉ ÅÝÑÇÛ ÇáËæÑÉ ÇáÓæÏÇäíÉ ãä ÌæåÑåÇ æÊÈÏíÏ ÃåÏÇÝåÇ¡ æÞÇá ÇáÊÌãÚ Åäå áÇ ãäÇÕ ãä ÅÒÇÍÉ ÇáãÌáÓ ÇáÚÓßÑí áÊÊÞÏã ÇáËæÑÉ áÎØ ÇáäåÇíÉ¡ ãÄßÏÇ Ãä ÊãÓß ÇáãÌáÓ ÇáÚÓßÑí ÈÇáÃÛáÈíÉ Ýí ãÌáÓ ÇáÓíÇÏÉ æÈÑÆÇÓÊå¡ áÇ íæÝí ÈÔÑØ ÇáÊÛííÑ æáÇ íÚÈÑ Úä ÇáãÍÊæì ÇáÓíÇÓí æÇáÇÌÊãÇÚí ááËæÑÉ. æÞÇá ÇáÍÒÈ ÇáÔíæÚí Åä ÊÚäøÊ ÇáÚÓßÑ æÊãÓßåã ÈÃä Êßæä áåã ÇáÃÛáÈíÉ æÇáÑÆÇÓÉ Ýí ãÌáÓ ÇáÓíÇÏÉ íÄËÑ ÓáÈÇ Ýí ÇáËæÑÉ æíÚíÞ ÊÍÞíÞ ÃåÏÇÝåÇ ÇáãÊãËáÉ Ýí ÊÕÝíÉ ÈÞÇíÇ ÇáäÙÇã ÇáÝÇÓÏ¡ æáÌã ÇáËæÑÉ ÇáãÖÇÏÉ ÇáÊí ÈÏÃÊ ÊäÔØ Ýí ãÍÇæáÉ íÇÆÓÉ áÅÚÇÏÉ ÚÞÇÑÈ ÇáÓÇÚÉ ááæÑÇÁ¡ æÊÕÝíÉ ãáíÔíÇÊ ÇáÅÓáÇãííä æÅÚÇÏÉ åíßáÉ ÌåÇÒ ÇáÃãä æÇáãÎÇÈÑÇÊ.
    æåßÐÇ ÚÇÏ ÇáãÔåÏ ÇáÓæÏÇäí Åáì ãÑÍáÉ ãÇ ÞÈá ÇáãÝÇæÖÇÊ æÊÊÌáì ÚæÏÊå Åáì Êáß ÇáãÑÍáÉ Ýí ÇáÔÚÇÑÇÊ ÇáÊí ÊØÇáÈ ÈÍáø “ÇáÚÓßÑ픡 æÊÓáíã ÇáÓáØÉ Åáì ÇáãÏäííä¡ æÇáæÇÖÍ Ãä ÊÌÏíÏ Þæì ÇáÍÑíÉ æÇáÊÛííÑ ÏÚæÇÊåã Åáì ãÓíÑÇÊ ãáíæäíÉ ÕæÈ ãÞÑø ÇáÇÚÊÕÇã ÃãÇã ÞíÇÏÉ ÇáÌíÔ æÇáÊãåíÏ áÊäÝíÐ ÅÖÑÇÈ æÚÕíÇä ãÏäí. ßãÇ ÊÊÌáì Ýí ÊÌÇåá ÇáÚÓßÑí ãØÇáÈ ÇáÔÇÑÚ¡ æÇÓÊãÑÇÑå Ýí ÅÕÏÇÑ ÇáÞÑÇÑÇÊ ÛíÑ ÇáãõÎæøá ÈåÇ ÌåÇÒ íÝÊÑÖ Ãäå ÇäÊÞÇáí¡ ãä ÎáÇá ÅÚÇÏÉ Úãá ÇáäÞÇÈÇÊ æÇáÇÊÍÇÏÇÊ ÇáãåäíÉ æÇáÇÊÍÇÏ ÇáÚÇã áÃÕÍÇÈ ÇáÚãá¡ æÇáÊí ßÇä ÇáãÌáÓ ÞÏ ÌãøÏåÇ Ýí Ùáø ÇÊåÇãÇÊ ÊæÇÌååÇ ÈÓíØÑÉ ãæÇáíä áäÙÇã ÇáÈÔíÑ ÚáíåÇ¡ Åáì ÇáÊãåíÏ áÓÍÈ ÈÓÇØ ÇáÔÑÚíÉ ãä ÇáÊÌãÚÇÊ ÇáãåäíÉ ÛíÑ ÇáÑÓãíÉ ÇáÊí ÊÔßá ÊÌãÚ Çáãåäííä ÇáÓæÏÇäííä¡ ÚáãÇð ÈÃä åÐÇ ÇáÊÌãÚ íÓÊáåã ÞæÊå ãä ÇáÚãá ÇáÌãÇÚí¡ æÞÏ ÃËÈÊ ÞÏÑÊå Úáì ÊäÙíã ÇáÇÍÊÌÇÌÇÊ Ýí Ùáø ÇáÊÒÇã ÇáãÊÙÇåÑíä ÈÇáÓÇÚÉ ÇáÊí íÍÏÏåÇ ÇáÊÌãÚ ááÊÙÇåÑ.
    äÍä åäÇ ÅÒÇÁ ãÚÑßÉ ßÓÑ ÚÙã Èíä ÇáãÍÊÌíä æÇáÚÓßÑ Ýí Ííä ÈÏÃÊ ÇáËæÑÉ ÇáãÖÇÏÉ ÊäÔØ æÓØ ÌãæÏ ÇáãÝÇæÖÇÊ¡ æÈÏà ÞÇÏÉ ÇáÌíÔ íÊÑÇÌÚæä Úä ÊÚåÏåã ÈÊÓáíã ÇáÓáØÉ Åáì ÇáãÏäííä. Ýí Ííä ÊõÚÏø ÓÊÑÇÊíÌíÉ ÊÈÏíÏ ÇáæÞÊ Ýí ÇáÊÝÇÕíá ÇáÕÛíÑÉ æÊÑß ÇáÂÎÑíä íÕÇÑÚæä ÓáÇÍÇð ÈÍÏíä. ãÚ æÌæÏ ãÄÔÑÇÊ Úáì ÇäÞÓÇã ÏÇÎá ÞíÇÏÉ ÇáÌíÔ æÇáÞæÇÊ ÇáäÙÇãíÉ. æÈãæÇÌåÉ ÍÇáÉ íÌÈ ÝíåÇ Ãä íÏÑß ÇáÚÓßÑíæä Ãä ÇáãÏäííä áÇ íËÞæä Èåã æíãíáæä Åáì ÇáÍÐÑ Ýí ÇáÊÚÇãá ãÚåã¡ æÐáß äÊíÌÉ ÇáÊÌÇÑÈ ÇáãÑøÉ ááÍßã ÇáÚÓßÑí Ýí ÚåÏóí ÇáäãíÑí æÇáÈÔíÑ¡ ßãÇ íÌÈ Ãä íõÏÑß ÇáãÏäíæä Ãä ÊÇÑíÎ ÏæáÊåã ÚãáíÇð åæ ÊÇÑíÎ ÇáÍßøÇã ÇáÚÓßÑííä¡ æÃä Íßã ÇáãÏäííä ßÇä ãÊÞØøÚÇð æÇÊøÓã ÈÎáÇÝÇÊ Úáì ÇáÓáØÉ Èíä ÒÚãÇÁ ÊÞáíÏííä æÃÍÒÇÈ ÝõÕøáÊ Úáì ÞíÇÓ ÃÔÎÇÕ¡ æÈÍÑßÇÊ ÊãÑøÏ Ýí ÇáÃØÑÇÝ Íãá ÈÚÖåÇ ÇáÓáÇÍ Ýí æÌå ÇáÏæáÉ ÇáãÑßÒíÉ¡ Êáß ÇáÊí ßÇäÊ ÞáíáÉ ÇáæÚí ÈÃÍæÇá ÇáãæÇØäíä Ýí ÈáÏ ÔÇÓÚ ÇáÃØÑÇÝ æãÊäæøÚ ÃÔßÇá ÇáÇÌÊãÇÚ. æÇäÍÕÑ ÇåÊãÇã Ãåá ÇáÏæáÉ ÇáãÑßÒíÉ ÈÇáÎÑØæã æÃã ÏõÑãÇä¡ æÝí ÃÍÓä ÇáÃÍæÇá ÈÈæÑÓæÏÇä áßæäåÇ ÇáãíäÇÁ ÇáÑÆíÓ æÔÑíÇäÇð ÇÞÊÕÇÏíÇð áÇ íãßä ÅåãÇáå. æÇáíæã ÊÍÊÇÌ ÇáÇÌÊãÇÚÇÊ Èíä ÇáãÏäííä æÇáÚÓßÑííä Åáì ÌáÓÇÊ ßËíÑÉ áÇÓÊÚÇÏÉ ÇáËÞÉ ÞÈá ÝÊÍ ãáÝÇÊ ÇáãÓÊÞÈá áÏæáÉ ÊÍÊÇÌ Åáì ÅÚÇÏÉ Êßæíä¡ ÈÚÏãÇ ÍØãÊåÇ Þ ÇáÍßã ÇáÚÓßÑí æÖíÞ ÃÝÞ ÇáÓíÇÓííä ÇáãÏäííä. æÝí ßá ÇáÃÍæÇá åí ÝÑÕÉ ááØÑÝíä ááæÕæá Åáì ÏæáÉ ãÏäíÉ ÓæÏÇäíÉ ÊÍÊÑã ÇáÍÑíÇÊ æÊÍÝÙ ÇáÃãä áÔÚÈåÇ æáÏæá ÇáÌæÇÑ¡ ãä ØÑíÞ ÇáÌíÔ æÇáÞæì ÇáãÓáÍÉ ÇáÔÑÚíÉ ÇáÊí ÊäÝøÐ ÇáÞÇäæä æáÇ ÊÊÎØøÇå ãåãÇ ÈáÛÊ ÓØæÉ ÓáÇÍåÇ.
    æáÚá ÚäÕÑ ÇáÖÛØ ÇáÃÓÇÓí ÇáÐí íÏÝÚ ÇáãÏäííä æÇáÚÓßÑííä Åáì ÇÊÝÇÞ Úáì ÅÏÇÑÉ ÇáãÑÍáÉ ÇáÇäÊÞÇáíÉ åæ ÇáÔÈÇÈ ÇáÓæÏÇäí¡ ÇáÐí íÑÇÈØ Ýí ÇáÓÇÍÇÊ ÏÇÚíÇð Åáì ÊÎØí ÝÔá ÊÌÑÈÊóí ÇáãÏäííä æÇáÚÓßÑ¡ äÍæ ÏæáÉ ÞÇäæä ãÏäíÉ ÊÚÊÑÝ ÈÇáÊäæøõÚ æÊäåÖ ÈÇáÅäãÇÁ æÊÚí ãÕÇáÍ ÇáÌæÇÑ ÇáÌÛÑÇÝí¡ Ðáß Ãä Íßã ÈáÏ Ûäí ÈÇáÈÔÑ æÇáËÑæÇÊ íÍÊÇÌ Åáì ÃÝÞ æÇÓÚ íÊÌÇæÒ ÓØæÉ ÇáÓáÇÍ æãÒÇÌ ÇáÓíÇÓííä ÇáãÍÊÑÝíä.
  • رحيل «ماي».. ليس حلاً

              آن أبلباوم
    هكذا بكل بساطة استقالت «تيريزا ماي»، رئيسة الوزراء البريطانية الأقل نجاحاً في الذاكرة الحية، بعد كثير من الألم، وكثير من المؤامرات وكثير من الخطط السرية الفاشلة للإطاحة بها منذ أشهر طويلة. وعقب الانتخابات البرلمانية الأوروبية التي شهدت تراجع حزب «المحافظين» الذي تتزعمه «ماي» إلى مستويات تاريخية، انتهى دورها أخيراً. ومن الغريب أنها ترغب في البقاء حتى يمكنها استضافة الرئيس دونالد ترامب في بداية يونيو المقبل، ومبررها وراء ذلك، كما في كثير من الأمور الأخرى، غامض، لكنها سترحل بعد ذلك. 
    وقد بدأ السباق من أجل خلافتها بالفعل. وتستقطب الحملة الانتخابية لوزير الخارجية السابق «بوريس جونسون» موظفين منذ بضعة أسابيع. وبدأ المرشح الآخر «دومينيك راب» حملته، من بين أكثر من 12 مرشحاً آخرين على الأقل. وظهر عدد من الوزراء في حكومة «ماي» في برامج تلفزيونية. ورغم ذلك، فهي حملة انتخابية غريبة، ذلك أن الأشخاص الذين سيتعين عليهم التصويت في هذه الانتخابات هم الأعضاء الذين يحصلون على رواتب من حزب «المحافظين»، وعددهم 124 ألف شخص. وبحسب القواعد، سيختارون من بين اثنين يرشحهم «الأعضاء المحافظين» في البرلمان البريطاني. وستقرر هذه المجموعة الصغيرة من الناس من سيحكم البلاد. وهل سيكون مؤيداً للخروج الصعب من الاتحاد الأوروبي الذي سيقطع جميع العلاقات التجارية للمملكة المتحدة بالاتحاد الأوروبي بين عشية وضحاها؟ أم سيكون من مؤيدي البقاء في التكتل؟ أم سيسعى لحل وسط بين الأمرين؟ 
    ورغم أن ذلك يبدو اختياراً كبيراً لمنحه لعدد صغير من الناس، فالواقع يبدو أكثر بساطة. والحقيقة، أيّاً كان من سيخلف «ماي»، فإنه سيواجه الاختيارات والمآزق ذاتها التي واجهتها بكل صعوباتها. وأي رئيس وزراء يُقرر الخروج من الاتحاد الأوروبي دون اتفاقٍ يوم الاثنين سيستيقظ يوم الثلاثاء ليكتشف أن أولى أولوياته المباشرة هي صياغة معاهدة جديدة مع الاتحاد. وأي رئيس وزراء يرغب في التوصل إلى تسوية منطقية سيكتشف أنه ليست هناك أغلبية كافية لتأييد هذه التسوية، منطقية كانت أم غير منطقية، في مجلس العموم الحالي. وأي رئيس وزراء يرغب في البقاء داخل التكتل الأوروبي سيواجه موجة غضب من ثلث البريطانيين الذين صوتوا لصالح «حزب بريكست» المؤسَّس حديثاً. 
    ولا تزال كل القيود قائمة، ولا تزال كل الألغاز دون حل، ولا يزال الوضع أن المملكة المتحدة لا تستطيع الخروج من اتحاد الجمركي الأوروبي والإبقاء على حدودها مفتوحة بين أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا. كما لا يوجد اتفاق للخروج من الاتحاد الأوروبي سيجعل المملكة المتحدة أغنى، وعلى وجه التحديد لن يتحقق شعار الاستفتاء على «بريكست»، الذي زعم أن بريطانيا ستوفّر 350 مليون جنيه أسترليني ترسلها إلى الاتحاد الأوروبي كل أسبوع!
    وليس مصادفة أنه لا يستطيع أي منافس على القيادة في حزب «المحافظين» تقديم خطة متماسكة، وسبب ذلك أنه لا توجد خطة. والأمران المتصوّران اللذان يمكن أن يغيرا المجريات هما: استفتاء آخر، قد يفوز فيه أنصار البقاء، ومن ثم تنفير جزء كبير من حزب المحافظين إلى الأبد، أو إجراء انتخابات عامة، سيخسر فيها حزب «المحافظين» وفقاً لأدائه الحالي. 
    وليست هناك جدوى من تمني حسن الحظ لخليفة «ماي»، لأنه ليس من المرجّح أن يساعده ذلك!
  • ديموقراطية السوشيال ميديا

              ãÍãÏ ÔÑíÝ ÃÈæ ãíÓã 
    áã ÃÞÕÏ ãä åÐÇ ÇáÚäæÇä ãÓÇÍÉ ÇáÑÃí æÇáÑÃí ÇáÂÎÑ Úáì ãæÇÞÚ ÇáÊæÇÕá ÇáÇÌÊãÇÚí¡ Èá ÃÊßáã åäÇ Úä ÊæÙíÝ åÐå ÇáãæÇÞÚ ááãÚáæãÇÊ ÇáÒÇÆÝÉ ÇáÊí ÔßáÊ ÙÇåÑÉ Ýí ÝÖÇÁ ÇáÏíãæÞÑÇØíÉ Úáì ÇáãÓÊæì ÇáÏæáí æáíÓ Úáì ÇáãÓÊæì ÇáãÍáí æÍÓÈ. ãä åäÇ ÃÊÓÇÁá ßíÝ äÍãí ÃäÝÓäÇ æÃæáÇÏäÇ æÇáÑÃí ÇáÚÇã¿ æßíÝ äÍãí ÈáÇÏäÇ ãä åÐÇ ÇáÓáÇÍ ÇáÝÊÇß ÇáÐí íåíãä Úáíå ÇáãÍÊßÑæä áÇÞÊÕÇÏ ÇáãÚÑÝÉ¿ ÈÚÏ Ãä ÃÖÍÊ ÏíãæÞÑÇØíÉ ÇáÊæÇÕá ÇáÇÌÊãÇÚí ÙÇåÑÉ ÊÚÇäí ãä ÒíÝåÇ ÔÚæÈ ãä Ïæä ÛíÑåÇ.ÇáÇÌÇÈÉ åäÇ áÇ ÊÞÊÕÑ Úáì ÇáãØÇáÈÉ ÈÊÔÑíÚ ÇáÞæÇäíä ÇáÊí ÊäÙã ÇáÚáÇÞÉ Èíä ãÓÊÎÏãí åÐå ÇáãæÇÞÚ ÈãÇ íÖãä ÍÞæÞ ÇáäÔÑ æÇáÊæÇÕá ÇáÇÌÊãÇÚí Èßá ÍÑíÉ¡ æÈãÇ íÍÏ ãä ÊæÙíÝ ãÓÇÍÉ ÇáÇäÝáÇÊ Ýí ÊãÑíÑ ÇáãÚáæãÇÊ ÇáÒÇÆÝÉ æÍÓÈ¡ Èá íäÈÛí Ãä ÊãÊÏ Çáì ÊÌÑíã ÇáãÍÊæì ÇáßÇÐÈ Úáì åÐå ÇáãæÇÞÚ¡ æÇáÒÇã ÇáÌåÇÊ ÐÇÊ ÇáÚáÇÞÉ ÈÇáÇÚáÇã æÇáÇÊÕÇáÇÊ ÈÇÓÊÍÏÇË ÕÝÍÇÊ áÊÕÍíÍ ÇáÃÎÈÇÑ æÇáÃÞÇæíá æÇáãÚáæãÇÊ ÛíÑ ÇáÍÞíÞíÉ ÐÇÊ ÇáÊÃËíÑ Ýí ÇáÑÃí ÇáÚÇã¡ æãØÇÑÏÉ ÇáãÑæÌíä áåÇ æãä íÞæã ÈÊßÑÇÑ äÔÑåÇ¡ ÈÌÇäÈ ÇáÒÇã æÓÇÆá ÇáÅÚáÇã ÇáÑÆíÓÉ ÈÇáÊÔÑíÚÇÊ æÇáÞæÇäíä æÇáÃÎáÇÞíÇÊ ÇáÊí ÊÌÚá ãäåÇ æÓÇÆá ÞÇÈáÉ ááÊÕÏíÞ ÃßËÑ ãä ãäト Úáì ÇáÝíÓÈæß Ãæ ÊæíÊÑ Ãæ ÇáÇäÓÊßÑÇã æÓæÇåÇ. æÅä ÇÎÊÑäÇ Ãä äßæä ÇíÌÇÈííä Ýí ÕäÇÚÉ ãÓÊÞÈá ãÍÕä ãä ÇáÎæÝ æÇáÓáÈíÉ æãä ÇÎÊÑÇÞÇÊ ÇáãÍÊßÑíä áÃÏæÇÊ ÇáÚæáãÉ ÇáËÞÇÝíÉ¡ ÚáíäÇ ÈÎáÞ ãÓÇÍÉ ÏíãæÞÑÇØíÉ Úáì åÐå ÇáÕÝÍÇÊ áãÓÇÁáÉ ÇáãÊÕÏíä ááãÓÄæáíÉ æÇáÐíä Êã ÇäÊÎÇÈåã¡ ÈåÏÝ ÇÚÇÏÉ ËÞÉ ÇáÌãåæÑ ÈÇáÚãáíÉ ÇáÏíãæÞÑÇØíÉ æÈåíÈÉ ÇáÏæáÉ¡ æÈÇáÊÇáí æÖÚ ÍÏ áÙæÇåÑ ÚÏã ÇáËÞÉ æÇáãÎÇæÝ ÇáäÇÌãÉ Úä ÇáÇäÍíÇÒ ááÓáÈíÉ æÇáÊåÑíÌ Ýí ãÚÇáÌÉ ÇáÙæÇåÑ ÇáÓíÇÓíÉ æÇáãÌÊãÚíÉ ÚÈÑ ÝÊÍ ÃÈæÇÈ ÇáäÞÇÔÇÊ ááÔÈÇÈ æÇáÝÆÇÊ ÇáÚãÑíÉ ÇáÃßËÑ ÇÓÊÎÏÇãÇ áåÐå ÇáãæÇÞÚ æÇáÇäÝÊÇÍ Úáì ãÇ íÝßÑæä Èå æíÊßáãæä ÈÔÃäå ÈÍßãÉ æãæÖæÚíÉ æÈÇáÊÇáí ÇáÏÝÇÚ æÈÌÏíÉ Úä ÍÞæÞ åÐå ÇáÝÆÇÊ.Çä ÇáÊÍÏí ÇáÞÇÏã Ýí Ùá åíãäÉ ÃÏæÇÊ ÇáÚæáãÉ Úáì ÃäãÇØ ÇáÓáæß æÇáËÞÇÝÇÊ ÇáÚÇáãíÉ¡ íÊÌáì Ýí ÏíãæÞÑÇØíÉ ãæÇÞÚ ÇáÊæÇÕá ÇáÇÌÊãÇÚí ÇáÊí ÊÊÍßã ÈåÇ ÇáÊíÇÑÇÊ ÇáÏÇÚíÉ áãÒíÏ ãä ÍÑíÉ ÓáØÉ ÇáãÇá ÈÏÝÚ ãä ÑÓÇãíá ÇáÚæáãÉ ÇáÊí ÊÏíÑåÇ æÊÍÑßåÇ ÊíÇÑÇÊ ÇááíÈÑÇáíÉ ÇáÌÏíÏÉ ÇáÊí ÕäÚåÇ Çáíãíä ÇáãÊØÑÝ æÇáÍÑßÇÊ ÇáÔÚÈæíÉ ÇáãÄãäÉ ÈÇÚÇÏÉ ÇäÊÇÌ ÇáÚÈæÏíÉ ÈÔßá ÍÏÇËí ÚÈÑ ÊÏÌíä ÇáæÚí æÇÏÇÑÉ ÇáÊÔßíáÇÊ ÇáãÌÊãÚíÉ Úä ÈÚÏ Úáì æÝÞ ÇáãÞÇÓÇÊ ÇááíÈÑÇáíÉ ÇáÌÏíÏÉ ÇáÊí ÊãåÏ áÙåæÑ ÏæáÉ ÑÃÓ ÇáãÇá ÇáÚÇÈÑÉ Úáì ÓíÇÏÉ ÇáÔÚæÈ ÇÚÊãÇÏÇ Úáì ÇáãÄËÑÇÊ ÇáÓãÚíÉ æÇáÈÕÑíÉ æÏÛÏÛÉ ÇáÃäãÇØ ÇáÇÓÊåáÇßíÉ. æåÐå áíÓÊ äÝÍÇÊ ãä ÊåãÉ äÙÑíÉ ÇáãÄÇãÑÉ ÇáÊí íÌÊÑåÇ “ÇáÚÞá ÇáãÊËÞÝ” ÈäÕÝ Ýã¡ Èá åí æÇÞÚ íÊÍÑß ÈãæÌÈå ÇáÚÇáã Çáíæã¡ æãÇ ááÏæá æÇáãÌÊãÚÇÊ ÇáÇ ÇáãÒíÏ ãä ãÚÇííÑ ÇáãÓÄæáíÉ æ ÇáãÓÇÁáÉ æÇáÇÝÕÇÍ æÇáÔÝÇÝíÉ æÇáÚÏÇáÉ¡ ÈæÕÝåÇ ÚÞÇÞíÑ ÇáÍÕÇäÉ ÇáÊí ÃäåÊ Çáì ÛíÑ ÑÌÚÉ ÓíÇÓÇÊ ÇáÛÑÝ ÇáãÙáãÉ.
  • أوربا.. وصعود الشعبوية

              روميش راتنسار
    قبل عامين ونصف، كان قليل من المواطنين الإسبان قد سمعوا عن حزب «فوكس» اليميني المتطرف، ناهيك عن أن يخططوا للتصويت له. والحزب الذي شارك في تأسيسه «سانتياغو أباسكال» السياسي المنتمي إلى إقليم الباسك، دفع بعشرة مرشحين في الانتخابات البرلمانية الإقليمية، لكنه أخفق في الفوز بأي مقعد منها. وفي الانتخابات العامة التي أجريت عام 2016، لم يحصل الحزب سوى على أقل من ربع في المئة من الأصوات التي زادت على 23 مليون صوت. وظل الحزب خارج الحكومة الإسبانية تماماً. 
    لكن الأمر لم يعد كذلك بعد الآن. ففي الانتخابات التي أجريت في ديسمبر الماضي في «أندلوسيا»، وهي أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان في إسبانيا، فاز «فوكس» ب11 في المئة من الأصوات، وساعد في إقصاء الحزب الاشتراكي من السلطة بعد 36 عاماً في الحكم. وأضحى الآن خامس أكثر الأحزاب شعبية في الدولة. (على رغم من أنه في عام 2016 لم يكن حتى من بين الـ12 حزباً الأكثر شعبية). وفي الانتخابات الوطنية الشهر الماضي، حقق «فوكس» نتيجة أقل مما توقع، لكنه رغم ذلك فاز بنسبة 10.3 في المئة من التصويت الشعبي و24 مقعداً في البرلمان. وهو واحد من بين عدد من الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا التي تتجه إلى الانضمام إلى البرلمان الأوروبي للمرة الأولى.
    وإسبانيا، التي كانت تشهد حتى وقت قريب نمواً اقتصادياً قوياً إلى جانب تعدد الثقافات، بدت محصّنة من وباء اليمين المتطرف الذي ينتشر في أجزاء أخرى من أوروبا، لكنها على رغم من ذلك، استقبلت في عام 2018 مهاجرين أكثر من أية دولة أوروبية أخرى، ومعظمهم عبروا من المغرب إلى أندلوسيا، وهو ما يُفسّر صعود حزب «فوكس»، إلا أن أجندة الحزب تتجاوز الهجرة. فهي تندد بالانفصال الكتالوني بقدر ما تندد بالأجانب. ويدافع قادة الحزب عن امتلاك الأسلحة ومصارعة الثيران ويدعون إلى فرض إسبانيا سيادتها على جبل طارق. وقد استفاد الحزب من الغضب الشعبي من فضائح الفساد التي تورّط فيها سياسيون من الأحزاب التقليدية. 
    ويُسلّط صعود «فوكس» الضوء على انتشار وقدرة الشعبوية الأوروبية على التأثير، حتى في دول لطالما كانت منيعة. ويُظهر أن جاذبية الأحزاب اليمينية لا ترتبط فقط بالتشكيك في أوروبا أو تقييد الهجرة. فكثيراً ما ينجذب الناخبون إلى البدائل الشعبوية لأسباب خاصة لها علاقة بشكاوى محلية أكثر من الاتجاهات العالمية. 
    وبدرجة ما، قد دفعت الطبيعة المتباينة للشعبوية بعض القادة السياسيين الموالين لأوروبا إلى سوء تقدير خطر التحدي، وهذا أيضاً السبب في أنه لا يزال من الصعب محاولة وضع حلول لمواجهة الشعبوية. 
    ويتقاسم الشعبويون الأوروبيون بعض الأهداف المشتركة. ومثل الرئيس دونالد ترامب والرئيس البرازيلي «جاير بولسونارو»، يهدفون إلى قلب النظام السياسي رأساً على عقب، وإغضاب النخب، والدفاع عن الثقافة التقليدية من التهديدات الخارجية المتصوّرة. لكن الشعبوية بعيدة عن أن تكون نهجاً واحداً. فالشعبويون من اليمين المتطرف مثل «فوكس» و«حزب البديل من أجل ألمانيا» يؤيدون تخفيضات ضريبية كبيرة وتقليص في الإنفاق العام، بينما تفضل الأحزاب المناهضة للنخب والتي وصلت بالفعل إلى السلطة، مثل حركة خمس نجوم في إيطاليا و«بوميدوس» في إسبانيا، سياسات اقتصادية تعتمد على إعادة توزيع الدخل، مع دور موسّع للدولة. 
    وثمة اختلافات بين الشعبويين حول كيفية التعامل مع التغير المناخي وزواج المثليين. وبعضهم يؤيد صراحة روسيا فلاديمير بوتين، مثل وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني، والرئيس المجري فيكتور أوربان، بينما يدعو آخرون إلى المواجهة مثل حزب القانون والعدالة في بولندا. ويختلف الشعبويون أيضاً حول قضيتهم المحورية المتمثلة في الهجرة، والطريقة المثلى للتعامل مع المهاجرين من أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط. فقد دعت الحكومة الإيطالية إلى توزيع القادمين الجدد بين دول التكتل الأوروبي، بدلاً من استيعابهم في الدولة التي دخلوها، وهي فكرة تعارضها المجر وبولندا معارضة شديدة. 
    وعلى النقيض من الأحزاب السياسية التقليدية المنتمية إلى يسار الوسط أو يمين الوسط في أوروبا، والتي توجد لديها روابط تاريخية بمؤسسات مثل الاتحادات التجارية والكنائس، تفتقر الأحزاب الشعبوية إلى دوائر انتخابية محددة. وقد أظهرت دراسة أجريت عام 2011 في 11 دولة بغرب أوروبا أن مؤيدي الأحزاب الشعبوية الأوروبية ليست لديهم قواسم مشتركة مع بعضهم البعض على الصعيدين الديموغرافي والأيديولوجي.  ومنذ عام 2000، تضاعف عدد الشعبويين في الوزارات الأوروبية، ليصل إلى 15 في المئة على الأقل، ومن المرجح أن تنمو صفوفهم. وأوضح تحليل لنتائج الانتخابات في 31 دولة خلال عقدين الماضيين أن تأييد الأحزاب الشعبوية في أوروبا ارتفع من 7? في عام 1998 إلى نحو 25? في الوقت الراهن. 
    وبينما يكتسب الشعبويون زخماً في الانتخابات الوطنية، يحاولون جمع الصفوف عبر الحدود. فقد غازل وزير الداخلية ونائب رئيس الوزراء القومي في إيطالي «ماتيو سالفيني» الرئيس المجري، وشكّل تحالفاً مع حزب القانون والعدالة البولندي. وأغضب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعقد اجتماع مع قادة حركة السترات الصفراء، الذين يواصلون الخروج في احتجاجات عنيفة ضد ماكرون. 
    وإلى جانب أحزاب يمينية متطرفة من ألمانيا والدانمارك وفنلندا، أطلق «سالفيني» ائتلافاً على مستوى القارة أطلق عليه اسم «التحالف الأوروبي من أجل الشعوب والأمم». وانضم التجمع القومي في فرنسا بقيادة «مارين لوبن» إلى تحالف سالفيني، وكذلك أحزاب قومية صغيرة في جنوب ووسط أوروبا. وهدفهم هو تحفيز الناخبين المشككين في أوروبا قبيل انتخابات البرلمان الأوروبي المزمع عقدها هذا الأسبوع، وتشكيل جبهة قومية موحدة للمرة الأولى في البرلمان المكون من 751 عضواً.  ويشي ذلك بأن المشهد السياسي الأوروبي سيزداد اضطراباً على الأرجح. وليس من المعروف إلى متى سيستمر هذا الاضطراب، لكن المؤكد أن الشعبوية لن تضع نهاية للاتحاد الأوروبي، وإنما نهاية للاتحاد الأوروبي كما نعرفه!
  • التعديلات الدستورية التي نحتاجها

              زهير كاظم عبود 
    لم يكن السيد رئيس الوزراء عادل عبد المهدي وحده من يجد أن الدستور الحالي بحاجة إلى تعديلات، كانت قبله العديد من المطالبات القانونية والأصوات الشعبية والكتابات الرصينة التي تدعو الى تعديل الدستور العراقي، والدستور كما نعرف  وبمقتضى نص المادة (13) منه، فإنه يعد القانون الأسمى والأعلى في العراق، ويكون ملزماً في أنحاء العراق كافة وبدون استثناء، وهو القاعدة الأساسية التي تستند إليها القوانين، ويرسم  شكل نظام الحكم، وينظم العلاقة بين هيئات السلطات المختلفة وفقاً لمبدأ المشروعية، وينص على المبادئ الأساسية للحقوق والواجبات، ويعد باطلاً كل قانون يتعارض مع نصوصه. 
    والدساتير في العالم أنواع منها الدستور المرن والدستور الجامد، وصفة المرونة والجمود لا تتعلق بالتخلف والتطور، إنما تتعلق بنوع الإجراءات المتبعة في عملية التغيير، فالدستور المرن منها يعني أن من الممكن إجراء التعديلات الدستورية عن طريق الهيئة التشريعية في البلاد (مجلس النواب مباشرة)، أما الدستور الجامد فوضع آلية وإجراءات محددة ومقيدة في عملية تغيير او تعديل النصوص الدستورية. والدستور العراقي وفقاً لما وضع من آليات نصت عليها المادة (142) منه يعتبر من الدساتير الجامدة التي تتطلب إتباع إجراءات صعبة في سبيل تعديل الدستور.
    ومع إن الفقرة أولاً، من المادة المذكورة ألزمت مجلس النواب (في بداية عمله)، تشكيل لجنة من بين أعضائه ممثلة للمكونات الرئيسة للمجتمع العراقي، (ويقصد بعبارة المكونات الرئيسة في المجتمع العراقي العرب والكورد والتركمان) وهي عبارة تبعث على القلق لبقية المكونات الأخرى، مهمة هذه اللجنة تقديم تقرير الى مجلس النواب يتضمن مراجعة نصوص الدستور، واقتراح التعديل الضروري لبعض المواد إن كانت هناك حاجة للتعديلات التي يمكن إجراؤها، وفي حال تقديم اللجنة مقترحاتها إلى المجلس يتم عرضها للتصويت ( دفعة واحدة )، وتعد مقرة بموافقة الأغلبية المطلقة لعدد أعضاء المجلس، وللأسف لم يتم تنفيذ الفقرة المذكورة حتى اليوم. 
    التقييد الوارد في الدستور لا يعطي الحق لمجلس النواب إجراء أي تعديل، وإنما نصّت الفقرة ثالثاً من المادة المذكورة على أن تطرح المواد المعدلة من قبل مجلس النواب على الشعب للاستفتاء عليها خلال مدة (شهرين) من تاريخ إقرار المجلس عليها بالأغلبية المطلقة، والاستفتاء المقرر اجراؤه على المواد المعدلة والمقترحة يعد ناجحاً ونافذاً في حال حصوله على أغلبية المصوتين (أكثر من نصف عدد المصوتين)، وإذا لم يرفضه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات أو أكثر .
    ومع إن الدستور العراقي كان قد منح حق اقتراح تعديله في الفقرة أولا من المادة 126 لرئيس الجمهورية ومجلس الوزراء (مجتمعين)، او لخمس أعضاء مجلس النواب، إلا أن الفقرة خامسا من المادة 142 من الدستور استثنت ما ورد بإحكام المادة 126 المتعلقة بتعديل الدستور الى حين الانتهاء من البت في التعديلات المنصوص عليها في المادة 142 . 
    والحاجة الى التعديل بسبب أن العديد من نصوص الدستور لا تنسجم مع مبدأ المساواة والمواطنة، والديباجة لا تمنح الحقوق ولا ترسم الواجبات، والفقرة رابعا من المادة 18 التي وردت فيها عبارة المنصب السيادي والمنصب الامني الرفيع  لم يحدد الدستور معانيها بدقة ليتخلى من حصل على جنسية غير عراقية مكتسبة.
     بعض النصوص  التي نص عليها  الدستور إجرائية وردت في قوانين أصول المحاكمات الجزائية النافذ، العطلات والمناسبات الدينية لم تعد تنسجم مع قانون العطلات الرسمي وصار لكل إقليم ومحافظة قانونهم الخاص، الفقرة رابعا من المادة (49) المتعلقة بتحقيق نسبة تمثيل للنساء لاتقل عن الربع من عدد أعضاء مجلس النواب تتناقض مع نص المادة 14 حول المساواة أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس، اختصاصات أعضاء مجلس النواب المنصوص عليها في المادة 61 تتناقض مع  إنشاء مكاتب تنفيذية لأعضاء مجلس النواب وزيارات يقوم بها عدد من الأعضاء لدوائر السلطة التنفيذية،  ولا تمنح العضو حق محاسبة وتفتيش الدوائر الخدمية والتنفيذية فرديا، حيث أن دور المجلس بمقتضى المادة 61 / ثانيا رقابي على السلطة التنفيذية، تعطيل مجلس الاتحاد (المادة 65) من الدستور حيث تجاوزت المدة التي حددتها (المادة 137) دون تبرير تشريعي أو قانوني، رفع كل نص يشير إلى مجلس الرئاسة بعد انتهاء مرحلته، تعطيل إصدار قانون المحكمة الاتحادية العليا وهي جزء مهم من الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة، ضمن أحكام الفصل الثالث (السلطة القضائية) ورد نص المادة ( 101) الذي يقضي بجواز إنشاء مجلس دولة يختص بوظائف القضاء الإداري والإفتاء والصياغة القانونية وتمثيل الدولة، إلا أن مجلس الدولة الحالي الذي قام على أنقاض مجلس شورى الدولة هو جزء من السلطة التنفيذية ويتبع وزير العدل وأن تم فصله عنها مؤخرا ولا علاقة له مطلقا بالسلطة القضائية ويعد تجاوزا على استقلالية السلطة القضائية، والقانون الذي ينظم عمله لا يسر النفس ولا يفيد الحال إزاء حاجتنا الماسة لمراجع قانونية مهمتها الإفتاء  والتفسير.
    تعطيل إصدار قانون الخدمة الاتحادية (المادة 107)، المادة (115) تمنح الحق للأقاليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم كل مالم ينص عليه ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطة الاتحادية، وهو غير منطقي إذ أن المقبول هو أن يكون العكس فكل مالم يرد حصريا في اختصاصات الإقليم والمحافظات يكون من اختصاص السلطة الاتحادية، رفع النصوص الدستورية الخاصة بالمحكمة الجنائية العراقية العليا (134) بعد إلحاقها بمجلس القضاء الأعلى، وبهيئة دعاوى الملكية (136) بعد أن أصبحت محاكم البداءة تنظر بالدعاوى المدنية وفق الإلية القانونية المعتمدة، وأخيرا نص المادة (140) حول قضية كركوك التي لم تحل رغم تكرار دورات مجلس النواب، وبالرغم من إشارة النص إلى إلزام السلطة التنفيذية استكمال متطلبات تنفيذ التطبيع والاحصاء والاستفتاء بعد أن تم تجاوز المدة المنصوص عليها دستوريا. 
    وبعد مضي كل هذه الفترة التي صدر بها الدستور في ظل ظروف صعبة ومعقدة، وبالرغم من الحاجة الملحة لتعديل الدستور وصياغته قانونيا ولغويا بأشراف وتعاون من المختصين الحريصين على مستقبل شعبهم، وبالرغم من أن الدستور نفسه يشير الى ضرورة تعديله بالشكل الذي رسمته المادة 142، فأن أمامنا مواجهة كل المصاعب والمصائب التي مرت بها جميع مكونات العراق، وما أفرزته الظروف التي نضجت ضمن مسيرة السنوات اللاحقة لصدور الدستور حتى يمكن أن نتوجه حقا لبناء معالم الدولة المدنية، الدولة التي تضع الحقوق والحريات الأساسية للإنسان قبل القومية والدين والمذهب، وان يكون فيها العراقي يتساوى مع غيره أمام القانون مهما كان جنسه اودينه أو مذهبه أو قوميته أو عرقه أو أصله أو لونه أو معتقده أو رأيه أو وضعه الاقتصادي، وان يكون له الحق في الحياة والأمن والحرية والكرامة، وان تضمن نصوص الدستور والقوانين حرية الرأي والعقيدة، فهل نحن متضامنون بالاستفادة من مرحلة زمنية سابقة ليكون لنا دستور يليق بالعراق بعد حقبة الدكتاتورية والحروب العبثية؟