التصنيف: تسالي

  • أميركا وأزمات الشرق الأوسط.. من يغذي من؟! .. تغيير جوهري في الإستراتيجية الأمريكية.. حين تتغير اللعبة لترسيخ قبضة القوة !!

    ما هي رؤية الولايات المتحدة الأميركية لمستقبل العالم ومتغيراته المتوقعة وغير المتوقعة..؟! وما هي وسائل واليات استهداف تلك المتغيرات.. والتحالفات الدولية…؟!

    لقد توسع مفهوم الإستراتيجية عبر التاريخ.. فدخل في استخدامات وتعاريف ومفاهيم تنوعت وتعددت مع مرور الوقت وحسب تنوع وتعدد الأغراض والوظائف التي احتاجها الإنسان فيه، حتى بات مفهومها الان يتجاوز قضية ادارة الحروب، ليربط الابعاد السياسية والاقتصادية والنفسية والعلمية والاعلامية مع الابعاد العسكرية في ادارة السياسات الوطنية ومن خلالها إدارة عمليات الصراع الشامل المباشر وغير المباشر وتحديد استهدافاتها، وبذلك ظهر تعبير الاستراتيجية الشاملة او العليا، تعبيرا عن شمولية التوسع في المفاهيم وذلك يعني استخدام جميع مصادر القوة لدى دولة ما، او مجموعة من الدول لتحقيق اهداف معينة، حربا كان ذلك ام سلما..

    ان القناعة التي انتهت إليها الولايات المتحدة الاميركية، هي ان التدخل العسكري المسلح وفق الأساليب القديمة، لم يعد لها جدوى، بل هي مكلفة، اقتصاديا وبشريا ولا تخلو من مخاطر جوهرية قد تترتب عليها نتائج مدمرة، كالحرب العالمية الثانية بالنسبة لبريطانيا التي تحولت بسببها من “متبوعة” كدولة عظمى، الى “تابعة” للولايات المتحدة الاميركية، وكاحتلال افغانستان بالنسبة لـ”الاتحاد السوفيتي” حيث واجه مصير الانحلال والتفكك، لذلك لم تجد أمامها سوى اعادة النظر فيما هي فيه خصوصا بعد ان وجدت ان الامر في تجربتي الحرب على الإرهاب وما تمخض عنهما من احتلال لافغانستان، والحرب على العراق لاسباب تتعلق بالبحث عن اسلحة الدمار الشامل !! جعلها في مكان قريب جدا من التداعي والانهيار، غير ان قراءتها للواقع الدولي ودورها في هذا الواقع يمنعها من ان تلوذ في بلادها بعيدا في الجانب الاخر من المحيط الاطلسي.. لذلك لجأت في ستراتيجيتها الجديدة الى عمليات ” ترقيع ” تكون فيها وخلالها لاعبا نشطا ومتواصلا ولكن من وراء الكواليس او تعبير ادق تتولى وظيفة ” الاخراج ” و “السيناريست” لأفلام واقعية تتراوح ما بين ” الربيع ” و “الخريف ” في عموم الكرة الأرضية.

    واذا ما اردنا تناول موضوع ” موقع الشرق الاوسط في النظام العالمي في ضوء الستراتيجية الاميركية الجديدة” فاننا نصطدم بالغموض الذي يحيط بكل الجوانب المؤثرة والمتأثرة في المنطقة إقليميا وعالميا.

    ان التدرج التوصيف الاميركي للدور الاميركي الجديد، يشير وبوضوح الى ما تعانيه اميركا في الوقت الحاضر من مأزمة خانقة اخذ بتلابيبها ولا يبدو ان المستقبل المنظور يحمل حلا جذريا فالتوصيف الذي اعتمده بوش الاب هو “النظام العالمي الجديد” الذي يحمل معه “التفرد” الاميركي المطلق في العالم ومنذ عام 1991 ولحد الآن، عشنا فوضى حقيقية في الدلالة التي طرحت العديد من الردائف والبدائل والمصطلحات، فقد بادر الرئيس كلينتون الى تغيير التوصيف عندما ادرك ضخامة المسؤولية التي اناطها ” التفرد ” بالولايات المتحدة الاميركية فأشرك فيها دول حلف الناتو، حيث إستراتيجية الحلف تعترف بالشراكة الاوربية ” على حساب الاتحاد الاوربي” وتتنازل اميركا عن ” التفرد ” بالالتزام بهذا الحلف وبالمقابل تعترف إستراتيجية الحلف بوجود منطقة محظورة عليها هي منطقة الشرق الأقصى لتتخطى في المقابل جغرافية الحلف فتدخل في إطار مصالحة كل من دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط واسيا الوسطى مع السعي لتوسيع الحلف كي يضم استراليا مثلا، وهذا التغيير المهم يعكس فقدان ” التفرد ” الاميركي لمعناه بشكل لا يقبل اللبس او الغموض.

    على ان ذلك أيضا خضع لتغيير في التوصيف على يد اوباما الذي وجد ان لا مناص في إعادة النظر في الإستراتيجية الأميركية على نحو يجعل من الممكن التقرب من حلول ناجحة وواقعية للازمة التي تعصف بالوجود الأميركي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ويجسد الآن الموقف الاميركي حيال ما يجري في العالم نموذجا جديدا في “المرونة”.

    حيث تعكس التقييمات الأميركية لمرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة، لجوء الادارة الاميركية الى تبني اسس وقواعد جديدة في تعاملها مع الواقع ومتغيراته المباشرة وغير المباشرة مستخلصة دروسا جديدة فرضت ستراتيجية مختلفة عن ستراتيجيتها السابقة التي كانت تنفذ من خلالها أهدافها البعيدة والقريبة تلك التي كانت تنهض على مبدأ، “الضربات الاستباقية ” للحركات ” الثورية ” وحركات العنف المسلح الذي حمل وضعا حديثا “الارهاب” وما سمي بـ”الدول الفاشلة” ستراتيجية تبتعد كثيرا عن مفهوم “التورط” وفق ما يراه بريجنسكي مستشار الامن القومي الاميركي الاسبق، في مغامرات حربية تكلف الولايات المتحدة الاميركية اكثر من الفائدة المتحققة على الصعيد الإستراتيجي وفي المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمن القومي، كما حصل ذلك في العديد من الممارسات الباهظة التكاليف كالحرب الفيتنامية وحروب أميركا الجنوبية والحروب الاسيوية وغيرها.. ثم الاحتلال الاميركي لافغانستان واحتلال العراق وكل ذلك اوجد تراكما كبيرا من الدروس والعبر، جعل فكرة التخلي عن ذلك النهج أمرا لا مفر منه، خصوصا بعد أن واجهت الولايات المتحدة الاميركية حالة الاختبار الصعب، بين ان تستمر على ذات الوتيرة الى يقف من الانفاق العسكري المكلف، او ان تتوقف بنسبة معينة وفق ما يتيح ذلك الوضع الاقتصادي الذي بات الان ينذر بأفدح واعنف الكوارث إذا ما استمرت عمليات الإنفاق العسكري على ما هي عليه الان، تقول صحيفة، الكرستيان سانيس مونتير ” الولايات المتحدة الاميركية لم تكن مجرد متفرج في النزاعات التي جرت او تجري في العالم او مجرد متدخل او ” حتى طرف ” لحلها، بل هي عانت وتعاني من انعكاساتها داخل الولايات المتحدة الاميركية نفسها.. ويتساءل ” هنتنغتون ” في مقالته عن كيفية مواجهة النتائج المتحققة عمليا على صعيد الوضع الداخلي من هذه السلسلة الطويلة جدا من الأزمات العالمية: ازمة ناغورني ـ كارباخ ـ اذربيجان ـ ارمينيا ـ عاصفة الصحراء، حرب البوسنة ـ الهرتزك ـ حرب كوسوفو ـ صراع القبائل الافريقية ـ العنف الجزائري ـ ازمة كشمير ـ ازمة تايوان ـ احتلال افغانستان ـ احتلال العراق ـ أزمة لبنان ـ الربيع العربي ـ أزمة إيران ـ أزمة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، الأزمة السورية، ازمة الكرد والشعوب المجاورة، الازمة الديموغرافية في روسيا ثم الأزمة المالية العالمية.. وكل ذلك يتطلب من أميركا المزيد من القوة والقدرة المفقودة !!

    ” نحن اقوياء بما فيه الكفاية ” هكذا يبدأ اوباما حديثه مع المجموعة من الخبراء المكلفة باعادة النظر بالإستراتيجية الاميركية على مدى العقد القادم.. واستطرد قائلا: 

    ” في وسعنا ان لا نسمح بميزان القوى في العالم ان يختل لصالح هذه الدولة او تلك او هذا التكتل الدولي او ذاك.. نحن نستطيع البقاء اقوياء، نحافظ على قدراتنا وإمكانياتنا دون ان نتعرض لاستنزاف قد يعيد تجارب مرت علينا او على غيرنا، والسؤال الآن هو كيف نحقق ذلك؟!! اراهن على اننا نستطيع ان نحقق ما نريد من خلال السياسة الفولاذية او القوة الناعمة، دعونا نستفيد من تجربة وزيرة خارجيتنا، فهي امرأة ولكنها في ذات الوقت شخصية قوية انها فولاذ سياسي دبلوماسي”.

    بدأ الترويج لهذه السياسة في الوقت التهبت فيه المنطقة العربية بمتغيرات عامة شاملة كبيرة وصفت بانها “ربيع عربي” يحل محل صيف طويل محرق، احرق كل شيء قبل أن يقيم كيانات تنهض على النار والحديد وبالاستناد على دعم وإمداد وتشجيع خارجي.. وبعيدا عن اية رغبة في التراجع او التوقف على اقل تقدير عن مواصلة الغوص أكثر فأكثر في مستنقع الاعتماد على الدعم الخارجي في غياب التواصل مع شعوبها المظلومة والاستقواء عليها بضمانات لم تتحقق بفعل تغيير الستراتيجيات في العالم وفي ضوء قاعدة: “اخلع عميلك كما تخلع نعلك”.

    لقد وقفت أميركا تتفرج تارة وتحرض بالإعلام تارة اخرى.. وأقصى ما وصلت إليه، في ليبيا هو دفع الناتو ليكون بديلا عنها في دفع المناوئين للقذافي باتجاه الاطاحة بنظامه والسيطرة على ليبيا دون ان يعني ذلك انها كانت عدوة مناوئة للقذافي، فالجميع يعرف تماما ان القذافي احد عملائها غير ان التغييرات التي حصلت وتحصل لا تتعلق بكم حجم المعارضة، ولا بالاسباب التي تجعل من الشعب الليبي يحتج ويثور، بقدر ما يتعلق بخريطة المتغيرات التي صنعتها وكالة المخابرات الاميركية التي لا تستثني حلفاءها ولا خصومها، ولعل الدور الذي تضطلع به قطر والسعودية، التحريض والتمويل والقيادة والتنسيق في الربيع العربي، هو من دون ادنى شك يمثل الجواب الواضح والمحدد لاي سؤال عن هوية هذا الربيع والدوافع الكامنة فيه وخلفه.

    المهم ما نحن فيه الآن، وهو التغيير النوعي الواضح في الإستراتيجية الاميركية، والمبني على استخدام القوة الناعمة، أو الدبلوماسية المدرعة أو القبضة الحديدية الى ما لا نهاية الأسماء والتوصيفات المعبرة عن رفض الولايات المتحدة الأميركية التورط في الدخول في نزاع مسلح او شن حرب على أية دولة لا تتوافق سياستها مع سياسة أميركا.

    تقول كلينتون وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأميركية في اجتماع عقد في أيلول عام 2011 لوضع اللمسات الاخيرة على الإستراتيجية الاميركية الجديدة “في وسعنا الاعتماد على الشعوب في تغيير ما نريد تغييره، وما يحدث الآن في ليبيا نموذج يمكن أن يتكرر بصيع افضل بالنسبة لنا فليس ضروريا ان نزج بأي جزء مهما كان ضئيلا من قواتنا او القوات الحليفة في اي عملية تغيير تحدث مستقبلا.. علينا فقط ان ننتبه جيدا إلى ضرورة منع قوى الإرهاب الاستفادة من الذي يحصل لصالح مشروعهم الإرهابي المدمر”.

    لقد خرجت الولايات المتحدة الاميركية من حربها ضد الارهاب بخسائر فادحة لحقت بقواتها أدت الى تأليب الرأي العام الداخلي ومطالبته بانهائها خصوصا وان الامريكيين لم يقتنعوا تماما بهدف الحرب الداعي الى ترويج الديمقراطية، مقابل ان يموت الاميركيون ويتراجع الاقتصاد من اجل ديمقراطية أفغانستان أو العراق، أمر لا يمكن أن يفهموه لذلك فقد كان على صناع القرار في أميركا الاتجاه نحو الابتعاد عن الشامل والكامل عن الإستراتيجية السابقة والسعي إلى عدم منح الشعوب أو الدول او الحركات في العالم فرصة محاربة ومقاتلة قواتها، بل يمكن التوجه نحو جعل أولئك الذين ليس لهم وجود تحت ظل العولمة، أن يقضى عليهم بطريقة لا تحمل الجندي الأميركي أية أعباء غير الفرحة بالنصر الكبير بالإطاحة بهم دون ان تتحمل الخزينة الأميركية أية تكاليف وحتى أولئك المتحالفين مع أميركا، لم يعد ثمة سبب يدعو اميركا لحماية أنظمتهم والدفاع عنهم بعد ان لفظتهم شعوبهم، فاذا كان غيابهم خسارة، فان وجودهم عبء ثقيل باهظ التكاليف ويحمل كاهل دافع الضريبة الأميركي خسائر باهظة ومؤذية، وهي أصلا لا ضرورة مبدئية او فكرية او عقائدية  طالما ان البديل اكثر قدرة واكثر استعدادا للتعاون ومقبول جماهيريا باعتباره وصل الى ما وصل إليه بفعل “الربيع العربي”.

    ولكن ما هي مقومات هذه الإستراتيجية الجديدة…؟

    البديل الإستراتيجي الذي تتبناه الولايات المتحدة الأميركية، هو شن حروب، من نوع جديد، حرب تعتمد على استخدام القوة الناعمة، وقد قررت أميركا إدخال هذا النوع من الحروب، ميدان التطبيق الفعلي منذ ان قررت الانسحاب من العراق اولا ثم من أفغانستان ثانيا لتسدل الستار على مرحلة انتهت عمليا ونظريا، وكانت بداية الحرب الناعمة مع سوريا وايران وعراق المستقبل، واللاعبون من غير الدول وهما: حزب الله وحماس والمنظمات الأخرى في العالم. 

    تعتمد الحرب الناعمة او السياسة الفولاذية او دبلوماسية القبضة الحديدية على جملة عناصر مهمة منها: الاقتصاد والمال والإعلام والاستخبارات والحرب السرية التي تنهض على الاستخدام المبرمج للكومبيوترات والانترنيت والمعلومات الرقمية وغير ذلك، دفع الحلفاء وهيئة الامم المتحدة للاشتراك فيها وخصوصا في مجال فرض العقوبات والحصار الاقتصادي والعزل السياسي وادخال المنظمات الدولية في مجال القضاء وحقوق الانسان. باختصار شديد، حشد كل الممكنات وعناصر القوة المتاحة لالحاق الضرر الفادح المؤدي الى فرض الاستسلام المباشر او غير المباشر على ” العدو ” وتجريده او تقييد حركته في مجال مجابهة او مواجهة الشعب الذي سيلقى كل الدعم والتأييد والمناصرة من الخارج وفضح إجراءات حكومته وعملياتها الانتقامية، هذا النمط من الحروب، منطبق الآن عمليا وفعليا، حيث تخوض أميركا بكل إمكانياتها المادية والسياسية والإعلامية حربا ضروسا ضد سوريا وايران ولكن بطريقة جديدة مبتكرة اهم ما فيها التهديدات والمناورات وأشياء أخر.

    ان مجموع ما قالته الولايات المتحدة الاميركية وحلفاؤها في الحرب الناعمة على ايران وسوريا خلال عام واحد، يعادل ما قالته اميركا وحلفاؤها على دول المحور قبل وخلال وبعد الحرب العالمية الثانية وما قالته على الاتحاد السوفيتي ودول حلف وارشو خلال خمس سنوات، فهناك الان اكثر من مئتي فضائية واذاعة وموقع منتشرة في عموم الكرة الارضية بالإضافة الى مئات الدوريات والصحف والمجلات ومراكز البحث العلمي وغيرها تواصل على مدار الساعة تطويق المتلقي بآلاف الاخبار المصنعة جيدا والتحليلات والمناقشات والدراسات والمتابعات مع مئات الصور ورسوم الكاريكاتير في أضخم عملية إعلامية يراد منها تطويق نظامي في طهران ودمشق وغلق اية منافذ يمكن استخدامها للخروج او التحرك المرن او حشد الامكانيات والطاقات المتوفرة للدفاع عن النفس او تحريض الآخر للمعاونة، ويتابع الناس في كل انحاء العالم، كيف ان الاوضاع في هذين البلدين تسير باتجاه الضعف والهزال.. ومن الغريب حقا.. ان يتحدث الستراتيجيون في العالم عن عناصر قوة بلد صغير وقد يرى في الخارطة السياسية والبشرية والطبيعية ليس على مستوى العالم بل على مستوى الشرق الاوسط، فيضعون “الجزيرة” قبل المال كعنصري قوة لـ”دويلة قطر”، ترى أيدرك البعض عندنا هذه الحقيقة المرعبة.. ليعطوا الاعلام في بلادنا ما يستحق من الاهتمام والعناية.. ؟! انه مجرد سؤال !!   

  • نامي على زبد الوعود تداف في عسل الكلام! .. ذلك هو ما يسعى إليه مروجو “السينات” في الأعمال والأفعال الموعودة!!

    المستقبل العراقي / حليم الأعرجي

    رغم أن المبدأ الغوبلزي المعروف “اكذب .. اكذب ، حتى يصدقك الناس”، هو مبدأ اعلامي مشهور في الاعلام الغوغائي الكاذب.. بيد انه ايضا احد اهم اركان السياسة “ممارسة وسلوكا واسلوبا” وادبيات هذا النوع تطفح بأكاذيب لا حصر ولا عد لها .. فهي حاضنة معتمدة من قبل اولئك الذين لا يملكون غير الكذب في تمرير وجودهم كـ” حكام ” او ” قادة ” احزاب وتيارات، حتى بات من العسير البحث عن علاقة بين طبيعة نظام الحكم السياسي الحديث ومدى استخدامه او حاجته الى استخدام الاكاذيب للتبرير او التسويق او التزويق او لطمس الحقائق او للتضليل او للخداع او للظهور بمظهر مغاير ومخالف لما هو عليه.

    يمتلئ خطابهم حد الفيضان بحرف “س ” و التلفيق والخيال الاسود والترويج والترتيش والتزوير المتعمد وقلب الوقائع رأسا على عقب  والباس الباطل لباس الحق، ولباس العدل للظلم  .. حتى بات، ليس اسهل من تخيل سياسيين ميكافيللي التوجه في اطار نظام حكم ديمقراطي ليبرالي، واسهل من ذلك تخيّل نظام حكم سلطوي ميكافيللي في تعامله مع تبريرات سياسته.

    بالطبع لابد من القول، إن من اضغاث احلام التمني، الاعتقاد بان الديمقراطية الليبرالية متطابقة مع الشفافية وحق الوصول الى المعلومات بحرية، وإنها تعني المساءلة والمحاسبة ومن المفترض ان هذين المركبين يتطلبان حق الناس بمعرفة الحقيقة، عن أهداف ودوافع ونيات ، وبالتأكيد عن افعال السلطة الحاكمة  … هذه كلها قيم مرغوبة لا بل مطلوبة في الديمقراطية واهم تماما ، ان لم يكن محتال مخادع، من يعتقد انه من الممكن استخدام الديمقراطية “قناع” يخفي فيه وجهه الحقيقي ، فمتى لو لم يستطع احد من المحيطين به والمستفيدين منه ، مصارحته بانه صار معروفا تماما على حقيقته وان اكاذيبه لا تخدع احدا وتجارته في هذا الميدان اضحت بائرة لا احد يقترب منها ، فان الشعب ، ومعه كل الاخيار في العالم لن يترددوا من فرض ارادته وتأكيد قدرته على ازاحة ظالميه ومغتصبيه ومغيبيه وتعليمهم درسا لا ينسى في الاخلاق والربيع العربي بعيد عنا. 

    لقد برع البعض في اخفاء مكوناتهم واعمالهم المخزية، خلف سحب كثيفة من الدخان الأسود، من الأكاذيب والتزوير من اجل تجنيد غالبية الناس لتأييدهم في خطوة ما خطوها او في تنفيذ مشروع معين في السياسة او الاقتصاد او اي شيء آخر ما كانوا ليؤيدوها لو عرفوا الحقائق التي حجبت عنهم.

    اذكر في هذا الصدد عدد من الاكاذيب التي اريد بها ومن خلالها تكريس فكرة ان الحاكم الذي اطلقها، صادق في شعاراته وفي مشروعه وفي ايديولوجيته.

    * اطلق حكام العهد الصدامي، شعار  “اليوم .. اليوم .. وليس غدا” في اطار ادعاءاتهم ووعودهم وطروحاتهم وتنظيراتهم حول القضية الفلسطينية، وكان الشعار كاذبا اريد به كسب تأييد الناس لهم واجبارهم على الانخراط في حزبهم ومعاداة القوى الاخرى.

    *واطلقوا شعارا آخر لا يقل كذبا عن سابقه وهو:  ” كل شيء من اجل المعركة” وكان هذا الشعار مكرسا لاحراج دول المواجهة “سوريا والاردن ومصر”. 

    *اطلق حزب البعث شعار ” الوحدة ” لاحراج نظام عبد الكريم قاسم، وعندما وصل الى السلطة في 1963 امتنع عن اقامتها وبدء نظامي البعث في العراق وسوريا يناوران ويسوفان ويماطلان في المفاوضات التي جرت طوال ثلاثة اشهر، وبعد كل ذلك تمخض الفيل فولد فئرا حيث صدرت قرارات كاذبة وغير صادقة بالمرة بصدد اقامة “الوحدة  الاتحادية” في نيسان 1963 …

    *وظل البعث يطلق المزيد من الشعارات ” الوحدوية ” دون اية مصداقية  بل ان البعث كان الوحيد الذي عارض تخصيص مبالغ سنوية ، كتبرع من الدول العربية لدول المواجهة  “مصر والاردن  وسوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية” من اجل تدعيم المجهود الحربي وتعزيز قدراته الاقتصادية.

    *واذا اردنا ان نحصي عدد الافعال والاعمال الذي تعهد بها الحكام الذين تداولو السلطة في العراق بالدبابة او بغيرها من وسائل المكشوف او المستتر.. فاننا سنكتشف عجزنا التام من القيام بهذه المهمة العسيرة جدا وخصوصا تلك التي قبلت مسبوقة بحرف “السين” الملعون فقد بلغنا مصاف الدول العظمى بالكلام والشعارات الكاذبة! وصرنا نكتفي ذاتيا بالصناعة والانتاج النباتي والزراعي او صرنا نصدر العمالة الى الخارج والكفاءات العلمية! واستطعنا استصلاح الصحراء او مقاومة التصحر والملوحة وتمكنا من محو الأمية والقضاء على الامراض المتوطنة! وانهاء مشاكل البطالة والفساد والرشوة!

    نعم عشنا وما زلنا حياة “غش” و “كذب” فنمنا على زبد الوعود يداف في عسل الكلام فادمنا سماع “الافعال والاعمال” المؤجلة بحرف السين… حتى بات من السهل على اي مسؤول اطلاق عشرات بل مئات “السينات” دون ان يفكر ولو للحظة ان قيمة الانسان في لسان ، فان فسق، فسق وان كذب كذب، وان صدق صدق، لذلك فلا وصف اعظم من الوصف الذي وصف به الله نبيه العظيم محمد بن عبد الله “ص” (الصادق الامين) بهذا القدر من التفخيم والتعظيم يحتل الصدق مكانة التوصيف المتفرد لنبي المحبة والرحمة، وبعكس ذلك يوصف الكذاب مسيلمة بـ”الكذب” دليل زيف نهجة وبطلان مشروعه.

    ان من ينهض بعبء المسؤولية ، مدفوعا بالصدق والواقعية ، لا حاجة له بـ” السين ” فكل عمل او منجز  .. له زمن ينجز به ويكتمل اذا كان بالواقع والحقيقة موجودا وليس وهما من بنات افكار هذا او ذاك المسؤول خصوصا وان المنافسة الديمقراطية تحيل أحيانا من خلال المشهدية الاعلامية ذات الشأن في الديمقراطيات الى تشجيع الكذب والتزييف وليّ الحقائق بشكل خطير خصوصا عندما يتعلق الامر بالمس بالخصوم السياسيين او عندما يتعلق الامر بالانجازات التي يجري الحديث عنها امام الجمهور، ولكن هذه الاسفاف البنيوي في السياسة بات بديهية تجعل السياسة في ذهن المواطن البسيط امرا قذرا، يبيح  المحظورات ويجمل القبائح. 

    البعض من سياسيينا بات يحاول ان تكون اكاذيبه من النوع الكبير والمثير، تجسيدا لمقولة هتلر المشهورة:  “كلما كانت الكذبة اكبر، كلما ازداد ميل الجماهير لتصديقها”، وهنا نجد خطورة ذلك تبدو اكثر قدرة على التأثير المباشر و الفعال على سياق حركة المجتمع حول نفسه وحول الآخرين حتى بات الانسان يستنشق الكذب مع الهواء الملوث باطنان من اساليب الدجل والتلفيق والوعود الزائفة، محاطا بعشرات النشرات الإخبارية والخطب الرنانة والتصريحات الجوفاء والمعالجات والمقالات والاخبار المفبركة التي تمتلئ بالاحاجي والاشارات والالغاز والوعود واعداد غفيرة من “السينات” وعندما يعود المرء قليلا في الارشيف يطلع على اشياء تثير الكثير من الألم والحزن على ما وصلت اليه الصحافة والسياسة من الاسفاف والابتذال وعلى نحو يتعذر العثور  على مثيل له في كل تاريخ الكذب والتضليل في العالم، والمؤلم، ان احدا من اولئك الذين امتهنوا الكذب، لم يبدو عليه استيقاظ الضمير ليمارس دور الصحوة الاخلاقية فيعزف عما هو مساور فيه فيريح ويستريح.

    ومن الانصاف حقا، ان نقول وبموضوعية، ان الكذب الذي نعيش اجواءه البائسة ، لا يصنعه السياسيون وخدمهم وحدهم، بل تشارك في عملية التصنيع وسائل الاعلام وبعض صحف الطارئين والماجورين والباحثين عن السحت الحرام، فهذا النوع من الصحافة التي لفظها الغرب والولايات المتحدة الاميركية بشكل خاص بعد ان اتفق على تسميتها “الصحافة الصفراء” و “صحافة لف السمك”، يغذي ماكنته المدمرة باكاذيب وفضائح وتلفيقات وفبركات مدفوعة الثمن ، فيتحول الاسود الى ابيض ، والابيض الى اسود!

    ولدينا الان صحف يومية بعضها تصدر في بغداد واخرى تصدر في عواصم اوربية، وتباع في بغداد، معلبة بالأكاذيب الرخيصة والتوصيفات المبتذلة .. وبالتوجهات الاعلامية الساعية الى تخريب اللحمة الوطنية والسلام الاجتماعي والتعايش الأخوي بين ابناء البلد الواحد، وتلك هي الغاية التي بذلت من اجلها السعودية طوال اكثر من 130 سنة اي منذ ظهور التحالف الوهابي السعودي الى الوقت الحاضر، الغالي والنادر ، دون جدوى حتى اتيحت الفرصة لها بعد الاحتلال الاميركي للعراق، فدخلت عليه الدعاية السعودية من كل حدب وصوب ، لاهم لها سوى تدبيج المقالات والكتابات باقلام مسمومة ونوايا مفضوحة، لا تقل تفاهة وبذاءة عن “الجزيرة” المنبر المصنع في تل أبيب والناطق باسم ال ثاني في دوحة “شمعون بيرز”!

    طبعا لابد من التأكيد هنا على حقيقة وهي ان لا طائل من وراء البحث عن علاقة ـ اية علاقةـ بين طبيعة نظام الحكم السياسي الحديث ومدى استخدامه، او حاجته الى تبني الكذب في تبرير سياساته، فالاكاذيب تبرر النهاية بعد نزع  “الرتوش” الايديولوجية بالواقعية السياسية، والواقعية السياسية قائمة في اغلب انظمة الحكم في العالم، لذلك فان من يعتقد بان الوصول الى الحقيقة سهل ويسير في عالم اليوم، هو بالتاكيد واهم ففي عالم اليوم، بات الوصول الى الحقيقة صعب جدا ومحفوف بالمخاطر الحقيقية حيث ضجيج الاكاذيب يصم الآذان ويعمي العيون، بعد ان وجدت لها منابر ضخمة جدا عبر ما وفرته ثورة التقنية والاتصالات من فضائيات ومواقع انترنيت تملأ ارجاء الدنيا والانباء والاشرطة والصور، مع تقنيات رهيبة في مجال التصنيع للاخبار والاحداث.

    وتكشف مجريات الاحداث في ليبيا، ان قطر عمدت منذ وقت مبكر الى بناء مدينة على الحدود الليبية التشادية مشابهة لمدينة بنغازي تلتها مدينة اخرى مشابهة لطرابلس، مع اعداد غفيرة من الكومبارس والممثلين مع استنساخ دقيق لكل تفاصيل المدنيين وكانت الصور تخرج من هاتين المدينتين الى العالم، ونفس الشيء عملته في وادي خالد بلبنان، حيث جرى استنساخ مدينتي حمص وحماة وجرى تزويدهما بكل التفاصيل المفيدة لعمليات التصوير والدبلجة وغيرها بادارة عقول متمرسة في مجال الدعاية ومتخصصة في فني الاقناع والترويج الذي هو علم قائم بذاته يستفيد من شكلانية الحقيقة دون مضامينها ويقوم بصناعة تجميلية وتقنية للشبهات حتى تصير بديلا عن الحقائق، وسرعان ما تتناقلها اذرع الاخطبوط الاعلامي لتنشرها في العالم كله، واحذر ان كنت ممن يحرصون على التدقيق والتحقق من أن تشك بمصداقية الاكذوبة، فقد تواجهك تهمة جاهزة لديهم تناسب وضعك وانتماءك السياسي او المذهبي او الايديلوجي. 

    ان صناعة الاكاذيب عريقة جدا في الدعاية الغربية بشكل عام والدعاية الاسرائيلية بشكل خاص وقد سمى  “جور فيدال ” عصر الاكاذيب  بـ”العصر الذهبي” وهو عنوان كتابه الذي يفضح فيه اربع اكاذيب كبرى غيرت مجرى التاريخ البشري في منتصف القرن العشرين وهي:

    1 ـ اكذوبة بيرل هاربر 

    2 ـ اكذوبة هيروشيما 

    3 ـ اكذوبة محرقة اليهود

    4 ـ اكذوبة الحرب الباردة 

    وفي مقالة طريفة لـ”نعومي كلاين” اشارة فاضحة الى ان 80 % من متابعي قنوات امبراطورية “ميردوخ” كانوا يعتقدون ان لدى صدام اسلحة دمار شامل، قبل ان يسمعوا اعترافات باول على القنوات لفضائية  الاميركية وهو يبدي اسفه امام الشعب الاميركي لنقله اكاذيب لمجلس الامن لفقتها المخابرات الاميركية التي كانت ضالعة في فبركة الكذبة بالتعاون مع نظام صدام حسين لإخافة ايران ومنعها من “احتمال” التوغل في العراق في اية لحظة بعد توقف القتال وظهور حالات ضعف في البنية الدفاعية للعراق، بيد ان المخابرات الاميركية خضعت للضغوط الاسرائيلية التي كانت تجند فكرة تدمير العراق كعراق وليس المقصود نظام صدام حسين الذي حيد الدفاع العراقي وابطل قدراته في منع اميركا من احتلال العراق على امل ان يكون ثمن كل ذلك الابقاء على نظامه او حياته ان اولئك الذين يبرعون اليوم في ايجاد اساليب جديدة ويبتدعون طرقا غير معروفة، في الخطاب الاعلامي، يدركون الان قيمة الافكار التي جسدها، ليوشتراوس  “1899 ـ 1973” الذي درس عقودا طويلة في جامعة شيكاغو وبعض ممن يتولى الآن المسؤولية في أنظمة عربية استبدادية وخصوصا في قطر من هم من تلاميذه ويبذل الآن نقاده محاولات جادة لفحص تساوق فكر ليوشتراوس مع تبرير الكذب وواضح ان هذا الرجل الذي عرف بما لديه من قدرة فائقة في مجال الكذب والمراوغة الكاذبة، كان واحدا من بين القلائل من  اليهود الذين تركوا بصماتهم الواضحة في احتلال الكذب هذه المكانة “العالية” في كل المفاهيم الاعلامية والصحفية ومن الممتع حقا قراءة مقالة: “ليوشتراوي وعالم المخابرات”  بقلم ” غاري شميت” و ” ابرام شولسكي ” فالاخير كان طالبا عند شتراوس في سينيات شيكاغو والمقالة تؤسس علاقة مباشرة بين فكر شتراوس وبين نظرية المخابرات فعندما لا يكون بالامكان تكذيب عدوك فلا مانع من ان تكذب، وبذلك فقد شرعن عملية الكذب واعطيت مسوغا  “اخلاقيا”  هي ان ترد على الكذب بكذب.

    ان ما يهمنا الان اكثر من اي شيء اخر ، هو ان نكون صادقين مع الاخر .. بحيث لا نقول الا ما نؤمن به فعلا لا لمجرد التسويق والمماطلة والخداع والتزييف، ان انجازا بحجم العصفور افضل من “الانجاز ” بحجم الفيل غير حقيقي.

           

  • السلب والإيجاب على سطح واحد في الربيع العربي !!

     الآن بات واضحا أكثر من أي وقت مضى، ان وقت الحصاد لما زرعته الولايات المتحدة الامريكية قد صار حقيقة واقعة، فالإصلاحات التي نادت بها وحاولت تكريسها حملها الربيع العربي على اجنحته ليحقق بها فتحا جديدا للسياسة الامريكية في المنطقة بكل امتدادتها وتأثيراتها وميادين فعلها واتجاهات مسارات عملها فالسجال الذي اججته واستمرار الجدل حولها وحول ضرورة احداث التغييرات اللازمة والمطلوبة … بدأ الآن يحبو بعد ان صار البديل قائما يتربع على كراسي السلطة مثيرا الكثير من الاسئلة ذات المغزى الحيوي لاستكمال صورة الوريث المهيأ لاستلام زمام الامور.. فوصول الاحزاب الاسلامية في تونس ومصر والكويت والمغرب يفتح الطريق واسعا لاحتمالات شبه مؤكدة في وصول الاحزاب الاسلامية للسلطة في سوريا والجزائر وموريتانيا الى جانب خضوع الاوضاع في السعودية وإمارات الخليج العربي.. لمقدمات تنبئ بنتائج منسجمة ومواكبة ومرادفة لما يحصل .. واذا ما اضيف الى ذلك العراق الذي كرست فيه امركيا دميقراطيتها واسست فيه صيرورتها ما ينبغي ان يكون كما هي تقول وتعلن تنفيذا لدوافع احتلاله، ولبنان السائر على مبدأ التوازن الدقيق بين المكونات المتعايشة بقانون تعادل القوى يكون الشرق الاوسط قد صار جديدا بانتظار صيرورته كبيرا عندما تلتحق بركب الربيع العربي ايران وتركيا وربما باكستان التي تعاني الآن من مخاض صعب. 

    لقد صارت ابواب البلدان العربية.. مفتوحة تماما لحكم الاحزاب الاسلامية ويعكس هذا توصل الولايات المتحدة الامريكية الى قناعة من ان كل المشاكل التي واجهت وتواجه المنطقة وبشكل خاص الصراع الفلسطيني الاسرائيلي يمكن حلها تحت العباءة والعمامة الاسلامية وليس ثمة حل يمكن أن يقنع الجبة الاسلامية غير ان تكون هي المفتاح وهي الوعاء وتجربة التعاون الاسلامي الامريكي في الجهاد ضد السوفيت في افغانستان تعبير دقيق عن ان هذا التعاون كان ومازال ضروريا لانجاز الكثير من المهمات وبهذا الصدد فان جريدة الغارديان البريطانية في عددها الصادر في الخامس والعشرين في تموز الماضي تشير وبوضوح الى اهمية الرجوع الى ذلك التعاون الذي اثمر هزيمة السوفيت، وعلى نفس النهج تحث صحيفة الكرستيان ساينس مونيتير الامريكية امريكا على تماشي جعل الاسلام الخندق الامامي في اي عملية صدام بين الحضارتين الغربية والاسلام.. فقد برهنت التجارب ان شيئا من ذلك كلف ويكلف الغرب بشكل عام وامريكا بشكل خاص من تضحيات جسيمة وقالت ان افضل الاساليب في الوصول الى حالة التفوق على الاسلام هو التعامل مع المسلمين .. وتوضح قائلة ان الاسلام واحد … بينما هناك اكثر من تيار للمسلمين واكثر من منهج.. 

    هكذا تغير الموقف السياسي  في منطقة الشرق الاوسط حيث اضحى التقارب بديلا عن الثنائي بين الاحزاب الاسلامية والولايات المتحدة الامريكية ويمكن تلمس ذلك من خلال عدة مؤشرات مهمة. 

    اولا: ان امريكا اتاحت الفرصة امام دول الاستبداد لتعيد انتاج مجتمعاتها انطلاقا من سلطة الثراء وتتوطن امنيا وايديولوجيا بقوة في بلدانها وارغام قوى التغيير على رؤية الواقع الذي اوجدوه بدلالة السلطة والخضوع لقيمها ومصالحها.

     ثانيا: العمل على فتح المزيد من مجالات غسيل السمعة للحكام والاستبداديين بحيث يمكن استخدامهم كشهود زور واوصياء ومندوبين عن مؤسسات وشركات بتعليب وتصدير الديمقراطية والحرية وبالمواصفات التي تقررها وصفات الموقف في ضوء تطورات الوضع السياسي والاقتصادي على الصعيد العالمي وصعيد المنطقة.

    ثالثا: الإكثار من قنابل التفجير الذكية في العلاقات بين دول الاستبداد المالي وخصوصا بين السعودية وقطر.. وذلك بايجاد الاحساس لدى السعودية بانها مغبونة بمساواتها مع قطر التي لاتشكل بالنسبة لها سوى اعلى 100، بل انها ترى الان الارجحية لقطر في الادارة بالنيابة لملفات ازمات الربيع العربي. 

    ان فرح السعودية بما يحصل وترحيبها بالدور البسيط الذي اضطلعت به قياسا للدور القطري، ينطلق من كونها اصبحت خارج اطار مرمى الربيع العربي..  فعمليات الملاحقة والتعسف الذي تمارسه ضد شعبها ، ظلت طوال الوقت بعيدة عن الانظار.. كما ان دورها في استخدام “درع الجزيرة” لقمع الثورة في البحرين لم يستأثر باهتمام بل حتى ولامتابعة الماكنة الدعائية والاعلامية التي رافقت الربيع العربي.. غير ان السعودية تجد نفسها مستهدفة بشكل غير مباشرة عندما تفضل امريكا التعاطي مع الاخوان المسلمين وتماطل او تمتنع احيانا من التعامل مع السلفيين الذين يحضون بدعم واسناد وتأييد السعودية، ومن ينشئ نوعا من عدم الراحة لما يجري الآن في مصر.. وعندما حاولت السعودية دس أنفها في تطورات الموقف من خلال إقراض مصر لتمكينها من التغلب على ازمتها الاقتصادية جاء الرد المصري رافضا التدخل السعودي في الشأن الداخلي للمتغيرات الجارية في مصر.. وعاد القرار المصري التاريخي ليؤكد أن موقف مصر الديني لن يتقرر الا في ضوء ما يقرره الازهر الشريف بعيدا من المؤثرات والتأثيرات السياسية. 

    ان ارتداء قطر والسعودية ودول خليجية اخرى رداء الاسلمة لم ينطل على  التقوى الفاعلة في المنطقة العربية، من هنا جاءت التحذيرات من الدور الذي تضطلع به هذه الدول على صعيد موجة التغيير في الانظمة فهذه الدول استطاعت تجبير عمليات التغيير لحسابها فبدلا من ان يكون البديل افضل، جاء البديل وفق المواصفات التي حاولت وتحاول قطر والسعودية واخرون في الخليج ان يكون متوافقا مع مسارات الجهد في ترتيب الاوضاع في الشرق الاوسط.

    إن أهداف أميركا في الشرق الاوسط تتحدد الآن بالنقاط التالية: 

    اولا : المحافظة على استمرار تدفق النفط وان لا يكون احد مصادرها استفحال الازمات الاقتصادية والمالية. 

    ثانيا: تطبيع العلاقات العربية الاسرائيلية .

    ثالثا: تكريس الهيمنة والسيطرة الامريكية .

    رابعا: اقامة اتحاد كونفدرالي بين المشرق العربي وعزل دول شمال افريقا باقامة اتحاد كونفدرالي بينهم، وانهاء وجود جامعة الدول العربية ومنظومة الامن القومي العربي وفق مشروع بريجنسكي مستشار الامن القومي الامريكي الاسبق. 

    ومن وجهة نظر الستراتيجيين الامريكيين ان هذه الاهداف لا يمكن تطبيقها الا في حالة استلام الاخوان المسلمين السلطات الحكومية واقامة أنظمة تتبنى الاسلمة وفقا لقواعد واسس التحالف والتفاهم بنيهم.. وهكذا كسب الاخوان المسلمون الجولة الاولى وبدؤوا حكومتهم الاولى في تونس وقريبا في مصر بعد ان استلموا الصولجان في المغرب لكن هل انتهت معاركهم السياسية….؟ وهل زالت عقود من التهميش والتغييب لهم والتنكيل بالعقلية الاخوانية؟ وهل ثمة اعداء جدد للاخوان بعد ان زالت الانظمة السابقة او في طريقها للزوال.

     في قراءة سريعة يبدو ان الاخوان قد بدؤوا فعلا بمعركة حقيقية، طرفاها اسلام متحضر ويعني من وجهة نظر الاخوان القبول بنظام مدني يحقق الديمقراطية والمجتمع المدني مقابل اسلام متخلف لا يؤمن بذلك ويؤمن بالخلافة وقيود ولاية السلطان والحاكم المستبد. 

    بيد انهم في ذات الوقت يجدون انفسهم الان امام معضلة فهم صاروا يصارعون عدوا جديدا يتجسد بـ”السلفيين” الذين يرفعون شعارات الاسلام التي حكم عليها الاخوان بـ” التخلف”. ان علة ما يجري الان من تناقضات محيرة يكمن اولا وقبل كل شيء في الفهم الخاطئ للاسلام من قبل الغرب بشكل وامريكا بشكل خاص، فعندما يطرح الاسلام كعدو حضاري فان ركائز ها الطرح تعتمد على ماتجسده حركات وتيارات اسلامية في الشكل والمظهر نمت وترعرعت ومارست ادوارا وادت وظائف ونهضت بجهود لا علاقة لها بالاسلام الحقيقي الذي جسدته المذاهب الخمس وعبرت عنه مراكز اشعاع هذه المذاهب في النجف الاشرف والازهر الشريف وغيرهما في العالم الاسلامي والواقع يشير وبوضوح الى ان وجود هذه التايرات والحركات الداعية للتطرف والعنف والغاء الاخر وعدم الاعتراف له لم يكن بعيدا عن بلورة ودعم وتنشئة الغرب لها فالحركة الوهابية والبهائية لم تنشأ اعتباطا او لقائيا بل ان الادلة والبراهين المؤكدة تشير وبوضوح لايقبل اللبس او الغموض وقوف المخابرات البريطانية خلف ظهورهما والبعض يضيف الى ذلك المخابرات اليهودية التابعة للوكالة الدولية اليهودية وباشراف من وايزمان شخصيا. 

    لقد استلمت الكثير من الحركات الاسلامية مواقع متقدمة واساسية في مجالات صنع القرار السياسي والاقصادي والثقافي والاجتماعي في الدول التي شهدت مخاضات الربيع العربي.. بيد ان ايا من هذه الحركات لم يقدم الدليل على انه يمتلك المشروع او البرنامج العملي الواضح لمعالجة الكثير من مشاكل وازمات واشكاليات وتداعيات الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الدول التي تفجر فيها الربيع العربي.. ففي مصر مازالت الحركات الاسلامية تتخبط في محاولات مثيرة للسخرية ، فتارة هي مع التطبيع الاسرائيلي المصري، وتارة اخرى هي ضد هذا التطبيع تارة هي مع استمرار العلاقات مع الولايات المتحدة الامريكية وتارة اخرى هي ضدها وهكذا هو التردد واالضياع والبلبلة السمة الاكثر وضوحا في تصرفات حركات الاسلمة ، والانكى من ذلك ان وحدة التصرف والموقف والتوجه والرؤية اضحت الان على المستوى العربي والاسلامي في عدم، بعد ان اتضحت تناقضات الموقف بين التنظميات الاسلامية وما حصل بين القرضاوي والامارات العربية المتحدة وبين الإخوان في مصر ورجال الدين في السعودية من السلفيين الجهاديين. 

    ان تحديد الموقف الامريكي حيال المنطقة وما يتقضيه الحال على مستوى حل ومعالجة مشاكلها وفي المقدمة منها انهاء الصراع الفلسطيني الاسرائيلي على اساس مشروع الدولتين ومساعدة شعوبهما للأخذ باسباب التطور والتقدم ومعالجة مشاكل الفقر والتخلف والتباين في مستوى الرفاهية والرخاء بينها وبين شعوب الغرب والولايات المتحدة الامريكية يستلزم الاجابة اولا على سؤال يتعلق بالموقف الامريكي في موضوعة صدام الحضارات فكلما تقدم فان هذا الصدام يعني صداما مع كافة الدول الشرق الاوسط اوسطية وبالتالي فان الاحتواء الامريكي لهذه الدول يصبح ضروريا واسرائيل هي اداة الاحتواء المفضلة وفي هذه الحالة فان الاسلمة تفقد مبررات وجودها في ظل الحماية الاكيدة للمصالح الامريكية في المنطقة عبر التواجد المكثف والمقنن للقوات الامريكية فيها واذا اضفنا الى ذلك ماتوصل اليه التيار الواقعي الامريكي من ان الاسلام لا يمكنه في المدى المنظور ان يشكل خطرا حقيقيا على المصالح الاميركية بشكل خاص والمصالح الغربية بشكل عام نقف أمام حقيقة متكاملة لايمكن تجاهلها، تلك هي ان الولايات المتحدة الامريكية اضحت الآن اكثر استعدادا لإنهاء ظاهرة الاسلمة المنحرفة والمتطرفة من خلال الدفع بها الى مستوى السلطة بعد كانت في مأمن مما يترتب على المواجهة المباشرة مع الشعوب من خلال السلطة، ما تفرزه من ظواهر  ومظاهر قهر واحباط واضطهاد وتعسف. 

    لقد ظل الاسلام المتطرف او المنجرف طوال اكثر من 130 سنة قابعا خلف الكواليس والغرف المظلمة والاقبية العميقة وحتى اولئك الذين تمكنوا من الوصول الى السلطة عبر التحالف السعودي- الوهابي.. واجهوا حراجة الجمع بين الممكن والطموح ،بين المتحقق والمتوقع فابتعد الكثير من الوهابيين من مراكز القرار السعودي وتحول البعض منهم الى معارضين بل واعداء للحكم السعودي باعتباره كان ومازال عاجزا من الوصول الى مايريدونه ويسعون اليه.. ومن هنا يجد المسعى القطري في تبني التيار الوهابي الجديد صداه على مستوى المتطرفين الوهابيين في السعودية غير ذلك مع الانشطارات والانشقاقات التي حصلت على مستوى تنظيمات الاخوان المسلمين وظهور السلفيين الجهاديين والسلفيين الوهابيين والسلفيين الاصوليين وغيرهم. 

    ولم يؤد كل ذلك وغيره الى إحداث القناعة الكافية بامكانية توقع زوال هذا النمط من الانحراف المؤذي ان لم تتورط التنظيمات المتطرفة بعملية السلطة وماتتطلبه من جهود واجتهادات ورؤى توفق بين الممكن والطموح وهذا ما ليس في امكان هذا التيار تحقيقه والدليل ان ما يحصل الان من تخبط وعشوائية تعبر خير تعبير عن افتقار تنظيمات الاسلحة لاسس وقواعد الانتقال السلس والصحيح، من دور المعارض الى دور الحاكم، من دور المحرض على التمرد، وقيادة عمليات الارهاب من قتل وقتل جماعي وعمليات اغتيال وجرائم منظمة، الى دور الحاكم المسيطر والمنظم والعامل على فرض الأمن واحترام القانون. 

    ويظل السؤال العالق .. ترى هل تستحق الاهداف التي تتوخاها امريكا من الربيع العربي احراق تنظيمات الاسلمة في اتون نيران السلطة في زمن اللا استقرار واللا امن في الوسط العربي والاسلامي..؟! 

    من وجهة نظر الستراتيجية الامريكية الجديدة.. فإن مستقبل وجودها ودوام استمرار مصالحها يتطلب ذلك.. فالمتغيرات التي حصلت وستحصل تتطلب نموذجا مختلفا تماما عن النماذج التي عرفت. خلال العقود الماضية وبضمنها العقد الاول من الالفية الثالثة ، المطلوب اآان المزيد من الدميقراطية في ظل وجود قوى لها تمثيل حقيقي في الاوساط الشعبية قادرة على التفاعل مع عملية صنع الرأي العام وبمحورية ديناميكية نشطة، لها دور مهم اضطلعت به ، وهذا ما سنتناوله في موضوع لاحق.