ما هي رؤية الولايات المتحدة الأميركية لمستقبل العالم ومتغيراته المتوقعة وغير المتوقعة..؟! وما هي وسائل واليات استهداف تلك المتغيرات.. والتحالفات الدولية…؟!
لقد توسع مفهوم الإستراتيجية عبر التاريخ.. فدخل في استخدامات وتعاريف ومفاهيم تنوعت وتعددت مع مرور الوقت وحسب تنوع وتعدد الأغراض والوظائف التي احتاجها الإنسان فيه، حتى بات مفهومها الان يتجاوز قضية ادارة الحروب، ليربط الابعاد السياسية والاقتصادية والنفسية والعلمية والاعلامية مع الابعاد العسكرية في ادارة السياسات الوطنية ومن خلالها إدارة عمليات الصراع الشامل المباشر وغير المباشر وتحديد استهدافاتها، وبذلك ظهر تعبير الاستراتيجية الشاملة او العليا، تعبيرا عن شمولية التوسع في المفاهيم وذلك يعني استخدام جميع مصادر القوة لدى دولة ما، او مجموعة من الدول لتحقيق اهداف معينة، حربا كان ذلك ام سلما..
ان القناعة التي انتهت إليها الولايات المتحدة الاميركية، هي ان التدخل العسكري المسلح وفق الأساليب القديمة، لم يعد لها جدوى، بل هي مكلفة، اقتصاديا وبشريا ولا تخلو من مخاطر جوهرية قد تترتب عليها نتائج مدمرة، كالحرب العالمية الثانية بالنسبة لبريطانيا التي تحولت بسببها من “متبوعة” كدولة عظمى، الى “تابعة” للولايات المتحدة الاميركية، وكاحتلال افغانستان بالنسبة لـ”الاتحاد السوفيتي” حيث واجه مصير الانحلال والتفكك، لذلك لم تجد أمامها سوى اعادة النظر فيما هي فيه خصوصا بعد ان وجدت ان الامر في تجربتي الحرب على الإرهاب وما تمخض عنهما من احتلال لافغانستان، والحرب على العراق لاسباب تتعلق بالبحث عن اسلحة الدمار الشامل !! جعلها في مكان قريب جدا من التداعي والانهيار، غير ان قراءتها للواقع الدولي ودورها في هذا الواقع يمنعها من ان تلوذ في بلادها بعيدا في الجانب الاخر من المحيط الاطلسي.. لذلك لجأت في ستراتيجيتها الجديدة الى عمليات ” ترقيع ” تكون فيها وخلالها لاعبا نشطا ومتواصلا ولكن من وراء الكواليس او تعبير ادق تتولى وظيفة ” الاخراج ” و “السيناريست” لأفلام واقعية تتراوح ما بين ” الربيع ” و “الخريف ” في عموم الكرة الأرضية.
واذا ما اردنا تناول موضوع ” موقع الشرق الاوسط في النظام العالمي في ضوء الستراتيجية الاميركية الجديدة” فاننا نصطدم بالغموض الذي يحيط بكل الجوانب المؤثرة والمتأثرة في المنطقة إقليميا وعالميا.
ان التدرج التوصيف الاميركي للدور الاميركي الجديد، يشير وبوضوح الى ما تعانيه اميركا في الوقت الحاضر من مأزمة خانقة اخذ بتلابيبها ولا يبدو ان المستقبل المنظور يحمل حلا جذريا فالتوصيف الذي اعتمده بوش الاب هو “النظام العالمي الجديد” الذي يحمل معه “التفرد” الاميركي المطلق في العالم ومنذ عام 1991 ولحد الآن، عشنا فوضى حقيقية في الدلالة التي طرحت العديد من الردائف والبدائل والمصطلحات، فقد بادر الرئيس كلينتون الى تغيير التوصيف عندما ادرك ضخامة المسؤولية التي اناطها ” التفرد ” بالولايات المتحدة الاميركية فأشرك فيها دول حلف الناتو، حيث إستراتيجية الحلف تعترف بالشراكة الاوربية ” على حساب الاتحاد الاوربي” وتتنازل اميركا عن ” التفرد ” بالالتزام بهذا الحلف وبالمقابل تعترف إستراتيجية الحلف بوجود منطقة محظورة عليها هي منطقة الشرق الأقصى لتتخطى في المقابل جغرافية الحلف فتدخل في إطار مصالحة كل من دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط واسيا الوسطى مع السعي لتوسيع الحلف كي يضم استراليا مثلا، وهذا التغيير المهم يعكس فقدان ” التفرد ” الاميركي لمعناه بشكل لا يقبل اللبس او الغموض.
على ان ذلك أيضا خضع لتغيير في التوصيف على يد اوباما الذي وجد ان لا مناص في إعادة النظر في الإستراتيجية الأميركية على نحو يجعل من الممكن التقرب من حلول ناجحة وواقعية للازمة التي تعصف بالوجود الأميركي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ويجسد الآن الموقف الاميركي حيال ما يجري في العالم نموذجا جديدا في “المرونة”.
حيث تعكس التقييمات الأميركية لمرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة، لجوء الادارة الاميركية الى تبني اسس وقواعد جديدة في تعاملها مع الواقع ومتغيراته المباشرة وغير المباشرة مستخلصة دروسا جديدة فرضت ستراتيجية مختلفة عن ستراتيجيتها السابقة التي كانت تنفذ من خلالها أهدافها البعيدة والقريبة تلك التي كانت تنهض على مبدأ، “الضربات الاستباقية ” للحركات ” الثورية ” وحركات العنف المسلح الذي حمل وضعا حديثا “الارهاب” وما سمي بـ”الدول الفاشلة” ستراتيجية تبتعد كثيرا عن مفهوم “التورط” وفق ما يراه بريجنسكي مستشار الامن القومي الاميركي الاسبق، في مغامرات حربية تكلف الولايات المتحدة الاميركية اكثر من الفائدة المتحققة على الصعيد الإستراتيجي وفي المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمن القومي، كما حصل ذلك في العديد من الممارسات الباهظة التكاليف كالحرب الفيتنامية وحروب أميركا الجنوبية والحروب الاسيوية وغيرها.. ثم الاحتلال الاميركي لافغانستان واحتلال العراق وكل ذلك اوجد تراكما كبيرا من الدروس والعبر، جعل فكرة التخلي عن ذلك النهج أمرا لا مفر منه، خصوصا بعد أن واجهت الولايات المتحدة الاميركية حالة الاختبار الصعب، بين ان تستمر على ذات الوتيرة الى يقف من الانفاق العسكري المكلف، او ان تتوقف بنسبة معينة وفق ما يتيح ذلك الوضع الاقتصادي الذي بات الان ينذر بأفدح واعنف الكوارث إذا ما استمرت عمليات الإنفاق العسكري على ما هي عليه الان، تقول صحيفة، الكرستيان سانيس مونتير ” الولايات المتحدة الاميركية لم تكن مجرد متفرج في النزاعات التي جرت او تجري في العالم او مجرد متدخل او ” حتى طرف ” لحلها، بل هي عانت وتعاني من انعكاساتها داخل الولايات المتحدة الاميركية نفسها.. ويتساءل ” هنتنغتون ” في مقالته عن كيفية مواجهة النتائج المتحققة عمليا على صعيد الوضع الداخلي من هذه السلسلة الطويلة جدا من الأزمات العالمية: ازمة ناغورني ـ كارباخ ـ اذربيجان ـ ارمينيا ـ عاصفة الصحراء، حرب البوسنة ـ الهرتزك ـ حرب كوسوفو ـ صراع القبائل الافريقية ـ العنف الجزائري ـ ازمة كشمير ـ ازمة تايوان ـ احتلال افغانستان ـ احتلال العراق ـ أزمة لبنان ـ الربيع العربي ـ أزمة إيران ـ أزمة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، الأزمة السورية، ازمة الكرد والشعوب المجاورة، الازمة الديموغرافية في روسيا ثم الأزمة المالية العالمية.. وكل ذلك يتطلب من أميركا المزيد من القوة والقدرة المفقودة !!
” نحن اقوياء بما فيه الكفاية ” هكذا يبدأ اوباما حديثه مع المجموعة من الخبراء المكلفة باعادة النظر بالإستراتيجية الاميركية على مدى العقد القادم.. واستطرد قائلا:
” في وسعنا ان لا نسمح بميزان القوى في العالم ان يختل لصالح هذه الدولة او تلك او هذا التكتل الدولي او ذاك.. نحن نستطيع البقاء اقوياء، نحافظ على قدراتنا وإمكانياتنا دون ان نتعرض لاستنزاف قد يعيد تجارب مرت علينا او على غيرنا، والسؤال الآن هو كيف نحقق ذلك؟!! اراهن على اننا نستطيع ان نحقق ما نريد من خلال السياسة الفولاذية او القوة الناعمة، دعونا نستفيد من تجربة وزيرة خارجيتنا، فهي امرأة ولكنها في ذات الوقت شخصية قوية انها فولاذ سياسي دبلوماسي”.
بدأ الترويج لهذه السياسة في الوقت التهبت فيه المنطقة العربية بمتغيرات عامة شاملة كبيرة وصفت بانها “ربيع عربي” يحل محل صيف طويل محرق، احرق كل شيء قبل أن يقيم كيانات تنهض على النار والحديد وبالاستناد على دعم وإمداد وتشجيع خارجي.. وبعيدا عن اية رغبة في التراجع او التوقف على اقل تقدير عن مواصلة الغوص أكثر فأكثر في مستنقع الاعتماد على الدعم الخارجي في غياب التواصل مع شعوبها المظلومة والاستقواء عليها بضمانات لم تتحقق بفعل تغيير الستراتيجيات في العالم وفي ضوء قاعدة: “اخلع عميلك كما تخلع نعلك”.
لقد وقفت أميركا تتفرج تارة وتحرض بالإعلام تارة اخرى.. وأقصى ما وصلت إليه، في ليبيا هو دفع الناتو ليكون بديلا عنها في دفع المناوئين للقذافي باتجاه الاطاحة بنظامه والسيطرة على ليبيا دون ان يعني ذلك انها كانت عدوة مناوئة للقذافي، فالجميع يعرف تماما ان القذافي احد عملائها غير ان التغييرات التي حصلت وتحصل لا تتعلق بكم حجم المعارضة، ولا بالاسباب التي تجعل من الشعب الليبي يحتج ويثور، بقدر ما يتعلق بخريطة المتغيرات التي صنعتها وكالة المخابرات الاميركية التي لا تستثني حلفاءها ولا خصومها، ولعل الدور الذي تضطلع به قطر والسعودية، التحريض والتمويل والقيادة والتنسيق في الربيع العربي، هو من دون ادنى شك يمثل الجواب الواضح والمحدد لاي سؤال عن هوية هذا الربيع والدوافع الكامنة فيه وخلفه.
المهم ما نحن فيه الآن، وهو التغيير النوعي الواضح في الإستراتيجية الاميركية، والمبني على استخدام القوة الناعمة، أو الدبلوماسية المدرعة أو القبضة الحديدية الى ما لا نهاية الأسماء والتوصيفات المعبرة عن رفض الولايات المتحدة الأميركية التورط في الدخول في نزاع مسلح او شن حرب على أية دولة لا تتوافق سياستها مع سياسة أميركا.
تقول كلينتون وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأميركية في اجتماع عقد في أيلول عام 2011 لوضع اللمسات الاخيرة على الإستراتيجية الاميركية الجديدة “في وسعنا الاعتماد على الشعوب في تغيير ما نريد تغييره، وما يحدث الآن في ليبيا نموذج يمكن أن يتكرر بصيع افضل بالنسبة لنا فليس ضروريا ان نزج بأي جزء مهما كان ضئيلا من قواتنا او القوات الحليفة في اي عملية تغيير تحدث مستقبلا.. علينا فقط ان ننتبه جيدا إلى ضرورة منع قوى الإرهاب الاستفادة من الذي يحصل لصالح مشروعهم الإرهابي المدمر”.
لقد خرجت الولايات المتحدة الاميركية من حربها ضد الارهاب بخسائر فادحة لحقت بقواتها أدت الى تأليب الرأي العام الداخلي ومطالبته بانهائها خصوصا وان الامريكيين لم يقتنعوا تماما بهدف الحرب الداعي الى ترويج الديمقراطية، مقابل ان يموت الاميركيون ويتراجع الاقتصاد من اجل ديمقراطية أفغانستان أو العراق، أمر لا يمكن أن يفهموه لذلك فقد كان على صناع القرار في أميركا الاتجاه نحو الابتعاد عن الشامل والكامل عن الإستراتيجية السابقة والسعي إلى عدم منح الشعوب أو الدول او الحركات في العالم فرصة محاربة ومقاتلة قواتها، بل يمكن التوجه نحو جعل أولئك الذين ليس لهم وجود تحت ظل العولمة، أن يقضى عليهم بطريقة لا تحمل الجندي الأميركي أية أعباء غير الفرحة بالنصر الكبير بالإطاحة بهم دون ان تتحمل الخزينة الأميركية أية تكاليف وحتى أولئك المتحالفين مع أميركا، لم يعد ثمة سبب يدعو اميركا لحماية أنظمتهم والدفاع عنهم بعد ان لفظتهم شعوبهم، فاذا كان غيابهم خسارة، فان وجودهم عبء ثقيل باهظ التكاليف ويحمل كاهل دافع الضريبة الأميركي خسائر باهظة ومؤذية، وهي أصلا لا ضرورة مبدئية او فكرية او عقائدية طالما ان البديل اكثر قدرة واكثر استعدادا للتعاون ومقبول جماهيريا باعتباره وصل الى ما وصل إليه بفعل “الربيع العربي”.
ولكن ما هي مقومات هذه الإستراتيجية الجديدة…؟
البديل الإستراتيجي الذي تتبناه الولايات المتحدة الأميركية، هو شن حروب، من نوع جديد، حرب تعتمد على استخدام القوة الناعمة، وقد قررت أميركا إدخال هذا النوع من الحروب، ميدان التطبيق الفعلي منذ ان قررت الانسحاب من العراق اولا ثم من أفغانستان ثانيا لتسدل الستار على مرحلة انتهت عمليا ونظريا، وكانت بداية الحرب الناعمة مع سوريا وايران وعراق المستقبل، واللاعبون من غير الدول وهما: حزب الله وحماس والمنظمات الأخرى في العالم.
تعتمد الحرب الناعمة او السياسة الفولاذية او دبلوماسية القبضة الحديدية على جملة عناصر مهمة منها: الاقتصاد والمال والإعلام والاستخبارات والحرب السرية التي تنهض على الاستخدام المبرمج للكومبيوترات والانترنيت والمعلومات الرقمية وغير ذلك، دفع الحلفاء وهيئة الامم المتحدة للاشتراك فيها وخصوصا في مجال فرض العقوبات والحصار الاقتصادي والعزل السياسي وادخال المنظمات الدولية في مجال القضاء وحقوق الانسان. باختصار شديد، حشد كل الممكنات وعناصر القوة المتاحة لالحاق الضرر الفادح المؤدي الى فرض الاستسلام المباشر او غير المباشر على ” العدو ” وتجريده او تقييد حركته في مجال مجابهة او مواجهة الشعب الذي سيلقى كل الدعم والتأييد والمناصرة من الخارج وفضح إجراءات حكومته وعملياتها الانتقامية، هذا النمط من الحروب، منطبق الآن عمليا وفعليا، حيث تخوض أميركا بكل إمكانياتها المادية والسياسية والإعلامية حربا ضروسا ضد سوريا وايران ولكن بطريقة جديدة مبتكرة اهم ما فيها التهديدات والمناورات وأشياء أخر.
ان مجموع ما قالته الولايات المتحدة الاميركية وحلفاؤها في الحرب الناعمة على ايران وسوريا خلال عام واحد، يعادل ما قالته اميركا وحلفاؤها على دول المحور قبل وخلال وبعد الحرب العالمية الثانية وما قالته على الاتحاد السوفيتي ودول حلف وارشو خلال خمس سنوات، فهناك الان اكثر من مئتي فضائية واذاعة وموقع منتشرة في عموم الكرة الارضية بالإضافة الى مئات الدوريات والصحف والمجلات ومراكز البحث العلمي وغيرها تواصل على مدار الساعة تطويق المتلقي بآلاف الاخبار المصنعة جيدا والتحليلات والمناقشات والدراسات والمتابعات مع مئات الصور ورسوم الكاريكاتير في أضخم عملية إعلامية يراد منها تطويق نظامي في طهران ودمشق وغلق اية منافذ يمكن استخدامها للخروج او التحرك المرن او حشد الامكانيات والطاقات المتوفرة للدفاع عن النفس او تحريض الآخر للمعاونة، ويتابع الناس في كل انحاء العالم، كيف ان الاوضاع في هذين البلدين تسير باتجاه الضعف والهزال.. ومن الغريب حقا.. ان يتحدث الستراتيجيون في العالم عن عناصر قوة بلد صغير وقد يرى في الخارطة السياسية والبشرية والطبيعية ليس على مستوى العالم بل على مستوى الشرق الاوسط، فيضعون “الجزيرة” قبل المال كعنصري قوة لـ”دويلة قطر”، ترى أيدرك البعض عندنا هذه الحقيقة المرعبة.. ليعطوا الاعلام في بلادنا ما يستحق من الاهتمام والعناية.. ؟! انه مجرد سؤال !!