التصنيف: تسالي

  • الصحافة والصحافيون متـاهـات ضيـاع .. ومتـاعـب بلا انقـطـاع !!

    ما الذي يحصل الآن للصحافة والصحافيين ..؟ أين هم .. وأين هي ..؟ ومن الذي يقف خلف كل الذي حصل ويحصل ..؟ أبقوته وقدرته وجهده .. أم هو مجرد واجهة لا تعدو حدود الستارة المهلهلة ..؟!

    ليست في ذهني .. جهة معينة أو شخص بلحمه ودمه .. فما كنت يوما استهدف شخصا مجردا مهما كان ولأي سبب كان .. بل كل ما اقصده هو ان ما نحن فيه في عالم الصحافة لابد ان يكون من فعل فاعل .. ولابد ان تكون خلف فعل الفاعل دوافع وأسباب وإلا لماذا يتسبب في وجود مخاضة عذاب ومرارة وألم دون أن يكون في ما فعل او عمل موجها .. او هو ربما قد جبل على الإجرام ، منذ قلامة أظفاره .. يفعل الأفاعيل المؤذية المدمرة ليرضي في داخله  شيطان الموت الأصفر !

    نعم .. الأشد بؤسا لما يجري وما يحدث ، ، هو الواقع المر للصحفيين العراقيين ، وخصوصا روادهم أولئك الذين أعطوا كل ما لديهم ، جهدا وعمرا وصبرا طويلا على مضض بين الم البحث عن الحقيقة الضائعة في متاهات الظلم والتسلط والحقد والجبروت وقهر الواقع الصعب في خرائب الجهل وانعدام الفهم الصحيح لمهنة اعتقد البعض أنها مجرد محارق بخور ، ومنابر للمداحين والمسبحين بحمد التافهين .. وشكرهم !

    فيضان صحفي وأكداس من الصحفيين لم يسبق لها مثيل تجاوز العدد عشرات الألوف .. ولا احد يسال : من أي فج جاءوا ..؟ ولا أين كانوا .. ؟ وماذا يفعلون الآن ..؟ ولكن ماذا عن شغيلة الحرف وكادحي الفكر ومنيري دروب الظلام الباحثين عن الكد والتعب والعرق الحلال ؟ أين رواد الكلمة الصادقة المخلصة الذين ضربوا المثل الأعلى والنموذج الاسمى فصانوا الشرف وذادوا عن الكرامة فكانوا نموذجا رائعا وقدرة كبيرة لكل الصحفيين في العالم .. لم يكن من بينهم من ملك ذات اليمين واليسار .. وخزن المال والسبد !! لا يملكون غير ما يسد الرمق ويبقي شريان الحياة بالكاد حيا .. غير أنهم ملكوا قيم النبل وسجايا الكرامة وسمات النزاهة لم يداهنوا ولم يقايضوا ولم يساوموا .. فكان تاريخهم ناصع البياض طاهر الذيل نظيف اليد واللسان كريم المذاد ما ظهر من بينهم قط من باع الحرف الشريف بالسحت الحرام في كل حين كان الجميع في نقابة الصحفيين وفي غيرها .. ينظرون إلى الرواد نظرة إجلال وإكرام .. واذكر مرة قالها شاعر العرب الأكبر خالد الذكر محمد مهدي الجواهري لم اعتز في حياتي بشيء ملكته أو عملت فيه او ساهمت به وشاركت فيه قدر اعتزازي بالفترة التي قضيتها كنقيب للصحفيين العراقيين .. ذلك هو الحق .. الذي ليس فيه مراء .. اشر الواقع وبين جوهر المعدن الأصيل، فليس ثمة ما هو أفضل وأحسن من قائلي الصدق، ورافضي الكذب ، وتلك شهادة رجل اعترك الحياة وعرف ما بها وما عليها فأدرك بمنظار واقعي حقيقي ، ما يتمتع به الصحفي من طيبة في الممتد وعلو في الهمة وسمو في العزيمة لا يدانيها شيء ولا يماثلها فعل .

    أقول ذلك وفي ذهني مالمسه واراه واسمعه .. وياليتني ما لمست وما رأيت وما سمعت.. سمعت ورأيت ولمست وقرأت.. تفاصيل واقع غارق بالتجاهل والجهل لصفوة من الصحفيين الأخيار ، من الباذلين بلا حساب حروفا ومقاطع وصفحات تستحلب من الزمن القاسي كل معاني الخير في عذاب الدفاع عن الجياع والحفاظ عن الوطن المثخن بجراح المغامرين والعابثين والباحثين عن السحت الحرام وعن الشعب المظلوم الملكوم بأعز ما يملك بالوطن المباح المسلوب الإرادة ، بعد أن أغرقته مغامرات المجانين وإنصاف الشياطين وهم يتقيئون التيفوس والزحار في حقول العنبر وبساتين البرتقال والرمان وبين نخيل البرحي والخستاوي.. وعلى ذرى جبال قنديل ورايات وكردمند يدوسون بأقدامهم الموحلة الكمأة الانبارية والزنبقة البهدينانية والبرتقالة البهرزية والتينة النجفية.

     تلك هي الحكاية: حكاية قانون علم المالية :العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة” فيضان يحمل اسم الصحافة ولا يمت لها بأدنى صلة ليس فيه غير الطارئين وأنصاف الأميين والباحثين عن الجاه والكسب الحرام، أما أولئك الذين أثرى التاريخ بمفاخرهم فهم لا يحصلون حتى على تلك التفاليس التي حددها وفرضها القانون لهم كمتقاعدين كأنهم مقصودون بعملية “تطهير مهني” ينفذ بقسوة ووحشية باعتماد واستخدام فاض القوة المنظمة لأماتة أية بقية فيهم وحبس أي حراك لديهم لمنعهم من ان يقولوا مستغيثين ، إلا بؤس زمن فيه تكرم الامعات وتهان الحرائر!! تحبس انفاسا عبقة ، وتطلق ريحا نتنه !! 

    لا أريد ان اصطف مع أولئك الذين يركبون الباطل باستغلال هموم الحاضر للوصول إلى مقاعد يذبل فيها الحر، وتطمس هوية الطاهر الباحث عن  الكرامة والعزة مع رغيف الخبز بعفة المنطق وطهر المنبت ونظافة اليد وشرف القلم ونزاهة اللسان .. لا أريد أن احسب حساب الموتور من حق وأحاسيس مبصرة وشواهد مبكية لا أريد ان أعلن ندمي على كل قطرة عرق ونقطة دوم وخطوة قدم ذهبت سدى في بحور الآهات والأحزان والآلام في عالم الضياع وفقدان المعين والولي الأمين لا.. وألف لا . ولكن الم يطفح الكيل بعد..؟ الم يتساوى في النتيجة المفجعة بين قاتل العمد وفاعلها بالجهل او السهو او قلة الكفاءة وانحدار الدراية والكفاءة..؟ الم يتساوى في النتيجة المدمرة مغيب الكفاءات ومهمش الخبرات ومضيع الفرص الذهبية بالعمد مع سبق الإصرار مع فاعلها عن جهل او سهو او قلة الكفاءة وانحدار الدراية والكفاءة..؟ 

    أسوء ما يمكن ان يواجهه المرء الصادق مع نفسه ومع الآخرين ، هو ان يوضع في موقف فيه يأكل من زاده ويمنعه من اجل ان يقال عنه عظيم القدر محمود .. رحم الله المتنبي ورحمني فقد وضعت الأخ محل اللئيم اعتقادا مني من انه لو كان حيا لفعلها . 

    ما اغفلتني الليالي .. ولم تكب بي الجياد .. ابن أبي وحليب أمي ازكى من ماء زمزم واطهر ، فهما من هاشم صلبا وعرقا وطهرا فلم تلوثني الغاديات  بمغريات رغم مابي من عوز لكثرة في البنين وقلة في المتاع وانبساط في اليد واعتماد على الواحد الأحد الفت وصنفت وبحثت في التاريخ وفي السياسة والاستقصاء ونلت جوائز عالمية من الأمم المتحدة ومراكز بحثية ودور نشر وصحافة وتجولت وسافرت وأبحرت في عوالم التحقيق والاستقصاء والبحث، حتى تجاوز ما كتبت في الصحف أكثر من عشرة آلاف مقال وتحقيق وخاطرة ومتابعة واستطلاع على مدى 50 خمسين عاما في العمل الصحفي عدا مؤلفات خمسة كنت قد الفتها وهي: 

    1- آل الاعرجي احفاد عبيد الله الاعرج 650 صفحة 

    2- الشيخ خوام الثائر الانسان (الفرصة الضائعة) 630 صفحة 

    3- النهر الخالد (المشخاب) بـ 550 صفحة تحت الطبع 

    4- الخبر .. مقدمات ونتائج 330 صفحة 

    5- التحقيق الصحفي والقصة الخبرية مهنية العمل وكفاءة الأداء تحت الطبع .

    6- من 1931 إلى 1941 غزارة الأحداث وقلة في الاستفادة من التجارب غير مطبوع 

    7- الحسينيون في العراق 5 أجراء غير مطبوع 

    8- هؤلاء عرفتهم 380 صفحة 

    أقول ذلك ليس من باب الضعف أو من باب الضغط للحصول على مغانم او مكاسب او مكرمات !! فما بي من تعفف يريني التراب تبرا والسراب ماء والكواسر حملان وما من طبعي ذلك أبدا ومن زاملني وعايشني يعرف ان بي خصيصة “الشبع” وانا جائع. والصحو وانا مريض في شراييني التاجية وفي غددي اللمفاوية وفي البروستات .. “وكل هذا مذليت امشي برهاتي” إذن لماذا اكتب ذلك..؟ 

    اكتب ذلك لأني أردت أن ارضي “ملك” الكتابة في داخلي أما لماذا أردت أن أرضيه الآنوليس قبل الان ؟!

    فذلك لاسباب كثيرة .. ربما لأنني اردت ان ادفع بالتي هي احسن  لصالح عدد من الزملاء الرواد الذين يمنعهم الخوف او الخجل او الصبر على مضض او اليأس من ان يكتبوا ما يعتقدون بصحته على امل ان يصلح ويصحح !! 

    او انني أردت ان اجعل هذا من خواتيم أعمالي فأحسن لشريحة صغيرة أنا منهم وأسيئ لأخرى ارفض ان أكون معهم في زمن واحد فيخفق خافقي المريض عندما يجنح بي الفكر في عالم ذكرى الأحبة من رواد مهنة البحث عن المتاعب ولا ادري لماذا يقف بي طائر الفكر عند ذكر الطيب الوديع الشهيد شهاب التميمي الذي اسكتته ثلاث طلقات من مسدس مشحون بالكراهية والحقد على رجل كل ثروته حب الناس وكل ما في رسالته خدمة الناس وكل ما في كشكوله جعل نقابة الصحفيين ملاذا آمنا لكادحي الفكر والقلم الباحثين عن سعادة الآخرين قبل سعادتهم والعاملين من اجل المظلومين والمعذبين أكثر مما يعملون من اجل أبنائهم وزوجاتهم وأمهاتهم وآبائهم ورحم الله رشيد الرماحي.. عندما نسى زوجته تلد في المستشفى ليكتب عن تردي الخدمات الصحية في المستشفى الجمهوري ليتحمل غضب وعربدة وزير الصحة !! 

  • للعبرة والذكرى فقط.. ناصــر الاشكــر و(مينــاء) مبــارك الكبــير !!

    رسالة وصلتني من الأخ الصديق العزيز يوسف الأعرج الباحث والمحقق المقيم في ميشغان بالولايات المتحدة الأميركية يضمنها كلمة صغيرة ومعبرة وهي عبارة عن وثيقة تاريخية عثر عليها في مجال بحثه تتحدث عن علاقة الكويت بالعراق وصلات أهل العراق وكبار زعمائه وقادته بقادة الكويت وساكنيه .

    وناصر الاشكر هو ناصر السعدون باني الناصرية ووالد فالح السعدون ومؤسس عائلة آل السعدون الاعرجية في الناصرية واحد أهم قادة المنتفك وأميرها الأوحد ..  وكان الرجل شجاعا مغوارا.. وقد قاد المنتفك كإسلافه ، الطيبين الطاهرين باتجاه تحقيق استقلال العراق ومقاومة الهيمنة والسيطرة العثمانية والوقوف بوجه المد الوهابي الآتي من نجد .. وقد بادر الشريف ناصر لتأسيس تحالف عشائري لعشائر الجنوب بهدف تحقيق الاستقلال وكان هذا التحالف امتدادا للتحالف الذي أسسه جده ثامر بن سعدون الكبيرة الذي تمكن من انتزاع البصرة من العثمانيين ليتوجه بعدها الى بغداد ، حيث حاصرها وافتتحها عنوة واستتب الأمر له ، لولا  ان العثمانيين يجهزون جيشا كبيرا لم يكن لجيش العشائر القدرة على مجابهته الى جانب ” خيانة ” البعض وتسهيل مهمة تسلل الجيش العثماني من ثغرات عملت في جدار سور بغداد .لقد امتدت سيطرة ثامر باشا السعدون لتشمل جميع أجزاء البصرة واقضينها ونواحيها بما في ذلك ” قضاء ” الكويت وقد فرض الشيخ ثامر الإتاوة على من كان يسكن في الكويت وظل ذلك الأمر قائما إلى 1885 وفي عهد ناصر باشا السعدون أحجم الشيخ مبارك عن دفع الإتاوة فأرسل ناصر الاشكر السعدون ” 1000 ” فارس يصحبهم ، شطر من ابو ذية كتبها هو قال فيه ” الك سايات انه احصيهن وعدهن ” وأوصاهم أن لا يدخلوا عليه إلا صباحا وعندما يصلون إليه يبلغونه فورا ان عليه ان يقوم بتحضير وجبة غداء لألفين حيث ستصل الألف الأخرى قبل الغداء بقليل وبالفعل وصل الألف الثانية وبيدهم الشطر الثاني من البيت يقول فيه : ” وحطنهن لمن ياتي وعدهن ” واخبروه أن هناك الفا ثالثة ستصل قبل العشاء ومعهم الشطر الثالث وقد وصل الألف الثالث فعلا قبل العشائر وبيدهم الشطر الثالث يقول فيه : ” مثل عادا وثمود اكرب وعيدهن ” واخبروا الشيخ مبارك ان الشيخ ناصر سيأتي بنفسه ومعه الألف الرابعة قبل غداء اليوم التالي ومعه ألف رابعة وعليه أن يولم وليمة كبيرة وسيكون قفل الابو ذية معه ، وبالفعل حضر في اليوم التالي ضحى الشيخ ناصر ومعه قفل البيت يقول فيه :

    ”  الك سايات انه احصيهن واعدهن

    ألك سايات انه لمن ياتي وعدهن 

    مثل عاد وثمود اكرب وعدهن 

    لحط طينته أبخده العال بيه ”

    هنا أمر الشيخ ناصر … ” مبارك ” بارتداء “الهاشمي” الذي كانت ترتديه ” أخته ” وان يرقص أمام الرجال .. وفعل “مبارك” ما أمر به غير أن الشيخ ناصر استجاب لـ “دخلة” أخت مبارك فعفي عنه على أن لا يكرر فعلته مرة أخرى .

  • عرب وأكراد وتركمان وكلد وآشوريون .. العراق في غابة الوحوش الكواسر

    في الحلقة الأولى، تساءلنا عن المشكلة في العلاقة، بين العرب والأكراد بشكل خاص وعموم المكونات التي يتكون منها الشعب العراقي.. لاسيما العلاقة بين الشيعة والسنة…. وبين المسلمين والمسيحيين والأديان الأخرى، وفي هذا الجزء نحاول أن نجيب على قدر المتيسر لنا من معلومات واجتهادات وتحليلات، في اطار من الموضوعية والعلمية والنزاهة، ولا غاية لنا غير ان نسهم في ما ينبغي على مستوى ترصين الانتماء الوطني وتأكيد أهمية وفعالية الهوية الوطنية بعيدا عن الولاءات الطائفية او القومية او الاثنية او المناطقية او العشائرية. 

    يبدو ان هناك عاملين او سببين أساسيين يحكمان مجمل العلاقة العربية الكردية في العراق:

    الأولى: انعدام الثقة واستفحال ظاهرة الشك.

    الثانية : الجهل بما سيأتي، اي انعدام وجود النظرة المستقبلية والحكم على الظواهر والمظاهر والحوادث بمنظار أني يعتمد على ما متيسر من افتراضات وتوقعات وتفسيرات قاصرة او باستخدام وسائل وأساليب بدائية في التحليل والاستنتاج وإسقاط قدرات وطاقات غير مرئية.. في لحظة اعتماد الموقف من الطرف الآخر.

    المؤكد، ان هناك خشية متقابلة تحكم العلاقة بين الأكراد والعرب في العراق فالاكراد يخشون الدكتاتورية وما يترتب عليها من تهميش وتغييب وترتيب في سلم الموطنة التي تبدأ وفق منطق الدكتاتوريين من الدرجة الممتازة التي هي حكر على من ينتمون الى الدكتاتور عشائريا ومناطقيا وحزبيا وقوميا ومذهبيا ودينيا، ثم الدرجة الثانية لاصحاب المصالح والمتنفذين والانتهازيين وماسحي الاكتاف ودافعي الرشا واصحاب الليالي الحمراء، ثم تأتي الدرجات تباعا ولايجد الاكراد انفسهم الا وهم في اخر سلم الترقيم!! 

    تقابل هذه الخشية خشية عربية من جنوح الأكراد الى التقسيم والتفكيك والانفصال وهنا، حل الشك والريبة محل الثقة، والظن محل الاطمئنان، ولا يمكن ان تكون الامور على غير ما الت اليه اخيرا، لو ما يكن هناك من سمح لأولئك الذين حاولوا ويحاولون بشتى الوسائل والاساليب تعكير اجواء العلاقة وتسميم المناخ العام وتلغيم أو تفخيخ القضايا بأحاجي وتلميحات وتصريحات وتصرفات وكتابات هنا او هناك بشكل مباشر او غير مباشر بأشعة الأكاذيب والتلفيقات واطلاق الاشاعات وفبركة المعلومات الكاذبة، وكل ذك من اجل زرع العبوات الناسفة في طريق التفاهم والحوار وتبادل الرؤى والنقاش وتعقيد القضايا وتصعيب الحلول، وكل ذلك صادر من اعداد الاخوة الكردية العربية في اطار العراق الواحد، حيث كانوا ولازالوا هؤلاء الاعداء وباستمرار لايستهدفون من وراء هذا العداء تكريس توجهاتهم المنحرفة وحسب، بل وايضا ابقاء العراق بقرة حلوبا لهم مستفيدين من غياب الاجماع على مقاومة الهيمنة والسيطرة الدكتاتورية، ونجد مصداقية ذلك في أن فرصة تاريخية واحدة أتيحت للعراق من خلال تعاون وتعاضد وتآزر العرب والأكراد وكل المكونات الأخرى، انجبت نظاما تعدديا اتحاديا ديمقراطيا فتح الأبواب على مصاريعها باتجاه التقدم النمو والتحول الكبير على كافة الأصعدة والمستويات غير أن ذلك لم يسلم من كيد الكائدين اللذين دبروا أمورهم بليل، وجمعوا قدراتهم وهيأوا وسائلهم واساليبهم لاستئناف جهودهم التخريبية. 

    البعض يصب جام غضبه على ما يصفه بـ (نظرية المؤامرة) معتبرين ان الذين يتحدثون عن مؤامرة أو ما دبر بليل غير علميين وغير موضوعيين وهم ضحايا وهذا غير موجود إلا في مخيلاتهم اسمه المؤامرة، اقول ان هذا البعض الذي ينبغي وجود المؤامرة هم من المستفيدين من هذا النفي، والفائدة تتجسد في استغفال الشعوب، وتنويمها على اساس  ان لا احد يتآمر عليها وان كل ما يقع لها من شر وخير هو من صنعها ومن فعلها! 

    هكذا و بسهولة، يريد القاتل اقناع القتيل بأنه هو الذي قتل نفسه، وعليه ان لا يسأل عما تفعله قطر وما سبب تدفق الاموال السعودية على العراق وبارقام فلكية ولماذا وكيف تواصل من إسرائيل عمليات شراء الأراضي في العراق، وما سر تواجدها الكثيف في السفارة الأمريكية بالمنطقة الخضراء وفي مناطق مختلفة من العراق وما سر التحركات المشبوهة لساسة عرب خليجيين وغيرهم وما يجري في الخفاء من محادثات وحوارات، الشيء الوحيد الذي ربما نتوقع ان يتوافق مع ناكري وجود المؤامرة، هو استخدام تعبير، الخطط او البرامج او السيناريوهات المعدة، وليس بين الاثنين اختلاف الا في التعبير.

    العراق الان مستهدف لاينكر ذلك الا الضالع في المخطط المؤامرة ووسيلة الوصول الى اهداف الاستهداف هو ما يجري الان على مسرح الاحداث في العملية السياسية فكلما يتضح ان المتآمرين على امن وسلامة العراق ومستقبل وجوده الواعد وجدوا التربة الصالحة لنمو طفيلياتهم وبكترياتهم.. وجدوا السماعين لما يقال لهم دون ترو وادراك وفهم جميع وهكذا بتنا على كف عفريت.. ومن مهازل القدر، ان من يتآمر علينا ويبذر بذور الفتن والاضطراب بيننا هم سقط المتاع. 

    التجارب تقول وتؤكد ذلك.. الحكمة والمنطق والعقلاني ان البناء صعب والتخريب او التدمير سهل جدا من حيث متطلبات وتكاليف التنفيذ ومن حيث الحاجة المطلوبة للابقاء على زخم عملية التدمير والتخريب بشكل متصاعد ومتواتر، بينما نجد ان البناء والتشييد والفعل البناء باتجاه خلق الحالة الأفضل والأحسن يحتاج إلى قدر يتناسب طرديا مع طبيعة ونوع الهدف المراد الوصول اليه، بل ان الأمر قد يتطلب أحيانا ثمنا باهظا جدا لا يتوقف عند التضحيات المادية بل يتجاوز ذلك إلى التضحيات البشرية والمعوية والاعتيادية.

    الذي اريد الوصول اليه هو ان الانتباه لما يجري بعين الحذر واليقظة وبعين فاحصة مدققة هو الذي ينبغي ان يكون المعيار والذي توزن به الافعال والاقوال والخدمات والنصائح المقدمة، فليس كل شيء معسل وكبراق وناعم الملمس مطلوب ومقبول ومفيد فثمة من يخوض السلم الزعاف بين تجاويف خيوط الحرير او في العسل وكل المتآمرين هم في الواقع من أولئك الذي يملكون جيوشا من عسل .

    الحقيقة التي ينبغي ان تكون هي الاساس في التميز بين الطالح والصالح بين الاسود والابيض، هو العلاقة العربية الكردية والاقليات القومية الاخرى فاي اتجاه او مسعى يتعارض او يتقاطع الان او في المستقبل مع هذه الحقيقة الثابتة هو مؤامرة. ذلك.. أن هذه العلاقة لم تحصل نتيجة وجود مفتعل يعكس مصلحة وهي بذلك وجود تراكمات فيه جهود تاريخية هي حصيلة تضحيات وافعال ومواقف بالغة الصعوبة وعالية التكاليف حصلت نتيجة بناء وتشييد وتعمير وترميم استلزم ايجادها مساحة زمنية كبيرة ووعيا عقائديا وثقافة تسامحية بناءة تستند على اصرار نابع من قناعة على تحمل المصاعب واتعاب الاثقال والاجهاد مع قدرة الدفع باتجاه الافضل وتحمل الاذى والضرر.. ولم يكن ما حصل، حصل في فراغ بل هو حصل في اطار التحديات والجهود المستخدمة والتآمر المباشر وغير المباشر، غير ان احكام البناء وصلابته والاصرار على الدفاع كان من بين أهم الاسس التي انطلق بها ومنها الأكراد والعرب للدفاع عن اخوتهم الثابتة والقائمة على معايير وثوابت لا يمكن ان تتغير او تتبدل، ليس لانعدام البديل بل لانعدام السبب الدافع الى ذلك فهذه العلاقة التي وجدت من اجل ان تبقى، تمثل ومثلت على الدوام احدى اهم الحاجات الاساسية لبناء عراق مقتدر صلب متماسك هو نتاج جهد الجميع دون تمييز وتفريق.

    اذكر ان مجلسا ضمني مع عدد كبير من الشخصيات العراقية في دار المرحوم الدكتور عبد الله سلوم السامرائي في أيام عام 1975 وكان احد الحاضرين المرحوم طاهر يحيى والمرحوم يوسف الخرسان والاستاذ المحامي عاد تكليف الفرعون والأستاذ المحامي عباس الجابري والدكتور عبد الستار الجميلي وغيرهم كثيرون، ذكرت منهم من تذكرت من باب الاستشهاد وليس الحصر وكانت الأنباء الساخنة تتحدث عن انهيار الثورة الكردية بعد اتفاقية الجزائر عام 1975 وفي لحظة قطع المرحوم طاهر يحيى سكون الجالسين معلقا على مناظر الأكراد وهم يسلمون أسلحتهم للجانبين العراقي والإيراني ويرسلون بقوافل لا احد يعرف إلى أين هي ذاهبة فقال بانزعاج وغضب : كان بودي ان يكون التعامل مختلفا عما أراه، كان ينبغي ان يكون التعامل بعيدا عن التشفي والتعالي فنحن لم ننتصر، المنتصر الوحيد هي إيران، وبهذه الأعمال الصبيانية نؤسس لما سيأتي وما سيأتي سيكون أشد وبالا فإيران لم تكتف بما اخذته وستعود ثانية  لاستغلال ما فعلناه الان.. فرد احدهم، ولكنه انتصار حقيقي على “تمرد”، فرد بسخرية: الحكومات لا تنتصر على شعوبها، ومن يفكر على هذا النحو يفتقر للانتماء الوطني، لأنه غريب عن شعبه.

    تلك هي الحقيقة، انك عندما تختلف مع أخيك ينبغي أن لا تذهب باتجاه قطع كل ما يربطك به ويوصلك بكيانه ووجوده، فذلك أمر يقع خارج إطار إمكانية تحققه هذا هو بالضبط جوهر العلاقة بين الأكراد والعرب في العراق، فهم إخوة في كل شيء، وهم وجدوا لكل شيء,  إذن فلا ينبغي تحميل الأمور أكثر مما تتحمل.. ولا ينبغي ان نكون سماعين لما يقال من قبل البعض فهذا البعض يتواجد في كلا الطرفين مدفوع له الاجر سلفا من اولئك الذين يزرعون الفتن من اجل تدمير العراق، فيتبرقع ببرقع الغيرة على الاكراد او على العرب، فيعلن ان القيامة قامت وان الاكراد يستحقون الذبح وان العرب ينبغي أن يبادوا ويقتلوا من خلاف وان الاكراد غرباء ويجب تطهير الشمال الحبيب منهم. وعلى هذا المنوال بدأت وتستمر الفضائيات والصحف الصفراء ومنابر الغش والوقيعة وبالاعتماد على البسطاء والاميين والمغفلين من الأكراد والعرب، في حملة منظمة ومرتبة تقول إحدى قصص الف ليلة وليلة، ان ثلاثة إخوة ترك لهم والدهم ثروة طائلة.. وكانوا على قدر كبير من الترف والعيش الرغيد كان بينهم أخ طماع فأراد ان يستأثر بما ترك والده من ارث فذهب إلى شخص يستشيره لعله يعطيه الفرصة السانحة فقال له، هل تريد ان تخلص نهائيا من اخويك؟ قال.. بلا فقال له فرق بينهما واكثر من القيل والقال وسأمدك بعدد من النمامين والوشاش والقوالين وبالفعل حصل ما اراد الناصح فانقلبت الإخوة الى عداء واخوهما يرمي المزيد من الحطب كلما مالت النار الى الهدوء وفي ذات يوم اسود ارتفعت حدة العداوة وتفجر الموقف وصار السلاح هو الفيصل والحكم، وبدا الناصح ينصح أخاهما ان يدخل بينهما للمحاجزة، وماهي اللحظات حتى انجلى الموقف وإذا بالإخوة مضرجون بدمائهم على الأرض تاركين الناصح يستأثر بكل شيء وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح!! 

     

  • عرب وأكراد وتركمان وكلد وآشوريون .. العراق في غابة الوحوش الكواسر

    ليس هو كلام يقال من اجل المجاملة، أو هو سرد في أحاديث تجري على عواهنها، أو هي هواء في شبك، والمعاني فيها باهتة كأوراق أشجار الاسكيمو، بل هي الحقيقة ورودها تأكيد لواقع وتكريس لقناعات وتأسيس لمواقف وعناوين لرأي ثابت عايشني وعايشته منذ أن كان الخوض فيه والبوح عنه يسبب صداع مستديم بأقل الافتراضات ضررا وبأسوأها ألما ووجعاً.اذكر هنا أن لي صديقا في أربيل لا اعرف ان كان يرضى أن اذكر اسمه أو لا.. بعث لي برسالة في أواسط التسعينات من القرن الماضي، بيد شخص يثق به، يخبرني فيها بأشياء كثيرة عنه وعن أوضاع كردستان ويذكر انه الآن في أتم الصحة والعافية والفضل يرجع بعد الله لابن اخ لي هاجر الى اربيل وفتح عيادة له هناك ونال من خلالها الشهرة والسمعة الطيبة وقال انه وجد لديه العلم والدراية والمعرفة والمفهومية، وانه تعرف عليه وعرفه بنفسه، وطلب منه أن لا يتردد في مراجعته بأي شيء يحتاجه مؤكدا له: انه عمٌ له تماما لا فرق بيني وبينه ثم أخذ يعتذر عن انقطاعه فترة عن الكتابة لي مؤكدا أنه يدرك تماما حراجة موقفي في الوقت الحاضر ثم يقول: “اعرف انك تشبه المثل القائل “مكروهة وجابت بنت” أي المرأة المكروهة من قبل زوجها وولدت له بنتا” وأوضح : “أنت شيعي” وفي نفس الوقت فأنت “تحب الأكراد” وتتعاطف معهم وقدمت لهم أشياء كثيرة ومهمة ليس في وسع الأكراد نسيانها او تجاهلها فقلمك بالنسبة لنا معين لا ينضب في الإخوة الحقيقية والإنسانية السامية والوطنية الصادقة إلينا!! 

    أضحكتني الرسالة وأفرحتني، رغم أنها سببت التوتر والانزعاج لزوجتي التي راحت تضرب أخماسا بأسداس حول ما إذا كان “الكاكه” الذي حمل الرسالة لي، نزيها وليس “خطا مائلا” غير أني تركتها لهمومها التي فيها شيء من الواقعية، وانصرفت اذكر أياما جميلة عشناها معاً قضيناها في سفوح وذرى جبال أربيل والسليمانية ودهوك حيث اكلت لاول مرة “الجوز” الأخضر وعرفت كيف اميز بين “جوز” شقلاوة وفي غيرها وأدمنت على عسل الجبال ولبن أربيل الذي كان يأتيني منه بين حين واخر “قدر” مملوء حتى تجمعت لدي منها عدد كبير ورفض أخذها فاستفادت منها أمي رحمها الله في طبخ “قيمة” الحسين في عاشوراء.

     اعود لأصل الموضوع الذي اتناول فيه العلاقة بين الاكراد والعرب في العراق على وجه الخصوص وبالتحديد وصلب التأكيد على هذه العلاقة التي ضاعت او كادت تضيع مع الأسف حقائقها وتوصيفاتها وكينونتها وسط ضجيج وهوس العابثين المغامرين الذين وصلوا الى مقاليد السلطة والتسلط بالقوة فأساءوا اكثر من مرة لأنفسهم أولا ولبلدهم ولمكوناته فضاعت قواعد وأسس وحيثيات العلاقة التي أصلا، أساس التكوين وجوهر الصيرورة، بدونها لا تنهض الثوابت ولا يكون البتة أي وجود منفتح باتجاه التطور والرقي وهو أن الوقت قد حان الآن وليس غدا، لمناقشة هادئة وموضوعية لهذه القضية.

    لقد ضاعت سدى تلك الحقيقة طوال عشرات السنين تحت اطنان من الكذب والتزوير والتلفيق الذي أسهم في بناء معتقدات وأوهام وظنون وشكوك لها أول وليس لها آخر، ورغم أن هناك الكثيرين على طرفي الواقع، حاولوا بجهد واجتهاد طوال الوقت ان يزيلوا “صواعق” التفجيرات، واذابة ما علق بأذهان الجميع هنا او هناك بظنون وتصورات وتخيلات وافتراضات، بيد أن الفشل كان يتسلل عبر فجوات وشبابيك وابواب وثقوب، عملت منذ زمن بعيد، وظلت تفعل فعل مرض “الكساح” مدمر غير انه ليس مميتا.

    اذكر مرة دار بيني وبين صحفي فرنسي مختص بشؤون الشرق الأوسط ويعمل في جريدة “اليغيغارو” منذ أكثر من ثلاثين سنة، حوار طويل انقل منه هذا القول وبالحرف الواحد: 

    ـ تأكد يا صديقي، ان الذنب ليس ذنب احد غيركم العالم كله مكونة دولة من مكونات دينية وقومية واثنية ومذهبية متعددة ومتنوعة واراهن انك لن تقدر أن تعطيني ولا دولة واحدة في العالم تخلو من التعددية والتنوع ومع ذلك فليس هناك شبيه لكم… انتم سبب المشكلة وانتم السبب في تفاقمها وانتم ضحاياها.

    ـ قلت ولكنك أسقطت تدخلات دول الجوار ومحاولاتهم لتصدير مشاكلهم الداخلية إلينا!!

    ـ نعم اعرف ذلك تماما.. واعرف ايضا أن من ينام بلا ابواب عليه ان لا يلوم اللصوص بل يلوم نفسه.. والأبواب التي اعنيها ليست حرس الحدود وقوى الأمن وأسلحة الدمار الشامل.. بل اعني ان لا تترك اولادك يعانون من عقدة الشعور بالنقص، وعقدة الخوف منك.. ليتقبلوا ما يوحي به جارك بإعجاب ونهم ورغبة.. إن من يرضي “زوجته” عليه أن يثق بأنها لا تنظر لغيره.

    في هذا الاطار وتناغما معه، اذكر يوما جمعتني جلسة نقاش وحوار مع عدد من المثقفين الأكراد منهم المرحوم المحامي نجيب بابان الذي تمتد صداقتي به إلى عام 1964 وكان في بداية حياته في المحاماة وكانت المناسبة هي الاحتفال بالذكرى الثانية لاتفاق 11 آذار وكان الحديث يدور حول علاقة الأكراد في العراق بإيران فراح احد الجالسين يشن هجوما على القيادة الكردية متهما إياها بالعمالة لإيران وبهدوئه المعروف واتزانه الثابت قال المرحوم نجيب بابان وهو يبتسم: “لو كان لنا هنا من يرحمنا لما فتشنا عن أبواب نهرب منها وقت الضيق” واختتم قائلا “إذا كانت لنا علاقات بإيران أو بغيرها فسببها انتم”.

    ما أريد أن أصل اليه، هو ان لا نعلق مشاكلنا على شماعة غيرنا، سواء كانت ايران او تركيا رغم أن علينا ان نعترف رضينا أم لم نرض، إن ما يجري الآن على الساحة الكردستانية كاملة في ايران والعراق وتركيا وسوريا هو حرب، بكل ما في هذه الكلمة من معنى جزء منها ظاهر او أجزاء غاطسة في بحور السياسة التي تنهض الآن على مبدأ “صراع الاحتمالات” لإعادة صياغة الواقع في هذا الجزء من الشرق الأوسط وفق متطلبات أجندة قيام الشرق الأوسط الكبير بقيادة إسرائيلية.

    كان من المفترض، أن يشكل عام 2003، تحولا جذريا ومهما في سياق العلاقة الأخوية بين العرب والأكراد بشكل خاص وعموم المكونات والأطياف التي يتكون منها الشعب العراقي، بيد أن الرياح جاءت هذه المرة أو كعادتها معنا، بما لا تشتهي السفن.

    إن ما حصل في الماضي، حصل وانتهى ولا ينبغي أن يشكل في أي حال من الأحوال عقدة كساحية مدمرة والآن هناك إمكانية ومتسع من القدرة في إطار ظروف مواتية لاصلاح ما افسده الدهر واعادة المياه الى مجاريها، طبعا ليس ولا منطقيا افتراض ان الاساءات التي حصلت ولحقت بالعلاقات العربية الكردية هي من صنع طرف واحد، كما ليس صحيحا جعل خطأ الفرد وكأنه خطأ جمعي، والصح المطلوب هو التركيز بالعمل المتواصل على الثوابت المبدئية والأخلاقية والوطنية في العلاقة وليس ماطرأ الفعل ملابسات هي بالقطع وليدة اوضاع شاذة رافقت قيام الحكم الوطني في العراق منذ عام 1920، ارتكزت على الانفراد بالسلطة والتفرد وتغييب الاخر لاسباب واعتبارات طائفية وعنصرية تحولت فيما بعد الى نخبوية طائفية ثم عائلية طائفية واخيرا مناطقية عائلية حزبية وطائفية، وفي كل ذلك كان القاسم المشترك الطابع الديكتاتوري الاستبدادي الغارق في النرجسية والغرور والتعالي.. وبين الحين والاخر يلجأ النظام الى التحايل والتضليل والخداع فيتلاعب بالمشاعر والهويات والثقافات والانتماءات المذهبية والقومية والاثنية فمرة يدعي ان العرب هم الاكثرية والاغلبية فيهم.. عندما يكون الحديث مع الاكراد والأقليات القومية الاخرى.. ومرة يقول للشيعة انهم ليسوا اقلية، بل هو قد يصل إلى ما يقارب عدد الشيعة فيضمّ معه الأكراد والتركمان باعتبارهم سنة وهكذا كان وباستمرار ما بني على الباطل باطل. فانعكس على طبيعة وجودهم التي اتسمت بالضغط والهزال والتردي مضار كل همهم السعي لإشعال فتيل العداء العنصري الطائفي، فشرعوا يحيكون الاحابيل والحيل والأضاليل من اجل دق الأسافين المكرسة للكراهية والبغض والحقد.. وجرى حبك وفبركة القصص التي تتحدث عن كراهية كردية للعرب ورفض كردي للعرب العراقيين أيا كان موردهم او موقفهم او رأيهم. 

    ولعلي ليس كعادتي هذه المرة، فلا اريد ان اطلق العنان لمشاعري وعواطفي خشية ان تسحبني إلى ما لا يناسب الظرف الراهن، بل هذه الساعات الحساسة التي نعيشها نحن شعب: العرب والاكراد والتركمان والكلدواشوريين من مسلمين شيعة وسنة ومسيحيين كاثوليك وبروتستانت وسبتين وارمن وتكليف وكلدان وسريان، وغيرهم ويهود ويزييدين وصابئة، وغيرهم. اقول ان مودتي ومحبتي واحترامي للأكراد لن تدفعني لان أبالغ في ما اقوله عنهم، في إطار كونهم مواطنين عراقيين مخلصين لا شابئة وليست هناك دالة واحدة تدل على عكس ذلك، هذا لا يعني ان ليس فيهم ما في اخوتهم العرب فليس هناك زور يخلو من واوي كما يقال. إن في وسعي ان اقول حقيقة مؤكدة عشتها منذ عشرات السنين.. وهي انهم كانوا ومازالوا ينبهون الى ان الجميع عراقيون أولاً وقبل كل شيء فأن من يرى نفسه “ناقصاً” لا يكتمل إلا بأجزاء له في الخارج، لا يمكن أن يكون قد فهم الانتماء إلى العراق فهما صحيحا فمن يشعر بـ” نقص” عليه ان يكمله من داخل الوطن ففي الوطن تكمن عراقيته الحقيقة وليست العراقية الزائفة.. نعم هناك ممن يحلم بأمته الكردية الواحدة وبدولته الكردية ورغم أن ذلك حق مشروع كما هو حق مشروع للعربي العراق أن يفكر ويحلم بدولة عربية واحدة وامة عربية واحدة، بيد ان الواقعيين المنطقيين لا يسقطون حقائق الأرض من حساباتهم لذلك فالانتماء للعراق ليس قضية مزاجية أو وقتية بل هو واقع ثابت ومؤكد لا يمكن ان يتغير او يتبدل بالاماني والاحلام.. على اننا ينبغي ان ننبه هنا الى حقيقة أن هناك ماهو أسوأ اذا لم نتعامل مع حقائق الواقع بوعي ويقظة وانتباه فما يجري الان في المنطقة خطير جدا.. انه صراع محتدم إن يكن حربا طاحنة بين العثمانية الجديدة والفارسية والمحور الامريكي الاسرائيلي القطري السعودي.. ووقود هذه الحرب الشعوب الصغيرة ذات الإمكانيات المحدودة والقدرات الضعيفة كما يحصل الآن في سوريا وما حصل في العرا وما سيحصل فيه مستقبلا ولا يستثنى من ذلك اي مكون من مكوناته واي طيف من اطيافه.. فتركيا حب هذه بكل ما لديها من اجل تصحيح اوضاعها الاقتصادية والديموغرافية والسياسية، بضم الاكراد في العراق اليها وإيجاد حزام امني بينها وبين علويي سوريا يمنع الاتصال والتواصل بينهم وبين العلويين في تركيا، كما يمنع الاتصال والتواصل بين الأكراد والطموح في الوصول الى البحر عن طريق الاسكندرونة او طرطوس. 

    ان تركيا بما لديها من ستراتيجية جديدة لا تفكر الان الا في اعادة رسم خرائط المنطقة بما يحقق لها: 

    1- الامن والاستقرار بإجهاض حركات كردية مسلحة كحزب العمال الكردستاني وكذلك انهاء التمردات الداخلية وإجهاض فكرة تطوير تلك التمردات الى كفاح مسلح من اجل الحصول على الحقوق التي حصل عليها اخوانهم الأكراد في العراق. 

    2- كان حلم وأمل أكراد تركيا في انتماء تركيا إلى الاتحاد الاوربي، اما الآن وبعد ان تبنت تركيا ستراتيجية الانفتاح باتجاه الجنوب وبتعاون تحالفي مع إسرائيل فقد تبخر كل شيء وأضحى الوضع يهدد بتطهير عرقي حقيقي من دون استخدام اسلحة دمار شامل خصوصا بعد أن أصبح إخوة الأمس حراس اليوم على حدود غير مسموع فيها ومنها غير اختراق عشرات الطائرات التركية للتدمير والحرق والقتل والابادة والتجسس على الأرض العراقية التي فر اليها من فر هربا من الموت المحقق او التتريك المؤكد.

    3- تأكيد وتركيز التواجد المالي والاستثمار والتجاري والاقتصادي والاستشاري في كردستان والانفتاح باتجاه تحقيق قدرة التأثير على الاوضاع الاقتصادية سلبا وإيجابا وتكثيف العمالة التركية في الكثير من الأنشطة والفعاليات بحيث يصبح اعتماد كردستان العراق كليا على تركيا تمهيدا لربطها ستراتيجيا بعجلة الاقتصاد التركي وبالسياسة التركية تلقائيا ومن خلال ذلك يمكن التأثير على محافظة الموصل وكذلك محافظة كركوك وتحقيق حلمها التاريخي في الوصول إليها باعتبارها مدينة تركمانية ولا يتوقف الحلم التركي عند هذا الحد بل هو يأمل الوصول إلى بغداد وربما البصرة أي كل العراق بلا استثناء ولكن على طريقة القضم وليس البلع. 

    4- ومن الجهة الشرقية، فان إيران ليست اقل من تركيا شهية حول ما هو ماثل أمامها، فهي تملك أجندة خاصة بها لا تعطي فرصة لأي حلم بالخروج من هذه الشرنقة المخيفة تلك هي حقيقة ما يحيط بنا، فأين تقع المشكلة او العقدة التي تمنع تضافر الجهود من اجل بناء عراق ديمقراطي تعددي اتحادي شفاف عراق شراكة حقيقية صادقة مخلصة؟ هذا ما سنتطرق اليه في حلقة أخرى بعون الله. 

  • صرخة قبل فوات الأوان.. من يحمي أنساب آل البيت (عليهم السلام ) من التخريب والدمار والغش؟!

    كثيرة هي التلفيقات والأكاذيب والتدليسات التي نطلع عليها هنا او هناك، خصوصا بعد ان وجد بعض ضفاف النفوس والباحثين عن السحت الحرام فرصتهم من خلال الانترنيت للمتاجرة في انساب الناس وعلى نحو غير مسبوق وبشكل مخجل تماما، فيما راح البعض الآخر يؤلف الكتب في تهويمات وأراجيف كاذبة.

    طبعا علينا من حيث المبدأ ألاّ نحمل المزورين والكاذبين والملفقين مسؤولية تفاقم مشكلة التزوير بالأنساب والعبث بها، فمشتري النسب هو الآخر الوسط الذي تنمو فيه هذه الطفيليات الحقيرة ويزهر نشاطها التخريبي فالمشتري شخص يبحث عمن يقوده إلى تحقيق غرضه الدنيء عبر الدخول إلى نسب الآخرين والادعاء، بان النساب، هو الذي “حقق” وهو الذي يتحمل المسؤولية الأدبية والأخلاقية والشرعية في ذات الوقت فان المجتمع برمته يشكل ثقلا واضحا في الادانة بجرم التواطؤ مع سبق الإصرار والترصد انه يتولى دور: المحفز والمشجع والممول بسخاء لعملية السطو على نسب الآخر ويتولى من يدعي انه “نساب” تبييض عملية اللصوصية وتأطيرها بإطار ” البحث والتحقيق “. 

    وكل ذلك يتم في ظل تجاهل مثير للدهشة من قبل المجتمع ومرجعياته الدينية والرسمية والاجتماعية رغم أن آية الله السيد محمد سعيد الحكيم أفتى بأنه ينبغي الحذر من ادعاءات بعض من يدعي علم النسب حيث ثبت عدم دقة البعض منهم “جاء ذلك في رسالة نشرت في احد كتب أدعياء النسب، ممن أراد بها ان يسبغ على نفسه صفة “الموضوعية” وان ليس من بين أولئك الذين قصدهم آية الله السيد محمد سعيد الحكيم أطال الله عمره. 

    لقد أضحت قضية الأنساب في يومنا هذا، في الحضيض بعد أن تعدى فيها التزييف والتزوير والتدليس والكذب حدا لا يمكن القبول به والسكوت عنه حيث بات النسب مهنة من لا مهنة له. مهنة العاطلين والمتسكعين والباحثين عن السحت الحرام، مهنة من تجرد من قيم ومثل الأخلاق والحياء والخجل، فصار ينسب الناس كيفما شاء وعلى اي شكل يوصله إليه شيطانه نعم لقد كثر التزوير واشد ما يؤلم ويحزن، ان اغلب عمليات التزوير قد تمت في مشاجرات انساب السادة من الحسنيين والحسينيين ويرجع ذلك لأحد سببين أو كليهما معا: 

    الأول: ان يكون خلف هذه الموجة من عمليات لتزوير نواصب وحاقدين وباغضين وحاسدين وكل هؤلاء لا يروقهم وجود نسب محفوظ بعيد عن دنس الكاذبين وعبث المشعوذين وانه يستند الى الحق والصدق وان لا شائبة عليه ولا شبهة فيه، وقول قائلهم: كيف يكون هناك صدق في انساب السادة وقد دخل فيه من ليس منه ولا علاقة به وقد صاروا حجة للنواصب وسابقة للباحثين عن الجاه ونقصا يدعم الحاسدين والحاقدين في حملات التشهير وتضعيف الثقة انطلاقا من حرص من لا نسب له والمنقطع في ان يعمد إلى تشويه نسب الأصيل بإيجاد المشكوك به والثابت انعدام صلته بالنسب الشريف.

    الثاني: أو ان يكون خلفها الكسب المادي والجاه.

    والأمر هنا برغم أهميته القصوى وخطورته وخصوصيته الا انه متاح وممكن لكل من أمات ضميره وانحدر إلى حضيض اللا حياء.. لماذا..؟ 

    عملية النسب تتم في العادة بين من يقوم بها ” الباحث ” وبين المكلف الذي يقوم بتكليف “الباحث” بالبحث والتحقيق في نسبه ومعرفة الوسائل التي تثبت ذلك، وهناك طرق عديدة اعتمدها علماء النسب ومشايخه وهي أساليب وطرق لا تخطأ أبدا في الوصول إلى الهدف إذا ما كان المستخدم لها ممن يعرفون الله ويقدرون العلم والموضوعية والصدق ويتمتعون بضمائر حية وقلوب نظيفة وأياد بيضاء، أما من أعمته المادة وأماتت إحساسه بالآدمية والقيم الأخلاقية فانه يتبرقع بما استخدمه الثقاة النقاة الطاهرين ليجني المال غير هياب أو وجل أو مكترث لقيم ولشرف ولأخلاق فاضلة، فيدلس ويكذب ويلفق، فيضيف ويحذف ويختلق الأمثلة على ذلك كثيرة جدا، وقد باتت لكثرتها وخطورتها وجسارتها وفسوقها تهدد الأنساب الطاهرة والارومات الزكية الشريفة بالويل والثبور.

    الأمثلة على ذلك كثيرة وأسوأ هذه الأمثلة ما ورد في كتاب الدر المكنون في ثنايا البطون حيث تجاسر صاحبه على النسب العلوي الحسيني الأعرجي بالتحريف والتلفيق من غير علم واضح، ولا دراية مؤكدة وحاول الكتاب بسذاجة عجيبة ان يوجد شياعا عاما من خلال أقوال أناس، لم يقل احد منهم غير أنهم سمعوا فلان أو فلانة قالت أو قال إن.. آل فلان هم سادة، ولم يكلف نفسه مشقة إثبات هذه الادعاءات بالبنية والدليل القاطع والحجة المؤكدة.. وراح في سياق مضلل يضع فتاوى العلماء والأعلام حول هذا الموضوع لخداع ذوي النوايا الطيبة والحسنة من البسطاء وعلموا ان العلماء والإعلام “الشيخ بشير النجفي والسيد محمد سعيد الحكيم ومكتب السيد الخامنئي لم يعطوا رأيا في أمر يجهلون أولياته وبداياته وهم ليسوا جهة تحقيق او بحث، بل هم جهة تعميم وإرشاد وتوجيه وتبصير، ولذلك ابدوا وجهات نظر فيها الشيء الكثير من التبصير وألفات النظر لما ينطوي عليه النسب من أهمية قصوى تستوجب الحذر والقه والحرص الشديد القائم على المعرفة والنزاهة وتقول الله.

    اننا لا نستبعد ضياع الكثير من البطون والأفخاذ بل إن ذلك أمر ثابت لدينا، غير أن الصعوبة المطلقة تكمن في كيفية الجزم القاطع المبني على العملية والموضوعية والصدق بان هذا البطن او ذاك هو المعني فإذا أخذنا تشابه الأسماء معيارا فهذا أمر غير وارد.. اذ ان الواقع المائل إمامنا زاخر بالأسماء والألقاب المتشابهة دون أن يكون ذلك دلالة التطابق او التشابه النسبي فآل إبراهيم في المشخاب هم ليسوا آل ابراهيم في الناصرية، فالذين في المشخاب نخعية يمانية اما الذين في الناصرية هم عدنانيون، وربيعة الكوت ليسوا كربيعة الموصل فالأولى عدنانية والثانية طائية قحطانية، وشمر شمران : عدنانيون وقحطانيون والامثلة كثيرة جدا فالأخذ بهذا التشابه وتأسيس نتائج تقود الى الاعتقاد بوجود علاقات نسبية، كارثة مؤكدة، فالحمزات والشيمات والشبانات وال غرار والمهانية وال بو علوان وال خليفة.. وغيرهم من المسميات الاعرجية لبطون مفقودة لا نملك دليلا علميا موضوعيا صادقا يقودنا الى التعرف عليهم وتشخيص صلتهم النسبية الحقيقية بالعمود النسبي الأعرجي وطالما الامر هكذا، فالنفي ادعى من الادعاء بالتحقق فضياع النسب رغم كارثيته امر قائم لا سبيل الى نفي وجوده وكذلك لا سبيل الى “اختلاق” وجوده بالتوسل بوسائل غير علمية وغير صادقة فالأنساب “حفرة من حفر النار”.

    إن ضياع الأنساب، ظاهرة حقيقية وواقعية يعاني منها تاريخ الأنساب عموما والعلوية خصوصا وذلك لأننا امة لا تدون فالأنساب تحفظ شفويا ولا تكتب وفي ذلك عذر معتبر، فالعربي حريص على ان لا يملك إلا ما خف حملة.. لانه يعتمد حياة الحل والترحال وقد سبب ذلك فقدانه الى وسائل حفظ المدونات فاعتمد على الذاكرة في الحفظ وصار هناك حفاظ نسب يسمونهم بـ”حفاظ” يحفظون الأنساب ويعلمون غيرهم على التواصل معهم ليتولوا الأمر بعد وفاتهم غير ان لهذا الأسلوب الكثير من العيوب فالذاكرة تخضع لمبدأ القوة والضعف على مدى العمر والمرض وأمور أخرى كثيرة هذا فضلا عن صعوبة أخرى تتعلق بطبيعة الأسماء العربية، فالتشابه بينها كبير جدا فـ “محمد ومحمود وحمد وحميد واحميد وحسين وحسن وحسنين وحسون وحسان ومحسون” وغيرها كثير، تجلب الوهمة والشبهة على ذاكرة الحفاظ مهما بلغت هذه الذاكرة من القوة والكفاءة خصوصا وان الحفظ يتطلب ان يكون الحافظ أميا “لا يقرأ ولا يكتب” فكلما كان الحافظ اكثر امية كلما صار اكثر قدرة على الحفظ، وهذه الأمية سلاح ذو حدين فهي تسهل عملية الحفظ لفراغ الذاكرة من المشاكل الفكرية، غير أنها في نفس الوقت تجعل صاحبها لا يفرق بين الاسماء بخلفياتها التاريخية والوقائعية المتشابهة والمختلفة، ويختلط لديه الزمان والمكان فيبدو البعيد قريبا والقريب بعيدا في الزمان والمكان.

    على أننا ينبغي ان نشير هنا الى انساب العلويين حفظت رغم كل محاولات البعض الإساءة إليها بشكل او بآخر.. بقصد او بغير قصد.. وكان اول من تصدى لهذا الامر ابو الحسن يحيى النسابة حيث ألف كتابا عن آل ابي طالب في 430 هجرية وملئت الفترة من 430 الى 800 هجرية بعدد من المؤلفات القيمة في هذا الصدد حول نسب الهاشميين والعلويين غير ان ما اقدم عليه ابن عنبه في عمدة الطالب أسس لما سيأتي ثوابت وقواعد واعمدة، اخذ منها كل ما جاء بعدها.. ونهض بها علم النسب بقواعده وثوابته المعروفة.

    ان سلامة النسب العلوي وبشكل خاص “الحسني والحسيني” من الشرك والفواحش ولؤم الأحساب وصدق التسلسل وخلوة من الشك والشبهة في النسب العلوي لزعزعة القبول الاجتماعي لال البيت وذريتهم الطاهرة لقد ظهر الحسد او التحسس من النسب العلوي “الحسني والحسيني” والهاشمي عموما في وقت مبكر جدا ترجعه بعض الوقائع الى عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث يروى ان بعضهم وجه قولا لعمة الرسول عليه وعلى اله الصلاة والسلام: “إن قرابة محمد لن تغني عنك شيئا الأمر الذي أثار غضب رسول الله “ص” إلى درجة جعلته يعقد اجتماعا عاما طارئا للمسلمين ليرقى المنبر منددا بهذه المقولة ومكرسا لحقيقة أن للقرابة فضل المكانة المرموقة عند الله والتي لا تزول إلا بزوال القدرة على صيانتها بقوله “ما بال أقوام يزعمون ان قرابتي لا تنفع.. ان كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة، الا سببي ونسبي وان رحمي موصولة في الدنيا والآخرة”.

    وقد ندد صلى الله عليه واله وسلم بهذه الظاهرة مرارا وتكرارا، حيث روي عنه العديد من الأقوال والأحاديث المتواترة التي تحذر من الحساسية او التحسس او الحسد من ذرية آل محمد مؤكدا من أراد ايذاءه متعمدا، ذكر آل بيته بسوء.

    إن هذا وغيره يرتبط ارتباطا وثيقا في الفلسفة القيادية المحمدية، المتمثلة بال البيت، من خلال التفويض الإلهي الذي منحته القدرة الإلهية، حيث جسد ذلك الدليل والمعجزة والمؤكدة بما لآل البيت من معجزة تنهض على ما لديهم من قدرة، وبأنهم كما قال جلت قدرته عنهم ومنهم “الله اعلم حيث يضع رسالته” والمراد هنا المساس بالبنية الداخلية والتكوينية التي فطر البيت المحمدي عليها، وهو الأمر الذي جر البعض ممن احتضن الفرع المحمدي الطاهر أو انتمى إليه الى الخوض في مساجلات الفلسفة المشوهة للحقيقة المجردة التي خلق آل البيت من اجلها، فكانوا كما اراد الله مطهرين، أوفياء وقائمين بالأمر الذي هو من عند الله، وهنا حدثت القطيعة التاريخية الكبرى، وذلك في التغييب ألقسري لشخص الرسول الأعظم محمد “ص” وال بيته الكرام وقد تبلور ذلك في اتجاهات ومدارس وتيارات ظهرت عبير التاريخ التي وان تناولها البعض بالتحليل والتفنيد والبحث، الا انها ظلت تقاوم عوامل التعرية والفضح متسترة بستار كونها لم تناقش على الصعيد العقلي والفقهي الفلسفي المعاصر، ولم توضع في ميزان التقييم الإيديولوجي، فأوجدت ما يشبه الانقطاع في التواصل التقييمي والتحليلي لمسار القضية، فبدا الامر وكأنه “حلقة” مفقودة، في تاريخنا الاسلامي الامر الذي حدد قدرة الأقلام على تناول هذه القضية بوضوح بعيدا عن الميول فلم تبرز في تناولها المدارس والاتجاهات الإسلامية، المتعددة ما هو ايجابي من مقاصدها وتعمقها وذهابها الى ما ذهبت اليه بتاثيرة مثيرة للشبهة والريبة بما يظهر دور الدسائس اليهودية في تحريف الكثير من مجريات التاريخ الذي عاشه المسلم، وفي مقدمتها محاولات الدخول في أصول الأنساب والألقاب العلوية والهاشمية لإثارة الكثير من الشكوك حول مصداقية هذا الأنساب.

    إن اعتماد البعض على تشابه الأسماء والألقاب لبعض البطون والأفخاذ مع ألقاب وأسماء أخرى غير علوية او هاشمية هي محاولة لخلط الأوراق وإضاعة الوقائع في خضم اكاذيب مفتعلة وترقيعات بائسة، فحاولوا إدخال “ال سعود” على العمود العلوي الهاشمي، وكذلك حاولوا ادخال الملك فاروق وصدام حسين وياسين الهاشمي والقذافي وآخرين.. كثيرين من قبائل شمر وعنزه وزوبع ودليم وزبيد والخزاعل وربيعة وغيرها… ورغم ان الناس كانت ولا تزال تدرك ان وراء الاكمة ما وراءها.. وان إيغال البعض في تشويه النسب الهاشمي العلوي، كان وما زال وسيظل يهدف الى اضعاف ثقة الناس بهذا النسب وبالتالي ابطال كل المفاهيم والقيم والأسس الفقهية والشرعية والأصولية المترتبة على هذا النسب الشريف، وفي المقدمة المكانة الدينية لهذا البيت ودوره الإيماني والعقائدي والجهادي في أداء الرسالة المحمدية كما أرادها الله سبحانه وتعالى وليس الدافع المادي الذي يركض خلفه البعض سوى المعبر الذي تعبر به ومن خلال الصهيونية اليهودية للتأثير على ضفاف النفوس في الباحثين عن السحت الحرام.

    لقد منح الخطاب الإلهي، القدرة على الاستبصار وحث البشرية على تفهم مبدأ التفكير الحق في الكون والخليقة والإنسان وكان لتاريخ آل البيت القدم الأولى، في جعل الرافد العرفي في الدين معيارا ومساعدا للوقوف مع الإنسان ومنحه حرية مطلقة في التفكير والاختيار. من هنا جاء الدور التخريبي لليهود ولأدوات اليهود وبشكل خاص النواصب للحط من القيمة الجوهرية الصادقة والنزيهة والبعيدة عن الشك والشبهة للنسب الحسيني والحسني بشكل خاص والهاشمي بشكل عام وفي ضوء ذلك نفهم معنى الهجوم الشرس لبعض المواقع في الانترنيت على النسب الحسني والحسيني بشكل خاص والهاشمي بشكل عام، حيث تنطلق هذه الهجمة من خلال شواهد وأدلة وبراهين تستند عليها بالصورة والصوت محبوكة من قبلها بواسطة عملاء لها مرتشين ينفذون ما تريد ليعطوها الدليل الذي تستند عليه في التشكيك بالنسب الشريف لآل البيت.

    إن أحدا مهما بلغ من “التذاكي” والاجرام” المخلل لن يكون في وسعه ان يخدع أحدا بما يريد من أغراض وأهداف مبيتة فكل أولئك الذين وقعوا في أحابيل اليهود وعملائهم، وصدقوا للوهلة الأولى إنهم من آل البيت يدركون تماما أن حبل الكذب قصير، وان الحقيقة ستظهر كالشمس في رابعة النهار وهذا هو الذي حصل وسيحصل مع كل أولئك الذين استدرجوا إلى “دكاكين” النسب ليقعوا في قبضة زمر من المحتالين يطلقون على أنفسهم الألقاب والأوصاف والكنى، وهم في الواقع محتالون فاشلون ومجرمون كاذبون وصفوا لكل خدعة أو احتيال ثمنا فإذا أردت ان تكون سيدا بـ”ثمن” واذا اردت أن تكون من إحدى القبائل او العشائر الكبيرة بـ”ثمن”. وهكذا هنا لابد من ان نواجه بعدة أسئلة مهمة وجوهرية، ترى وماذا بشأن الحكومة.. وهي تدعي حمايتها التاريخ والتراث والأنساب من العبث والتخريب والتشويه والإساءة..؟ ثم وهي تدعي حماية المواطن من الغش والاحتيال.. ولماذا لا يطبق قانون حماية الأنساب..؟ ولماذا تسكت المرجعية وهي معنية بشكل مباشر.. في هذا الموضوع الحيوي، وتقبل حالة من نوع ان من يرتدي “العمة” البيضاء يبدلها بـ”السوداء أو الخضراء” بين ليلة وضحاها دون اي دليل مقنع.

    إن في وسع الجميع الإسهام الجاد والصادق ومن موقع المسؤولية التدخل السريع والحاسم في هذا الأمر، ووضع ضوابط وأسس من شأنها ان تحمي الأنساب وتنهض بعبء التحقق العلمي والموضوعي النزيه في الأنساب والمحافظة عليها وإبراز مضامين تراثها الحقة، خصوصا وأننا في العراق، نمثل مرجعية الأنساب الهاشميين بشكل خاص، وجميع المنتمين الى امة العرب وقد آن الأوان، للتفريق بين النساب المحقق والباحث والضليع، بخلفيات هذا العلم والقادر على استخدام مناهج مختلف العلوم الإنسانية والعلمية، للوصول إلى الحقائق كما هي بعيدة عن الأهواء والغايات والمصالح الشخصية، إن سرقة النسب لا تختلف أبدا عن سرقة المال وبين المشجر الذي تتعدى معرفته بالنسب حدود “التشجير” فهؤلاء وجودهم ضروري ومهم، إذا لم يتجاوزوا احد وعملهم المرتبط بعمل “النساب” أو “شيخ النسب” أو “مصنف الأنساب” وهذه “أسماء” لشخص واحد تقريبا إلا بمقدار امتلاك قدرة البحث والتحليل والتأويل والربط والاستنساخ.

    ان الحكومة والمرجعية الدينية والمجتمع برمته مسؤول، مسؤولية مباشرة ولا عذر لمعتذر مهما كان، والسبب يكمن في ان حكم المجتمع وقيمه ومثله أكثر تأثيرا واقوى تعزيزا.. عندما يمسك المجتمع بها ويرفض التنازل عنها فكيف السبيل إلى تقبل فكرة ان يتحول من شياعه العام من أبناء “العامة” إلى “سيد” بين ليلة وضحاها..؟ نعم ثمة من صيغ حسين ونسبة نتيجة ضياع ما يثبت به ذلك.. ولكن هذه قضية شائكة وصعبة، بل هي من اعقد وأصعب الأمور فعملية إثبات الانتساب لا تتوفر بسهولة ويسر إلا لمن تتوفر لديه الشروط التالية: 

    أولا : وجود أدلة وبراهين .

    ثانيا : شياع عام عريق متواصل غير منقطع .

    ثالثا : وجود علاقات الربط واتصالها بالثابت والمعروف والمتفق عليه. 

    رابعا : التراجم والسير والتاريخ والوقائع .

    وكذلك وغيره ينبغي أن يستند على النزاهة والتقية والإيمان ونظافة اليد وطهارة الجيب وعفة الهدف، من قبل متولي عملية البحث في النسب.. يدرك ما ينبغي ويعرف الحلل والزلل والخطأ فيتجنبهم ولا يقبل لنفسه ما لا يرضي الله والحق والعدل، ذلك هو ما ينبغي ان يكون. 

    إن التقاء: من لا دين له ولا عفة ولا نزاهة ولا خلق قويم.. مع الساعي للحصول على “نسب” شريف كيفما اتفق وبأي صورة من صور التزوير والتزييف وفي أجواء عدم الاهتمام من قبل الحكومة ومن قبل المرجعية مع تجاهل المجتمع وفي بعض الأحيان تواطؤ واضح يخلق حالة مرعبة يكون فيها للتخريب المعتمد والمدمر الدور الكبير بنجاح لا يبارى، حيث تنحدر مصداقية الأنساب إلى أسفل درك وهذا ما تنشده إسرائيل وعملائها في المنطقة.

  • امتلاك عناصر القوة .. بين الهدر المعتمد .. وغفلة الجاهل !!

    في العلاقات الدولية، ليس هناك شيء ممكن وفق المزاج أحادي الجانب.. إلا في حالات محددة ومحدودة منها:

    *امتلاك القدرة والاستطاعة مع توفر إمكانية استخدامهما ضد الآخر. 

    *ضعف الآخر وافتقاره لقدرة دفع الأذى وإمكانية تفادي فرض الهيمنة والتحكم والسيطرة وأسباب ذلك كثيرة.

    *الحنكة القيادية في الجانبين الميداني والستراتيجي، التعبوي والسوقي، والقدرة المتمكنة من إخفاء الواقع والحقائق التي تشكل القوة وعناصرها.. إذ المعروف أن الدولة، أية دولة، تؤثر سلبا أو إيجابا في قرارات الدول الأخرى وفي المسرح الدولي بفعل قوتها، وهذه القوة يعتورها التغير والتبدل، فيتغير تأثيرها تبعا إلى ذلك، خصوصا وان قوة الدول لا تنحصر في الجانب العسكري وحسب، بل هي تشمل كل ما تستطيع حشده لحماية مصالحها وبلوغ أهدافها.

    فالدول لا تفتأ تستعمل القوة بعضها ضد البعض الآخر، أو تلوح باستعمالها، وحتى أن لم تستعملها أو تلوح باستعمالها، فأن مجرد وجودها له تأثير على الدول الأخرى. إذ لا يمكن لدولة ما أن تتجاهل احتمال استعمال دولة أخرى لتلك القوة، فهي تمثل تهديدا محتملا، وهي تلوح دائما بالإيماءات أو بواسطة الخطاب المفتوح. ودرجة استعمال تلك القوة، وفي ضوئه فانك تستطيع أن تملي على الآخر ما تريد، وان تحصل منه كذلك على ما تريد، بيد انك في كلا الحالين تخسر نفسك، لماذا..؟

    بالتأكيد انك لا تستطيع أن تملي على الآخر ما تريد، او تحصل منه على ما تريد، إلا في حالتين: 

    الأولى: أن يكون ضعيفا وأنت قوي، وفرق القوة هو الذي حقق الإذعان وما تحققه القوة في زمان ومكان ما، قد يؤدي إلى فتح باب الاحتمالات ومن ضمن هذه الاحتمالات، تغير ميزان القوة وقد يرتب شيئا مماثلا لما كنت أنت عليه، فتتعرض لما تعرض هو له، فيجعلك مضطرا للتخلي عن كل الذي حصلت عليه بالقوة، فما اخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. هذا الذي قلناه ليس كلاما نظريا، بل هو أمر واقع فعلا فقد خسرت بريطانيا كل شيء بعد إن كانت “بريطانيا العظمى” تأمر فتطاع، واذا بها مستعمرة أميركية، بعد ان كانت سيدة أميركا بلا منازع.

    الثانية: أن يكون الآخر غبيا ساذجا.. لا يجيد اللعب مع الطرف الآخر.. قيد نفسه وقطع الطريق على شعبه، فصار هدفا لأساليب الباحثين عن فرصة السيطرة والهيمنة على المغفلين وما أكثرهم في أوساط الاستبداد بين الدكتاتوريين وأمراء المال وشيوخ النفط.

    لقد نمت وكبرت وتضخمت أوروبا اعتمادا على مبدأ الضحك على الذقون قبل مبدأ “القوة الفائقة” وقد تماثلت قصص الضحك على الذقون، فمن إعلان نابليون إسلامه إلى “لورنس العرب ولينبي ومس بيل الملاية” وغير ذلك الكثير الكثير من المضحكات المبكيات.

    لا أريد أن أقول أن هذا الأسلوب، في التعامل الدولي أو حتى على المستوى الشخصي أسلوب أخلاقي أو انه أسلوب مبرر بل الذي أريد أن أقوله.. أن القانون لا يحمي المغفلين أولا، وثانيا إن من يتولى المسؤولية ينبغي أن يكون مالكا لكل عناصر القوة والسيطرة والتحكم. انه ينبغي أن يستند على عناصر القوة الوطنية ليحمي بلاده وشعبه. وعناصر القوة الوطنية متعددة في المرجعيات العلمية، لكن اغلب مدارس الستراتيجية والعلوم المستقبلية والدراسات السياسية والفكرية قسمت القوة الوطنية إلى أربعة ثوابت أساسية وهي: 

    1 ـ القوة الاقتصادية 

    2 ـ القوة العسكرية 

    3 ـ القوة المعلوماتية 

    وثمة من يضيف إلى ذلك القوة الجغرافية، أو ما يسمى بـ”عبقرية” المكان وهذه القوى تعتمد في الدرجة الأساس على إمكانيات الاستخدام الأمثل، فليس كل من ملك سيفا صار عنترة بن شداد وليس كل من امتلك الحكمة صار سقراط أو أفلاطون، المطلوب هو امتلاك قدرة استشراف المستقبل أو الرؤية الإستراتيجية المستقبلية وهذه الرؤية تعتمد على المرتكزات الماضوية والمستقبلية والحاضر من قوالب المعلوماتية لكون تأطير الابداع والابتكار يتم بالتفعيل التحليلي الذي يبنى على رواس معلوماتية جيدة وصادقة وواقعية موائمة وملائمة ومتزامنة مع المستجدات الحديثة.

    ان الفهم الواقعي لطبيعة وحجم المتغيرات في ساحة الاحتكاك او الصراع او التنافس او المواجهة الساخنة ينبغي ان يؤخذ بنظر الاعتبار عندما يجري التخطيط للمستقبل او وضع الستراتيجية، وهذا امر يتطلب وجود بنى تحتية على قدر كبير من الاحاطة والفهم الدقيق في ضوء ما يصلها من معلومات صحيحة وصادقة وواقعية والا فان ثمة من يملك كل ذلك في الطرف الاخر الذي ليس في وسعه ان يتركنا نعيش لوحدنا في حياة قائمة على مبدأ ان تكون للجميع “سيئين وجيدين” مغفلين وشاطرين، اشرارا وخيرين، ونتيجة ذلك هو ان نعيش خارج الحياة، كما يصفنا مستشار الامن القومي الأميركي ووزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر فالآخرون يستقبلون “المستقبل” وهم مهيئون ومستعدون له، في حين نحن نستبسل المستقبل بمزيد من العزلة عن الحياة والمعايشة الحقيقية والواقعية وحتى عندما تتهيأ لنا سبل استشراف المستقبل كما حصل ذلك في موضوع مستقبل المياه في الوطن العربي وبشكل خاص في الشام وفي ” العراق ” وعرفنا في وقت مناسب خطط اسرائيل كمستهلك لمياه مصدرها العرب، وخططت تركيا، والعرب مستهلكين للمياه التي مصدرها تركيا وايران ونشر الكثير من البحوث والدراسات حول المياه ومستقبلها ومستقبل العرب معها، وكل ما نشر وقيل في حينها ركز على مسألتين اساسيتين:

    الاولى : تفادي الوقوع فيما تعمل كل من اسرائيل كمستهلكة وتركيا وإيران كمصدرين للمياه لمستقبل علاقتهما بالمياه.

    الثاني: وضع الترتيبات اللازمة لمنع تركيا وايران وإسرائيل الاستفادة من المياه بمعزل عن العرب. 

    عقدت من اجل ذلك مؤتمرات قمة ومؤتمرات مسؤولين كبار وخبراء ولم تكن هناك أية نتائج على الأرض، كانت جعجعات بلا طحين، والأمر أن العرب يعانون العطش وإسرائيل في فيضان وتلك مفارقة أخرى مبكية مضحكة بل ان إسرائيل هددت وهي تهدد بتحويل مجرى نهر الأردن وكذلك نهر الليطاني. ايران وتركيا اغلقت او قننتا المياه الواصلة للعراق وسوريا، في حين سوريا ولبنان غير قادرتين على منع وتقنين المياه المتدفقة الى اسرائيل، هي تلوذ بالقانون الدولي المستند على ضعف العرب، وتركيا وايران يستندان على القانون الدولي ايضا المستند على قوة تركيا وإيران قياسيا بالعراق وسوريا، لذلك نرى الامور رغم معرفتنا المباشرة او غير المباشرة لنتائجها مسبقا، تسير من سيئ الى الأسوأ كذلك عناصر قوتنا الأخرى هي نهب غيرنا.

    في عام 1973 وفي أثناء حرب تشرين وبعدها، كانت لدى العرب بعض نهضة أو يقضة فاستخدموا النفط كسلاح في المعركة، ورغم إني لا اميل لمثل هكذا أسلحة تستخدم لإغرام الآخر على التسليم بالحقوق المشروعة غير ان استخدام ما اريد منه، حيث وقف العالم الى جوار الحق داعما ومؤيدا او مناصرا العرب رغم أنهم استخدموا سلاحا تعلق بشريان الاقتصاد، بل الحياة في العالم وذلك لأن الحق كان إلى جانب العرب، والباطل إلى جانب اسرائيل التي عرضت عرض الجدار بقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن ولم تنسحب من سيناء وأجزاء كبيرة من فلسطين والجولان وجنوب لبنان برغم مطالبات العالم المتكررة بذلك.

    كان ذلك أول استخدام مرغم ولكنه كان الأخير.. فقد ضاع النفط وضاعت القدرة على استخدامه، بعد ان ضاع التضامن من العربي ومعها منظومة الأمن العربية، التي كانت هي مصدر ووعاء الاستخدام الإستراتيجي لسلاح النفط من اجل اجبار إسرائيل على الاعتراف بوجود تقارب في توازن القوى الستراتيجية في ذلك الحين.. وعاد العرب القهقرى لتكون، ثرواتهم وأراضيهم ومياههم نهبا لكل من يجد في نفسه ميلاً.

    ولنأخذ على سبيل المثال التسلح العربي وما يترتب أو ما ترتب عليه من فوائد أو أضرار لقد بلغ العرب في التسليح ورغم ذلك ليس ثمة شيء يمكن اعتماده للقول إن تلك العملية كانت مفيدة وحتى اليوم وبرغم الفشل الذي جنته الأمة العربية، فان “مئة” مليار دولار في خمس سنوات هذا هو حجم التسلح في دول المنطقة، وفق آخر التقارير الاستخباراتية والاستشارية وفي طليعة الدول المهتمة بعمليات التسليح، السعودية والإمارات والكويت، وحدها السعودية سوف تنفق 30 مليار دولار منها 800 مليون دولار لشراء 72 مقاتلة من الولايات المتحدة الأميركية وبذلك فان هذه المنطقة تستحوذ على 11 في المئة من إجمالي الانفاق الدفاعي بحلول عام 2014 والرقم يعتبر الأعلى على مستوى العالم.

    والسؤال الآن ترى ما قيمة هذه الأرقام إذا ما ارتبطت بحاجة القومي العربي لمواجهة التحديات الآنية والمستقبلية..؟ لا اعني بالسؤال التقليل من قيمة الأسلحة الموردة للعرب من خلال رقم الإنفاق العالي ولكن اعني ان السلاح وحده لا يشكل اي حماية حقيقية للعرب ان لم يقترن بالإرادة الوطنية والقومية الحقيقية، الإرادة المخلصة والصادقة والنزيهة.. الإرادة الذائدة والحامية والمرافقة، وليس الإرادة العدوانية المنافقة الاحتوائية التوسعية.

    كل ما سمعناه وقرأناه وشاهدناه لا يتعدى حدود المظهرية المنافقة الكاذبة وبذلك فقد شكل ذلك ذريعة جاهزة لأولئك الذين بيتوا أمرهم بليل.. فقد وصفنا البعض بـ”الشوفونية” ونحن “المضطهدون” وطنيا وقوميا! لقد قالوا عنا اننا “عنصريون” مع اننا لا نستطيع العيش حتى بلداننا بسبب إدانتنا بجريمة ما كنا ولن نكون يوما احد صناعها تلك بلوانا.

    بلوانا أو مأساتنا تكمن في اننا لا نجيد تطبيق فكرة “ان لكل مقال مكانا” اذ لا يجوز الخلط في الاشياء دون إدراك سليم وواع للتوافق الطبيعي غير المفتعل بين ما نملكه من قوة وما نملكه من فرصة وقبل ذلك إدراك إن كانت هي فرصة حقيقية للتقدم والتطور وتحقيق الأهداف وانجاز البرامج والمشاريع، أم هي مجرد وهم خلقه الآخر التوسعي او الاحتوائي او العدائي.

    لقد فرطنا بما لدينا.. نتيجة جهل حقيقي بما لدينا وبما نحن فيه وعليه، قالوا لنا انتم “قوميون” وما عرفنا الا بعد التي واللتيا، ان القومية رأس بلاء اوربا صدرتها لنا بعد ان تخلوا عنها وكان المصدر يستهدف زرع شيء في داخلنا يكون مبررا لعنصريته وعنجهيته ودمويته وكراهيته للآخر، كان يريد أن يحارب الجيد فينا من خلال زراعة الرديء وقد حصل فعلا ما ارادته اسرائيل، فقد تصاعد مد لا يعي ولا يدرك تحت شعار “القومية” وفي الوقت نفسه ذوى في داخلنا الفكر العروبي.. أخذنا بالتخلي عن الخط العروبي.. لحساب الخط القومي دون أن نعي حجم الخسارة التي لحقت بنا.

    ما كنا يوما “قوميين” بل كنا على مدى التاريخ “عروبيين” وقد اثرى الاسلام العروبة وأعطاها زخما لكنه ليس الوافد الوحيد لها، فالعروبة كائن فكري ككل الكائنات الحية تتغير وتتطور ويجب مراعاة ما يجري من تحولات والتي تجعل للوحدة أشكالا وقوالب مختلفة، والعروبة ليست هذيانا عاطفيا مجردا وشعارات، وإنما هي أصبحت تكاملا اقتصاديا ومشاريع وتكاملا إنساني ودعوة صادقة للحرية والانفتاح والعروبة ليست نتاجا جديدا، او حديثا بل هي نتاج يعود إلى التاريخ سحيق في القدم كظاهرة تاريخية لذلك فقد كان لزاما أن تنشأ منظومة مصالح مشتركة لمواجهة مفاهيم ومحاولات التفتيت وإسقاط ما هو سائد من مفاهيم في معظم الدول العربية من ان المواطنة على درجتين.

    لقد كانت البداية إسقاط العروبة كمشد وجامع وموحد لحساب فكرة مستوردة طارئة لم تتوقف طويلا أمامها لنعرف مدى قربها منا وقربنا منها ثم بدأوا بالمرحلة الثانية وهي مرحلة تغليب الانتماء المذهبي او الديني على الانتماء العروبي وبات الصراع بين النقيضين المذهبي والديني على حساب الانتماء العروبي، وبذلك تحقق الاختراق الجديد الأكثر تدميرا او الأكثر تخريبا.

    ان العمل الستراتيجي المطلوب يحتاج إلى دراسة مستفيضة ومعمقة ودقيقة لعناصر القوة فيه، لأن النصر يتحقق من خلال تراكم هذه العناصر وتفعيلها ووضعها في المكان المناسب والتعاطي معها بالزمان المناسب أيضا.

    يقال ان العراق مر بأزمة خانقة في توفر مادة ” الحنطة ” وكان مصدر تجهيز العراق بهذه المادة الحيوية من ثلاثة محاور:

    الاول : العراق ويجهز الاستهلاك المحلي بحوالي 70%.

    الثاني : الاستيراد الخارجي من عدة مصادر : استراليا، اميركا، فرنسا .

    الثالث : المساعدة الأميركية. 

    وكان في حينها العراق مشتبكا بمفاوضات عسيرة مع بريطانيا لإخلاء قاعدتي “الحبانية والشعيبة” في عام 1955 فما كان من بريطانيا الا ان طلبت من أميركا واستراليا بعدم تجهيز العراق بأية كمية من الحنطة فما كان من نوري السعيد وكان رئيسا للوزراء إلا ان ذهب الى حفلة كوكتيل في السفارة الايرانية وكان من ضمن عدد كبير من السفراء كالسفير البريطاني والأميركي والفرنسي والروسي، فما كان من نوري السعيد الا وقد قصد السفير الروسي ودخل معه في حديث هامس، تخلله ضحك ونكات والسفير البريطاني يرقب ذلك وبعد فترة افترق نوري السعيد عن السفير الروسي بعد تبادل عبارات المودة والمحبة!! عندها دنا السفير البريطاني من نوري السعيد، ليبادره بالسؤال عمّا دار بينه وبين السفير الروسي فرد عليه نوري السعيد بعدم اكتراث.

    ـ لقد طلب الرفيق سفير روسيا الصديقة استيراد كميات من الحنطة الروسية وبالأسعار التي نرغب بها، تأكيدا لرغبة روسيا في إقامة علاقات اقتصادية وتجارية متطورة مع العراق.

    هنا قاطع السفير البريطاني نوري السعيد قائلا: 

    – إن حكومة جلالة الملك قد وافقت على تزويدكم بما تحتاجون إليه من الحنطة وبأسرع وقت.

    ذلك نموذج لكيفية امتصاص الطرف الآخر وإبعاده عن التأثير على مركز فعل العمل الستراتيجي بهجوم مقابل غير مباشر مستخدما عناصر فعل القوة المتاحة في زمان ومكان مختارين بشكل مدروس.. وهذا هو الذي يعنينا بشكل خاص ومحدد.. فما جدوى أن تضرب عدوك بسلاح لا يناسب مكانه ولا زمانه فالموقف الذي يحتاج إلى مدفع لا ينبغي ان نستخدم له طائرة وهذا ما نشاهده الآن، حيث يجري تصفية الخصوم السياسيين بالاغتيال عن طريق الطائرات بدون طيار من قبل دول بعد أن عجزت عن توفير عملاء يقومون بالواجب نيابة عنها.

    بصرف النظر عن وجهة نظرنا الشاجبة والرافضة الأسلوب البشع، بيد انه نموذج آخر للتحكم بالبدائل حسب الزمان والمكان. وهذا ما ينبغي أن يكون.

     

     

  • التاريخ هو المشكلة و الحل!! .. خلافات وإختلافات أمتي: أسباب واهية.. ونتائج كارثية!

    خلافات الحاضر وتناقضاته وتقاطعات المستقبل وانقطاعاته، كلها حدثت وتحدث نتيجة التباين في قراءة التاريخ كمحصلة طبيعية لعمليات التزوير والتزييف في وقائع وحقائق التاريخ حتى ليبدو الأمر، معضلة حقيقية وصفت الأمور في حياة البشرية عموما في إطار من النزاع والصراع شبه المستديم، وقد ظل الخلاف المستمر حول التاريخ، يغذي الميول غير المسالمة لدى الكثيرين، وظلت الدعوات المنادية بوجوب التعامل مع التاريخ وفق الفهم الموضوعي له، بعيداًَ عن الاستنتاجات والاجتهادات التي تحمّله أكثر مما يتحمل أو جعل الظروف التي أدت الى ما حدث في الزمان والمكان السابقين، هي نفسها التي تحدث، ما ينبغي أن يتوافق مع أمزجة الحاضر دون النظر بأهمية وموضوعية لمستجدات الوضع ومتغيراته الذاتية والموضوعية مع إسقاط عناصر المستجدات المفترضة زمانيا ومكانيا.

    ان التاريخ بدون ادنى شك هو سيد العلوم بلا منازع، لأنه يؤرخ لكل العلوم ولكل الصنوف المعرفية فهو سجل لكل ما حققه الإنسان، وهو بالتالي العلم الذي يوضح العلاقة السببية بين السابق واللاحق من الحوادث الاجتماعية، وبهذا فهو العلم الذي يلهمنا كيفية مواجهة الإحداث والتعامل مع الأزمات في ضوء ذلك وبسببه فان موقفنا من التاريخ يصبح أكثر تعقيدا وأكثر صعوبة، فلا بد من ان نتساءل بوضوح وصراحة.. أي تاريخ نقصد ونعني..؟ وأي من المؤرخين.. نصدق ونتعامل.. ونكذب فنبتعد عنه؟ تلك هي المعضلة، أكاذيب في التاريخ واجاديف وتخاريف واختلافات لا تصدق وأراجيف ما انزل الله بها من سلطان ولكن كيف السبيل الى اثبات زيفها وكذبها؟ واذا تمكن البعض من فعل ذلك كيف يمكن إقناع الآخر بموضوعية وصدقية ما حصل؟ وان ما ذكر في التاريخ في ما يتعلق بالموضوع الفلاني كاذب وغير صحيح؟ تلك دوامة لا اول لها ولا اخر وهي مجلبة لمزيد من صداع الرأس. 

    بالطبع لابد من ان يكون على المؤرخ ان يمارس دورا فاعلا في بناء نهضة شعبه وان يكون كل همه هو دراسة واقع تاريخ شعبه دراسة دقيقة وصادقة وحريصة ومعرفة موقف المؤرخين منه.. وهو يمثل هذا الموقع المهم والحساس بناءً على تصور علمي موضوعي مؤمن به ومخلص له.. وهو “أن المؤرخ مفكر قادر على تقويم الوضع الماضي لشعبه بأسلوب علمي معاصر نابع من إيمان راسخ بحق شعبه في الصيرورة والتكوين والنمو الحضاري”!!

    نعم ذلك ما ينبغي ان يكون.. فالمؤرخ المبدع الخلاق، هو الذي يعطي رأيه دون ان ينتظر من احد كلمة شكر نعم هو يحتاج للشكر.. ولكن ليس كثمن وإنما كمحصلة ايجابية لانتزاع التصور الخاطئ من خاصرة التاريخ من اجل ان يرتاح من الخلاص مما كان يعكر صفو الصهارة بنقل الحقيقة كما هي بصرف النظر عمّن تغضب وعمن ترضي.

    ان الفرق بين ان يكون المرء مؤرخا وبين ان يكون سياسيا هو:

    *المؤرخ هو الذي ينظر الى الماضي ويتعرض الى الحاضر كنتيجة اي انه يحلل الماضي ليتنبأ بالحاضر في استخدام أدوات قوانين حركة التاريخ واحداث المتغيرات ودور الإنسان كفاعل وقائد وموجه ومخطط.

    *اما السياسي فهو يتعاطى مع الحاضر ليبني المستقبل اما الوشيجة بين الاثنين فإنها تكمن في أن التاريخ يخلق السياسة دون أن يتورط في تكييفها وترتباتها.

    تلك هي الحقيقية التي ينبغي أن تكون مفهومة، بيد ان البعض يعمد إلى استنتاج الماضي، يريد ان يجعل من مقولة… “التاريخ يعيد نفسه” حقيقة قائمة، وبذلك فهو يحقق مسألتين: 

    *الاول : يعطي عجزه في إيجاد الصلة بين الماضي والحاضر لبناء المستقبل.

    *الثاني : انه يريد أن يعطل قدرة الآخرين في إيجاد مثل هذه الصلة..

    وبذلك يحصل التنازع ثم الصراع، والملهاة في الأمر ذلك التيه الكبير بين صدق ما يعتمد وكذبه، فلو كانت هناك رؤية موضوعية تستند على منطق علمي سليم لأمكن أصلا فهم التباين بين ما كان وما ينبغي ان يكون دون اهمال التواصل الذي ينبغي ألاّ يكون استنساخا، لماذا..؟

    ان الحاضر يختلف عن الماضي ليس في اختلاف شخوصه، بل وايضا في اختلاف محتوياته وكينونته وقدراته، ففي وقت كان مثلا على المسافر ما بين بغداد والموصل ان يقطعها بثلاثة او أربعة ايام، اليوم الامر مختلف ولعله غدا سيكون مختلفا أيضا فبالطبع لا يمكن التعامل مع السفر الآن كما كان في السابق وهذا ينطبق على أمور كثيرة أخرى، ولذلك لا يمكن إهمال هذه المتغيرات الجوهرية والاساسية.

    إن الأحاديث النبوية الشريفة فيها الكاذب، والضعيف والمتواتر والمتفق عليه، وغيرها كثير… فكيف بنا ما سوى ذلك..؟ نحتاج الى وقفة صادقة وصحيحة وعقلانية موضوعية من التاريخ لنتمكن من إزالة الكثير من الشوائب والاكاذيب والتزويرات ولكن قبل ذلك نحتاج الى من نثق به ثقة عمياء، نؤمن من انه لن يكذب ولن يزيف ولن يجامل على حساب الحق والعدل.. فهل نعثر على بغيته ومتى يحصل ذلك..؟ على أننا ينبغي ان نعي حقيقة ان ذلك وغيره لن يحصل الا عندما نفهم ان التعامل مع الحاضر بصدق ونزاهة هو الضمانة في حصول الأجيال المقبلة على تاريخ يثقون به وإلا فأن انعدام الثقة يظل قائما!!

    رغم إننا امة لا تدوّن، ونبدع فيما نفعله ونقوله ارتجالا وشفاها بيد أننا لسنا الوحيدين في اختلاف زوايا النظر إلى التاريخ.. فشعوب العالم تعاني من مشكلة الاختلاف في ما ورد في التاريخ.. بيد أننا نختلف عنهم.. في أن تاريخنا يعتمد على الرواة الشفاه والحفاظ بالاعتماد على الذاكرة ومن هنا نشأ الخلاف وتعمق فنحن نقف مثلا أمام أكثر من 1800 صحابي رووا الحديث عن رسول الله “ص” من وجهة نظر بعض المسلمين وهذا العدد يشكل حوالي 1 % من عدد صحابة رسول الله “ص” البالغ عددهم اكثر من 114 الف صحابي منهم نحو عشرين الف صحابي صلوا عليه في المدينة عند انتقاله إلى الرفيق الأعلى.

    وفي صحيح الإمام البخاري ما يزيد على ألفي حديث من غير المتكرر والصحابة الرواة 254 صحابيا وبلغت عنده الاحاديث “75000” حديث فيما نجدها عند الاخرين تتجاوز هذا الرقم لتصل الى اكثر من “50” خمسين ألف حديث رويت بنحو مليون سند منها الصحيح ومنها الضعيف ومنها المقبول ومنها المردود بيد أن هذه القاعدة، تتغير معطياتها تبعا للزمان والمكان والشخص فقد يتحول المردود إلى مقبول والضعيف إلى صحيح قوي وهكذا، والسبب هو انعدام التدوين في الاصل فحصل ذلك على مستوى الأحاديث النبوية ولم يحدث على مستوى القرآن الكريم، لان القرآن دون منذ اللحظة الأولى لنزول آياته تباعا، وهذا ما نجده في الإنجيل مثلا اذا تعددت الأناجيل بسبب غياب التدوين والاعتماد على ذاكرة تلامذة السيد المسيح عليه السلام.

    وهذا هو الحاصل على مستوى الأحاديث النبوية، فبعض المسلمين لا يرون ان هذا العدد من الأحاديث صحيحا، ويعتقدون أن العدد قد خضع لزيادة غير معقولة وغير طبيعية أوصلت الأمور في بعض الأزمان إلى درجة المذابح بين المسلمين بسبب الاعتماد على ما هو غير صحيح او التفسير الخاطئ لما هو ضعيف أو غير مقبول وهم يتمسكون في أن يكون الاستدلال غير مقبول وهم يتمسكون في ان يكون الاستدلال على صحة الحديث، انه منقول من امام معصوم، او من آل البيت الرسول الكريم ” ص ” وقد جمع العالم الكبير المجلسي الاحاديث المروية عن طريق الائمة او من ال بيته صلى الله عليه واله وسلم في كتاب كبير وطبع قديما في خمسة وعشرين مجلدا، وطبع حديثا في مئة وعشرة مجلدات.

    وبالطبع لابد من الاشارة هنا الى ان هذا الكم الهائل من الأحاديث عند كل من الفريقين، قد اتحد في مساحة كبيرة جدا، واختلف في مساحة اقل.. بيد أن التباعد بالاستناد على هذا القليل كان الأقرب إلى طبيعة الأوضاع وجوهر الميول.. رغم كل الجهود التي بذلت وفي مقدمتها محاولات العلامة الكبير الاباضي يوسف الطفيش في كتابه الذي طبع في اواخر القرن التاسع عشر بمصر تحت عنوان “جامع الشمل”.

    الجميع يدرك حقيقة أن الخطأ بالدرجة الاولى في هذا الاختلاف، ان الأحاديث لم تدون وهي لم تكتب إلا بعد قرابة مئتي عام، فكم نتوقع يكون فيها من التحريف والخطأ والنسيان “البخاري مات سنة 265 هجري”، وهذا الأمر ينطبق على امور كثيرة غيرها فالاحداث التاريخية التي مرت بالمسلمين لم تدون تفاصيلها ووقائعها واسبابها الا بعد مئات السنين وقد اسهم ذلك في افتراق المسلمين الى فرق واتجاهات وتيارات، حيث تعاملت كل فرقة او تيار بطريقة مختلفة تماما عن الأخرى، تبعا لطبيعة ونوعية الرواية المعتمدة وهنا احتاج إلى ان اشدد على انني لا أقيس مدى صحة هذه المعتقدات والثقافات ولا اعني بتفاصيل الحكم على صحة هذا المعتقد او ذاك ولكنني احاول فقط ان اصل الى حقيقة أن التعصب في تبني نقاط الخلاف على انها نصوص لا تقبل الخطأ والتحريف والسهو، هو الذي قادنا ويقودنا إلى مواقع الخلل الكارثي فالبعض من المسلمين اهتم بخطبة الغدير بينما لم يعرها البعض الاخر هذا الاهتمام.. وارتاب البعض من أحداث السقيفة وما ترتب عليها بينما استحسنها البعض وعدها احد أمثلة تطبيق الشورى وراح البعض من المسلمين يقسمون طرفي معركتي صفين والجمل إلى خير منطلق وشر مطلق بينما يرى اخرون، ان المعركتين ينظر اليهما من زاوية اجتهاد الحاكم.. ويرد البعض الآخر: ولماذا لا ينطبق هذا الحكم على ما حصل لعثمان بن عفان رضي الله عنه ويربط البعض من المسلمين يزيد بجريمة عاشوراء بينما يرى البعض انه بريء منها.

    وهكذا بدا نمو الفوارق واتساع رقعة الاختلاف بين فريقين من المسلمين، حيث بات من الناحية العملية والفعلية وجود ثقافتين وكيانين يتحرك فيهما ومن خلالهما التناسل لتعميق الفجوة وتوسيعها لينمو تباعد فكري وعاطفي بين قاعدتي الفريقين. واضح أن ثمة خللا كبيرا في الاستقراء المنطقي لحركة التاريخ، جعل الكثيرين يلوذون بوسطية تصل الى درجة البلاهة في محاولة لتجنب الوقوع في ما يرونه خطأ الاصطفاف مع هذا ضد ذاك نتيجة انعدام القدرة في التفريق بين الباطل والحق بسبب التحريف والتشويه والتزوير والنسيان الذي أصاب عملية النقل لما حدث. 

    فرؤية معاوية  “المؤمن” و “كاتب الوحي” جعل إمكانية الحكم عليه وهو يقاتل امير المؤمنين علي بن أبي طالب، مفارقة لا يمكن التصديق بها او التعاطي معها بسهولة، فراح يتحدث عنها على انها معركة بين الصحابي علي بن ابي طالب والصحابي معاوية بن أبي سفيان… وبدلا من البحث عن الحقيقية وتطايرها بعيدا عن العواطف راحوا يفلسفون المفارقة ويعطون حكما لها لم يقنع الآخرين، حكما يتبنى عدم الدخول في تفاصيل سلبيات الصحابة من مبدأ ان كل تصرفات الصحابة عبارة عن اجتهادات، فمن اجتهد واخطأ له اجر واحد، ومن اجتهد واصاب فله أجران، وهنا يبرز مبدأ طاعة ولي الأمر في ثقافة البعض لينجر خلف سقطات الحاكم والدفاع عنه بصرف النظر عن صحة ما يؤديه من أعمال وأفعال.

    إن إعادة النظر بالمواقف في ضوء تبني نظرة موضوعية وعلمية للتاريخ خصوصا ذلك الذي لم يدون في حينها، عنصر مهم من عناصر استرداد الامة لوحدتها سعيا لاسترداد كرامتها المهزوزة والمهددة بالسقوط في حضيض الجهل المستفحل، ما نحتاجه اليوم وفي ظل حالة الهيجان الطائفي الذي تطلقه قوى التعصب ومثيرو الفتن على الجبهتين هو الانتقال من النصوص التاريخية إلى السياسة والاجتماع. اعني بذلك الخروج من هذا المربع السجالي والانطلاق باتجاه تأسيس ما يمكن تسميته بميثاق تعايش عام بين مختلف المكونات المذهبية والدينية.. بالطبع لا اقصد هنا تدوين نصوص أو مواثيق مكتوبة بقدر ما اقصد تنظيم أسس وآداب العيش المشترك بعيدا عن كل اشكال النفي، ونبذ ثقافة الشقاق والأفكار الفتنوية.

    ورغم إن للسياسة نصيبا وافرا وسهما كبيرا في تحريك عوامل الفرقة والشقاق فانه يمكن أن يكون لها دور فاعل ومهم في مجال مداواة الجراح والتخفيف من حمأة الصراعات.. ومعروف ان احد اهم اسباب تحريك عوامل الفرقة الطائفية والقومية والاثنية، هم رجال السياسة بيد ان الهياج غير المسبوق سرعان ما تراجع عندما اكتشف ساسة العراق كم هو خطير ومدمر الذهاب بهذا اللعبة إلى نهاية.

     

     

  • الشرق الأوسط في دائرة الصراع المحتدم.. من ضد من ؟! .. إيران تخطو باتجاه جاهزية الرد.. وأميركا تعرب عن رغبتها بلقاء ثنائي !! واستعداد للتوصل إلى حل !!

    تترشح يوما بعد يوم، رؤى وانطباعات تستند على استنتاجات لقراءات معمقة ودقيقة للأوضاع الذاتية والموضوعية المترتبة على تداعيات الملف النووي الإيراني، ومن بين هذه الرؤى والاستنتاجات، أن إيران تبدو متمسكة بالمضي في برنامجها النووي، دون مساومة على ما تعتبره حقا مشروعا لا يستثني استخراج وتخصيب اليورانيوم على أراضيها، الأمر الذي ترفضه واشنطن وعواصم أوربية، مما ينذر بمواجهة حتمية، لم يقلل اللقاء الذي حصل في تركيا الشهر الماضي من احتمالات حصوله، الأمر الذي صعد من أهمية الاجتماع المقبل لمجموعة “5+1” في بغداد نهاية الشهر الحالي، خصوصا إن إيران هي التي اقترحت المكان لأسباب غير معروفة، رغم ان التكهنات تشير إلى ما وراء الأكمة ما وراءها، حيث يتوقع البعض تولي العراق مهمة تقريب وجهات النظر والمواقف بين واشنطن وطهران، خصوصا وان واشنطن أبدت رغبتها في لقاء منفرد بينها وبين ايران، وهذا ما نوه به نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، الذي لم يستبعد حصول لقاء مباشر منفر بين الجانبين على هامش الاجتماع الذي سيعقد في بغداد الشهر الحالي.

    ويزداد الاعتقاد بين الأوساط الاعلامية في الولايات المتحدة الاميركية، بان نقطة الافتراق لا تزال بعيدة نسبيا رغم أن عدة صفحات من المواجهة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية قد تم تضمينها عمليات هجومية مخابراتية والكترونية، وتكبدت إيران خسائر الحقت ببرنامجها أضرارا مادية وفنية كان من نتيجتها عرقلة التقدم باتجاه امتلاك القدرة على الاستخدام العسكري للتقنيات الذرية.

    وترى إسرائيل وهي الدولة الأكثر اهتماما بالبرنامج النووي الإيراني والأكثر حماسا في تبني الخيار العسكري كحل، أن إيران راوغت وتراوغ بنجاح، بفضل عدم الاهتمام الأميركي الجاد بوضع حد لتقدم إيران في برنامجها النووي وهنا لا تخفي الواشنطن بوست استغرابها من الخطاب الإسرائيلي المنطوي على اتهام أميركا بالتساهل وعدم الاهتمام، مشيرة الى ان اميركا لم تمنع اسرائيل بالقيام بعملية ضرب المفاعل العراقي ولا المفاعل السوري في دير الزور لاقتناعها بإمكانية قيام إسرائيل بعمل من هذا القبيل دون التعرض لاحتمالات الفشل، أما بالنسبة لايران فان الولايات المتحدة الاميركية لم تتردد في اسعاف اسرائيل بكل الدعم اللوجستي الممكن، بيد ان الحالة في ايران مختلفة تماما وقد جربت اسرائيل عدة محاولات بيد أنها باءت بالفشل لذلك فان الحل الموجود والمتوفر هو حل غير ممكن في ظل الظروف الحالية، انه يحتاج الى استعداد وتهيؤ وقدرات معطلة ومبعثرة للجهد الإيراني المقابل ولا سيما وان ايران تتبنى ستراتيجية مرنة ومتوازنة، وما زالت تبرهن على فاعليتها وقدرتها على المطاولة والتصدي لعمليات الاحتواء او عمليات الاختراق السياسي او الفني.

    وتنهض الستراتيجية الايرانية على الاستعداد الدائم والمتصاعد لأي مواجهة محتملة، حيث تعمل طهران ليل نهار على حشد الدعم الشعبي الايراني الاسلامي عبر الخطابات الوطنية والدينية، وتعزيز الروابط والتحالفات مع التيارات الاسلامية المختلفة في دول المنطقة مثل لبنان والعراق وأفغانستان وفلسطين ودول الخليج العربي ودول الربيع العربي وسوريا، وعلى ذات المستوى وبنفس الزخم تواصل إيران استغلال الإعلام العربي لتعزيز الدعم الشعبي إقليميا عبر اثارة موضوعات حساسة كالقضية الفلسطينية ومحرقة اليهود ومساوئ السياسة الاميركية في المنطقة وهو يؤدي في الوقت ذاته إلى احراج الانظمة العربية عبر إظهار عجزها عن مواجهة إسرائيل واسترداد حقوق الشعب الفلسطيني وحل الأزمات الأخرى في المنطقة، وهذا بدوره يضع إسرائيل التي تقف في رأس الرمح الذي يتصدى لبرنامجها النووي، أمام احتباس غبن متراكم لدى العرب الذين ينتظرون فرصة الانقضاض عليها او على الأقل الاستمرار في ترصين واقع الرفض لها.

    وفي مثل هذه الأجواء التي تراها طهران بأنها مواتية تماما، تقوم ايران بتسريع برنامجها للتسلح من اجل جاهزيتها لخوض حرب استنزاف غير تقليدية طويلة المدى ضد كل اولئك الذين يشاركون بأي عملية هجومية مباشرة او غير مباشرة.

    ولكن ماذا تريد إيران بشكل واضح ومحدد..؟ هل هي فعلا تسعى إلى امتلاك السلاح الذري؟

    وبماذا ينفعها هذا السلاح لو امتلكته..؟

    إيران تطمح وتعمل على تحقيق ما تطمح إليه بجد ودأب وحرص وباستخدام كل ما متوفر لديها من عناصر القوة المباشرة وغير المباشرة فهي تسعى الى الحصول على اعتراف اميركي واضح ومحدد بالجمهورية الإسلامية الإيرانية ثم الحصول على دور أساسي كقوة اقليمية كبيرة ومهيمنة في المنطقة بشكل عام ومنطقة الخليج بشكل خاص ضمن إطار نظام امن إقليمي جديد، والسعي للحصول على ضمانات دولية أمنية في الحاضر والمستقبل وبعد ذلك كله، يمكن لإيران أن تتوقف عند امتلاك القدرات النووية دون تصنيع القنبلة النووية.

    ما يجري الآن تحت طاولات الحوار بين مجموعة “5 +1” وايران وبوساطة عراقية يفصح عن رغبة عامة ومن كل اطراف الموضوع، بتفادي الوقوع في مطب سوء التقدير للطرف الآخر أو الخطأ في قراءة ما تنطوي عليه المواقف وتحميلها أكثر مما تتحمل.. خصوصا وان اثنين من الخمسة، وهما فرنسا والولايات المتحدة الأميركية لهما ظرف انتخابي قد يعرقل الوصول إلى القرار المنسجم مع ما تتطلبه الأوضاع العامة والخاصة لهذه القضية التي فيها من التعقيد والتهديد ما يجعل العمل من اجل تبني الحل الصحيح يرقى إلى مصاف الأعمال العظيمة.

    إن الولايات المتحدة الأميركية لا ولن تقف مكتوفة الأيدي أمام حركة التحالف الإقليمي الشرق أوسطي والذي ينتظر بفارغ الصبر انفجار الموقف بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، وهو في كينونته وسيرورته يعاكس في حركته اتجاه حركة الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة ويحاول أن يناور داخل مساحة هامش تباين الاتجاه الأوربي عن الاتجاه الأميركي، وفي مثل هكذا وضع فان مناورة الضغط الأميركي ستوجه ضد حركة إسرائيل مايسترو التنسيق بين الأطراف الإقليمية ويدل تغيير الولايات المتحدة الأميركية لتكنيكات تعامل أميركا مع إيران وبرنامجها النووي على رغبة حقيقية في إضافة عنصر ضغط إقليمي يتكون من “إيران+العراق+سوريا+لبنان” لشل حركة التكتل الآخر المضاد بقيادة إسرائيل الرافضة للضغوط الأميركية من اجل تنفيذ مشروع قيام الدولتين. 

    إن الأطراف الإقليمية “عدا إسرائيل” تريد إعادة الوضع القائم الآن إلى ما كان عليه بالضبط بعد الحرب العالمية الثانية، أما إسرائيل، فهي تريد “تعويضات” خدمة المعسكر الغربي خلال الحرب الباردة.. تماما كما حصلت على “تعويضات” ما قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية، ولكن هذه المرة ليست أموالا بل شيء آخر مختلف تماما. القوى العالمية لا تمانع من حيث المبدأ حصول إسرائيل على تعويضات مادية غير أنها تعارض بشدة ما تطالب به إسرائيل وتسعى إليه.. وهنا يبرز الخلاف الشديد بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية ومتوسط الشدة بينها وبين بعض دول أوربا وعادي بينها وبين دول أوربية أخرى ترى أن إسرائيل على حق ولكن ليس على النحو الذي تريد الوصول إليه.

    وهكذا يتمحور الخلاف إجمالا في النقاط التالية:

    أولا: إسرائيل تصر على التوسع الجغرافي الذي يخدم برنامجها الاستراتيجي:  “إسرائيل الكبرى” حيث التوسع الجغرافي وحده لا يستطيع معه استقدام المزيد من المهاجرين وهي لذلك تناور من اجل التخلص من “المأزق” الذي ترى انها وضعت فيه بالضغط الأميركي. 

    والتخطيط الإسرائيلي لتحقيق هدف التوسع لا يتوقف عند نقطة معينة في الشرق، رغم انه يضع الفرات حلما ليصل إليه في قيام مملكة داود، بيد انه يضع إيران الهدف الأكثر أهمية في حماية المملكة المفترضة وكذلك التوسع باتجاه الشمال يماهي في صيرورته التوسع باتجاه الشرق بحيث تصبح تركيا الجزء المهم في تحقيق التواصل والاتصال بأوربا.

    ثانيا: ان القوى العالمية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية تعمل من اجل قيام دولة فلسطين المستقلة، وهو شرط أساس لمنع إسرائيل من التوسع باتجاه الشرق يتماهى معه وجود حزب الله في الشمال.. وظهور تيار شرق أوسطي جديد ترعاه الولايات المتحدة الاميركية حالة معززة ومقوية لشرط إيقاف التوسع الاسرائيلي المثير للمخاوف الأميركية الحقيقية. 

    ان ما تعرضه القوى العالمية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية لإسرائيل كتعويض عن خدماتها هو “البقاء والقبول” في المنطقة وليس التمدد والتوسع على حساب الآخرين ومصالح القوى العالمية فيها. 

    من هنا يجد البعض ان المحاولات الأميركية في التقرب من إيران ورسائل إثبات حسن النية تجاوزت حدود المناورات الشكلية او مناورات الاحتواء والهيمنة أو القيام بواجب النصح والإرشاد والتحذير والتبصير، إلى إعطاء تأكيدات وضمانات تتراوح ما بين الطمأنة والانفتاح على الآخر والتأكيد على نفي العداء المسبق او الرفض الجاهز لكل ما تريد ايران قوله وكل ما تسعى اليه وخصوصا في مجال امتلاك التقنية النووية بشكل كامل واستعداد الولايات المتحدة الاميركية لقبول ايران كشريك في ما تجريه من أبحاث ودراسات في المجالات العلمية والبحثية بشكل عام والمجالات النووية بشكل خاص، مع ترحيب بإيران في مساعيها الرامية إلى استخدام الذرة للأغراض السلمية والابتعاد عن تهديد المنطقة بأسلحة الدمار الشامل مع استعداد أميركي كامل للبحث مع إيران في كيفية جعل منطقة الشرق الأوسط نظيفة من أسلحة الدمار الشامل والحفاظ على البيئة من التلوث النووي والكيمائي وغيره.

    الإيرانيون من جانبهم لا يقللون من أهمية هذه التطورات رغم إنهم يدركون ان لكل عمل رد فعل مساويا له بالقوة ومعاكس في الاتجاه، وهذا هو الذي يحصل الآن، فإيران المستعدة لأسوأ الاحتمالات، لا يخيفها توسع إسرائيلي ولن يثني إصرارها على مواصلة ما قطعت فيه أشواطا بعيدة جعلتها تقترب من أهدافها المعلنة وغير المعلنة، أي تهديد من أي جهة كانت بما في ذلك استقدام الولايات المتحدة الاميركية لعدد من طائرات الفانتوم 22 الستراتيجية لتربض على الأرض الإماراتية تحت ستار الدفاع عن مضيق هرمز.

    الولايات المتحدة الاميركية من جانبها عدت التصريحات الإيرانية الغاضبة على الامارات لاستضافتها الطائرات الأميركية، بأنها جزء من عمليات التصعيد الشعبي لتدعيم الجبهة الداخلية في ايران، مؤكدة ان هذه الطائرات لا تغير من طبيعة وحجم التواجد الأميركي في الخليج المتخم بالقواعد الاميركية المنتشرة في عمان وقطر والامارات والكويت والبحرين والسعودية فضلا عن وجود أسطول أميركي متكامل يبحر عباب بحر عمان والخليج العربي.

    والسؤال العالق.. ترى هل تستطيع إسرائيل القيام بعملية توسع كبرى كهذه التي تتحدث عنها سرا وتفصح عنها الولايات المتحدة الأميركية علنا..؟ وهل تستطيع إيران امتلاك السلاح النووي ؟ الستراتيجيون الاسرائيليون يتحدثون بصراحة وبوضوح، حول ما يسمونه بـ”التهديد الإيراني” المباشر للامن القومي الاسرائيلي وهم يقولون، ان وجود اسرائيل يتوقف على تدمير قدرات ايران النووية، مؤكدين ان ايران الدولة الوحيدة في العالم، التي تتبنى سياسة “الابادة” و “الدمار” لاسرائيل، ولذلك فان الستراتيجية الاسرائيلية، ينبغي ان تنهض على تدمير إمكانياتها وقدراتها النووية والعسكرية وخصم حلقات التطور العلمي والتقني وإنهاء وجود البنى التحتية للعملية العلمية والتكنولوجية الإيرانية.. وان ذلك لن يتحقق بالوسائل التقليدية، بل لا بد من إتباع وسائل اكثر قدرة على التأثير المباشر وغير المباشر على العمود الفقري الإيراني، وهذا الأمر تطلب من اسرائيل العمل على التقرب الجغرافي من الأهداف المنتقاة في إيران.

    وبالطبع فان القادة الإسرائيليين والعقيدة العسكرية الاسرائيلية لا تتبنى أسلوب “احادية” التوجه فالتوسع الجغرافي الذي تعمل على تحقيقه اسرائيل بات الآن حقيقة واقعة وواضحة.. فاسرائيل موجودة وبقوة كاملة في أذربيجان وفي بحر قزوين وفي تركيا وفي مناطق أخرى في الغرب والجنوب والشرق وبذلك فان الواقع الموجود على الأرض يشير وبوضوح الى تلك الحقيقة، غير أن ثمة شيئا جوهريا يعوز اسرائيل ويشكل نقصا جوهريا لا يمكن تعويضه باي بديل آخر، ذلك هو انعدام الوجود البشري القادر على مسك الارض والاستيلاء على عقد الاماكن الستراتيجية والضغط على القوات الايرانية لاعلان استسلامها او قبولها بوقف الحرب، وما دام الأمر يظل فقط معتمدا على الوسائل الجوية في الوصول الى الاهداف سواء عبر “الكوماندوز” او الصواريخ او الطائرات، فان احتمال إلحاق الأضرار المدمرة بالمجهود النووي الإيراني يظل موضع شك، وذلك بسبب جغرافية إيران الشاسعة، وانتشار حلقات البحث والتصنيع والتخصيب النووي وسرية الكثير منها وصعوبة الوصول لبعضها.

    إن مؤشرات القدرة التنظيمية الفائقة، المتوفرة لدى إيران، إلى جانب ديكتاتوريتها الداخلية، وتعصبها الفكري وربما الأهم من ذلك استعدادها لتبني سياسة التدرج في تطبيق سياستها حينما تخضع لضغوط خارجية وتأمين علاقات طبيعية مع جيرانها جعلت وتجعل المحاولات الإسرائيلية في ضرب إيران محاولات عقيمة تماما وهذا الذي اقنع أميركا لتبديل سياستها تجاهها.

     

  • خليج بلا عراق .. أم عراق بلا خليج ؟! .. قراءة في أسباب الأستحواذ على المياه الاقليمية وأبعاد العراق عن التحالفات الخليجية

    ما الذي يجري في الخليج العربي.. وأين العراق مما يجري الآن..؟ وقبل ذلك وبعده ما هي قراءاته لما يجري..؟المتحقق عمليا.. ان العراق مبعد جغرافيا وسياسيا وجيوسياسيا، ولا علاقة لسلطة او نظام او حاكم في هذا الإبعاد، بل هو انتصار لمجموعة من الدويلات بمساعدة وتحريض من عدة جهات تباينت وتنوعت حسب الأوضاع السياسية والزمان. ففي العهد الملكي، لم يكن من الممكن إقامة اي نوع من أنواع العلاقة بالخليج الا عبر بريطانيا التي كانت تسيطر سيطرة كاملة وتامة على شاطئي الخليج، وكانت ايران في ذلك الحين هي العراب وهي الوكيل المنفذ لما تريده بريطانيا وتأتي بعدها السعودية وكان الصراع بين النفوذين السعودي والإيراني يسخن ويبرد حسب تطور الأوضاع في كلا البلدين، غير انه لم يسمح له في أن يتحول إلى صدام مكشوف. وعندما انتهت المعاهدات البريطانية مع دول الخليج، التي كانت تسمى “محميات” في بداية العقد السابع من القرن الماضي، كان العراق يخضع لحكم شمولي وظيفته رفع الشعارات الفارغة والخطابات الزائفة دون أي إدراك لأهمية وجود العراق المنافع والفوائد على إيران والسعودية والكويت والإمارات وقطر وعمان، واستبعد العراق من كل اللقاءات والتنسيقات والتعاون بين الدول المتشاطئة عليه حتى عندما طرحت فكرة انشاء مجلس التعاون الخليجي، فان العراق كان في فورة الصخب الدعائي الفارغ.. وتقول مصادر سعودية مطلقة إن الملك فهد رد على بعض أمراء خليجيين حذروه من اشعار الحكومة العراقية بنية دولهم في انشاء مجلس التعاون الخليجي، انه يعرف ان صدام حسين ليس من ذلك النوع الذي يفهم اهمية وضرورة خطوة من هذا القبيل على مستقبل العراق في المنطقة وقال: سأبلغه وانا عارف تماما انه سيتجاهل هذه الخطوة واعرف مقدما ان مالديه من غرور سيجعله غير قادر على الموضوع للدراسة والبحث والتمحيص.

    ذلك التشخيص السعودي، صحيح جدا.. فهم يعرفون صاحبهم حق المعرفة، وعندما جرى اختباره ليكون الأمر النهائي في العراق المظلوم، كانوا يدركون انه الرجل المناسب لقيادة العراق في مسالك التيه والظلام وضياع الحقوق وهدر الكرامات.. ولم يكن يعنيهم ما ظهر به من غطرسة وتجبر وغرور فارغ، كان المهم لديهم ان هؤلاء اجراءاتهم وترتيباتهم تتم بعيدا عن رأي العراق وعلى نحو يستجيب فقط لمصالحهم الحيوية للعراق في الخليج وفي مقدمة ذلك المياه الاقليمية العراقية الذي تحولت الى نهب منهوب حيث توسعت كل من الكويت وايران في مياههما الإقليمية على حساب العراق، بالطبع كان الحديث يدور على استحياء احيانا وبلا مقومات واسس احيانا اخرى بين العراق وبين جارتيه حول المياه الإقليمية العراقية الضائعة ويأتي الجواب في العادة.. اين كنتم..؟ وفي بعض الاحيان ليس هناك شيء ما يستحق الغضب او تحويل القضية الى قضية ساخنة فهي لا تعدو أن تكون مياه وبعض الاسماك القليلة.. ولا احد يتطرق الى ما تحت القصر من “بلاوي”. لقد ظل الشغل الشاغل لدويلات الخليج هو ابعاد العراق وقد جاءتهم حرب الخليج الاولى بابا مفضيا الى تحقيق حلم “خليج بلا عراق” ودخل العراق مقصلة الحرب الدامية مع ايران لثماني سنوات عجاف، استنزفته الى ما تحت الصغر، وما ان خرج منها مترنحا حتى دفعته سيناريوهات هوليوود الخليجية الى مزبلة العنجهية في حرب الخليج الثانية ليوضع في سلة المهملات لولا ان يأتيه الخلاص بـ”وداوها بالتي هي الداء”.

     من الواضح ان الطبيعة الطبوغرافية لقاع الخليج والمتكونة من مجموعة كبيرة من الأخاديد والمترفعات والتي تسمى “اخوار” حيث يقال مثلا خور عبد الله وخور الزبير وخور العمية وخور خفجه وغيرها كثير هي في الواقع مسالك للابحار والخطوط الملاحية بأعماق مختلفة تتراوح ما بين 30 -110 أقدام، وبذلك فهي تسمح بابحار البواخر والناقلات النفطية وبغواطس متباينة تتراوح حمولتها من 30 الف برميل الى 300 الف برميل ولا يصلح قاع الخليج المتبقي لاي عمل سوى لصيد الاسماك واللؤلوء بيد أن الكويت وايران والسعودية والإمارات وغيرها. بدأت بعمليات مسح وكشف وتقييم لقاع الخليج بمعزل عن العراق الذي فقد خور عبد الله بكاملة بموجب قرار الأمم المتحدة المرقم 833 وما ترتب على اتفاقية 1975 الذي تنازل فيها العراق عن نصف شط العرب.

    إن نظرة سريعة لما يجري الآن في الخليج، تضع العراق امام حقيقة مؤلمة خلفتها اعمال وافعال حكومات عراقية تعاقبت في حضيض الجهل والغباء والمظهرية الفارغة فأضاعت حقوقا وأهدرت مصالح لحساب الآخرين وللنظر الى الآن بحسرة وألم الى الآخرين وهم يشمرون عن سواعدهم ليل نهار لاستغلال حقول نفطية في مياه الخليج فهذه ايران تواصل العمل في حقل “درة” الذي تسميه إيران حقل “أراش” وهو حقل يقع في المياه المشتركة بين الكويت والسعودية وايران وهي اصلا مياه لأربع دول وليست لثلاث الا انهم فضلوا ان تكون مقسومة على ثلاثة “السعودية وايران والكويت” وقد وقعت الدول الثلاث على اتفاقية تنظم عملية الاستفادة من هذه المياه في عام 2000 وقد اعترض العراق على ذلك ولكن دون أن يكترث احد لهذا الاعتراض، ومن يهتم لاعتراض دولة منبوذة مطرودة منهوبة منكوبة بقادتها وبحكومتها.

    إن إجمالي التقديرات الأولية للطاقة الإنتاجية للحقول البحرية الخليجية تشير إلى أكثر من 1923 ترليون قدم مكعب وان ايران وقطر يتبوآن المركزين الثاني والثالث بعد روسيا وهذا يكشف طبيعة ونوعية وحجم الصراع الدائر الان بين ضواري وحيتان وكواسح خليجية في الواجهة، وعالمية اميركيين واوربية واسيوية للحصول على ما يمكن الحصول عليه من كعكة الغاز والنفط الخليجي بعيدا عن العراق المحصور في ممرات مائية حفظها له موانئه النفطية التي هي الفضيلة الوحيدة التي يمكن ان تذكر وهي: ميناء خفجه وميناء العمية والعائم، وما بين هذه الموانئ توجد احتمالات قوية بوجود حقول نفطية وغازية ينبغي الاسراع في وضع الأسس الكفيلة بحفظ حقوق العراق فيها وفي غيرها والبدء وعلى نحو عقلاني ببحث الأمور مع الجوار بوضوح لا يقبل اللبس او الغموض واعتبار تلك الامور من القضايا التي ترقى في الأهمية الى درجة اعتبارها من المصالح العليا. 

    ذكرنا ذلك من اجل توضيح الأساليب التي اتبعت من اجل إبعاد العراق عن الخليج وبعض الأهداف المبيتة خلف ذلك، رغم ان ذلك لا يحتاج الى قدر كبير من المعرفة التفصيلية الشاملة والمبحرة في عالم الاسرار والخفايا، فرفض دول الخليج قبول العراق عضوا في مجلس التعاون الخليجي، رغم أنهم اعلنوا قبول اليمن والأردن والمغرب وهذه دول غير خليجية..؟ وهم يعرفون قبل غيرهم ان الخليج ما كان يوما لغير العراق، فهو خليج البصرة وما زالت الوثائق التركية تحمل البصمة العثمانية التي ورثت بدورها، ما كان معروفا في ايام الدولة العباسية وما كان لرحلة كلكامش، الا ان تعمد مسار الخليج في الرسالة العراقية للعالم وهي تحمل كل قيم ومثل الحضارة البشرية بكل عطاءاتها.

    لم يخف أعضاء المجلس مشاعرهم غير الودية اتجاه العراق، حيث جاء الرد الخليجي في عام 2008 رافضا قبول العراق عضوا في المجلس رغم ان الحوار في حينها كان يدور حول موضوع الأمن الإقليمي من خلال مؤتمر عقد في البحرين عام 2008 وبحضور وزير الدفاع الأميركي الأسبق روبرت غيتس وبإشراف المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ومقره في لندن وقد فاجأ الامين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد الرحمن العطية برفض المجلس قبول العراق عضوا فيه وعلل السبب في ذلك بعدم توفر عدد من الشروط التي يضعها المجلس لانضمام الدول اليه والمتمثلة بضرورة ان تكون الاوضاع السياسية والاقتصادية في البلد المرشح انضمامه مشابهة للأوضاع في الدولة المكونة للمجلس وتنضوي تحت عبارات العطية الكثير من المتاهات والغموض وعدم الوضوح، وكأنه بذلك اراد ان يقول: ان من يحكم العراق ليس من النوع الذي ترضى عليه او تقبل به دول الخليج بشكل عام والسعودية بشكل خاص اذ ليس من المعقول منطقيا أن تكون الاوضاع السياسية والاقتصادية في بلد ما تتطابق من حيث الطبيعة التكوين ودرجة التطور والنمو والتوجه والأيدلوجية مع بلد اخر واذا كان ذلك امرا ضروريا فأين التطابق بين دول عربية تكون جامعة الدول العربية؟ بل اين التطابق بين ما عليه السعودية وما عليه سلطنة عمان او الاتحاد الإماراتي الفيدرالي او الكويتي؟ ثم اين التطابق بين كل اعضاء مجلس التعاون وانظمة الأردن والمغرب وهما من دول الألمعية السياسية والاقتصادية خصوصا المملكة الأردنية الهاشمية التي انطلقت من تحت الصفر وتواصل انطلاقاتها اعتمادا على ما لديها في كفاءة ومقدرة وإخلاص، وليس اعتمادا على ما يهبها النفط والغاز من عطايا وهبات بلا حساب تجعل الحجر ينطق ولكن ليس في بلدان الحقد والكراهية.

     ان الحقيقة المؤكدة والناصعة كالشمس، تؤكد اهمية وجود العراق في اي تجمع او تكتل خليجي وعدم وجوده يشكل خللا كبيرا في التوازن الإستراتيجي في المنطقة يعمل ويفعل بالضد من المصالح الحيوية للدول الأعضاء في المجلس، ولا تغير من هذه الحقيقة محاولات إبعاد العراق جغرافيا عن الخليج من خلال بعض الممارسات الصبيانية على مستوى سرقة أشبار وأمتار هنا او أميال هناك فالتاريخ يؤكد والحضور الستراتيجي الذي لابد له من ان يجد طريقه عاجلا او اجلا على ارض الواقع تجعل امكانية الالغاء او الإبعاد، غير ممكنة على الارض باي حال من الأحوال، وهذا ما اكدته الكثير من الدراسات الإستراتيجية فالعراق أحدى اهم رئتين يتنفس الخليج منهما: الاولى : العراق والثانية بلاد الشام. ولا يمكن باي حال من الاحوال الا ان يصح الصحيح ويتلاشى الخطأ في مجاهل الجهل وقصر النظر، فالعراق ما كان يوما على مدى التاريخ، يحتاج لدول الخليج باي شكل من الاشكال، ذلك ان العراق دولة متكاملة ونموذجية من كل مستلزمات قيام الدول، ولديها الكثير من عناصر الاعتماد على الذات ومعينها الذي لا ينضب تاريخ عمره أكثر من ستة آلاف سنة، يشهد أن العراق كان طوال الوقت قبل ظهور النفط ملاذا آمنا لشعوب الخليج العربي ودوله..لقد شكلت الاسباب والدوافع غير الإستراتيجية، خلفية الرفض الخليجي للعراق، وفي مقدمة الأسباب القراءة الطائفية، حيث اعتمدت على خارطة طائفية تشكل واقعيا سياسيا وهميا وتبسيطا، ليس لأنها خارطة شكلتها مصالح وغايات واهداف لا تمت للمنطقة بأدنى صلة وهي مصممة لان تنتهي لضياع حقيقي ومؤكد.. والمثير حقا للدهشة ان معيار القراءة الطائفية لخارطة المنطقة السياسية تكاد تكون حكرا على العراق، فرغم كل ما يقال وما يحدث من احتقانات في العلاقات الخليجية الايرانية، فان العلاقة بين الطرفين مازالت جيدة وتمر بين حي وآخر بحالات صفاء لا تتأثر الا عندما تزداد الضغوط الامريكية والاسرائيلية عليهم.. ولعل حضور احمدي نجاد الرئيس الإيراني الحالي، للقمة الخليجية في العاصمة القطرية، الدوحة في 2007 خير دليل على ما تتمتع به العلاقات الإيرانية الخليجية من جوانب اعتبارية مقدرة من قبل دول الخليج العربية.. وحتى عندما احتجت الامارات على ايران بسبب زيارة نجاد لجزيرة ابو موسى، فان الدول الاخرى دست رؤوسها في الرمال وكأنها لم تسمع ولم تر  ولم يغير من هذه الحقيقة بعض الاعتراضات الخجولة. 

    بالطبع لابد من أن ننبه الى حقيقة تلك هي ان العراق كان ومازال لا ينظر الى اية عملية تطوير لمجلس التعاون الخليجي، بريبة او خشية او توجس، فالعراق لا يعتبر وجود المجلس وجودا عدوانيا يستهدف أمنه او مصالحه الحيوية، غير أنه يرى أن وجود المجلس وما يترتب على هذا الوجود أمورا تخص العراق وتعينه بشكل او بآخر مثلما يخصه اي موضوع اخر له صلة بالمحيط الذي يعيش فيه العراق ويتعايش، وتأسيسا على ذلك فليس معقولا أو مفهوما ان يكون هناك عمل جماعي أو جمعي لعدد من الدول، في محيط يخص العراق ويتعلق بمصالحه الحيوية وهو غير موجود ولا رأي له فيه ولعل مسألة البيئة واحدة من بين اهم القضايا التي ينبغي ان يكون له فيها رأي ودور ووجهة نظر. 

    الذي ينبغي ان تعيه دول الخليج، هو ان تتفادى ان تكون كما كان صدام حسين يتبنى مبدأ رفض التعاون لأنه لا يفهم الأمور إلا من زاوية الحكم والتحكم في الآخر المخالف، وان تدرك حقيقة ان العراق ووفق التحليلات وما يدور خلف الكواليس السياسية اخذ بدور مستقبلي رغم صعوبة الظروف المحيطة به، وتكريسا لهذه القراءة، جاء المشروع الكويتي الواعد بقيام إطار تعاوني لدول شمال الخليج، في محاولة لتبني كتلة دولية خليجية تطل من خلالها المنطقة على انفتاح اقتصادي وسياسي يحمل الخير للجميع ويعرض للعالم متنفسا جديدا لنشاط اقتصادي وإجماعي وسياسي واعد، وما عقد قمة بغداد إلا دليل آخر على ما ينتظر العراق في المستقبل من مهمات كبيرة على الصعيدين الدولي والاقليمي. وبعيدا عن كل شيء، لابد من أن نتساءل بوضوح وصراحة، هل ثمة بديل عن التعاون مع العراق..؟ هل في وسع احد إلغاء وجود العراق..؟ نعم البعض يراهن على التقسيم.. وهذا رهان قاصر غير ناضج،، لعدة أسباب منها مثلا: 

    اولا: التقسيم لا ينهي الوجع العراقي الذي تشكو فيه دول الخليج بنسب متفاوتة. وذلك لان الجزء الجنوبي من العراق هو الجزء الذي يسبب هذا الوجع استنادا لخرائط الخليج الطائفية وهذا الجزء سيكون الأقوى عندما تتهيأ له فرصة الابتعاد عن مشاكل التعددية الدينية والمذهبية والاثنية. 

    ثانيا: ان التقسيم يخلق ظروفا كارثية في مجال سقوط قدسية الخرائط السياسية للدول التي انبثقت قبل وبعد حرب العالمية وتنظم واقعها معاهدات سايكس بيكو وساند ريمو، ثم يالطا ومالطا وغيرها بعد الحرب العالمية الثانية، وسيفتح ذاك أبوابا تتسلل منها قوى التغيير في ربيع يمتد باتجاهات مختلفة تغرق ببحور من الدماء. 

    وثمة من يراهن على استمرار ضعف العراق واستنزاف قدراته بتوترات وأزمات داخلية وخارجية لتغذية هذه الأزمات بجروح ملتهبة تتناسل فيها القيح وتتبدد الثروات وتهدر الطاقات وتضيع الفرص!! فيما يراهن اخرون على حرب اهلية طاحنة ويقودها (الأكراد والشيعة والسنة) ونتائجها الدمار والخراب.. ومن اجل ذلك تبذل الأموال وتحاك المؤامرات وتجند الخبرات. 

  • حلف بغداد أنموذجاً .. نظام امن إقليمي ضرورة وطنية وإقليمية لابد منها من يزايد على من؟! والكل أيديهم في النار !!

    تتدهور الأوضاع في منطقة تعتبر من اهم مناطق العالم حيث تتصاعد حدة الازمات والاختناقات التقاطعات. وتزداد يوما بعد يوم نذر اندلاع المزيد من الأخطار الجسيمة المهددة باندلاع صراعات تعيد الاوضاع الى ماكانت عليه في ثمانينات القرن الماضي حيث كانت الحرب العراقية الايرانية تحصد آلاف الابرياء وتعرض الامن الوطني لكلا البلدين الى افدح الاخطار واسوء العواقب. فالقصف التركي للأراضي العراقية المتواصل واختراق اجوائه الاقليمية من قبل الطيران التركي، يتزامن مع افعال واعمال مماثلة تقدم عليها ايران. وما يجري الان في سوريا لا يتشكل بعيدا عن مجمل الاوضاع السادة في المنطقة.. حيث غياب التفاهم والتعاون الجدي والواضح بين الدول المعينة والتي أغواها الغرور وسطحية الفهم والانانية وتدني الكفاءة المصحوب باعتداء غير واقعي بالنفس مع ميل للاطماع التوسعية التاريخية مستحيلة التحقق. 

    وكل ذلك يضع الجميع امام مسؤولية البحث الجدي والحقيقي عن كل مايؤدي الى تطبيع العلاقات وارسائها على اسس تضمن الحفاظ على امن واستقرار الجميع بعيدا عن المساس الخطير بأسس وقواعد الامن الوطني وبالتالي الأمن الإقليمي في الحاضر والمستقبل.

    ان ما يجري الآن في المنطقة يماثل ما كان يجري في مرحلة مابعد الحرب العالمية الثانية حيث ظهرت حالات التخبط والضياع والانقلاب نتيجة خروج الدول الكبرى والدول المشاركة في الحرب بدمار كامل او شبه كامل فكانت في امس الحاجة لفترة اعادة تنظيم وترتيب وانتشار.

    هذا الى جانب التدني المستمر في قدرات وامكانيات الدول المشاركة في الحرب وخصوصا الاوربية منها. الامر الذي فرض على دول المنطقة التفكير الجدي في ايجاد منظومة امن اقليمي قادرة ومقتدرة، ولم تجد بدا من اشراك دول من خارج الاقليم كاميركا وبريطانيا في هذه العملية.

    ورغم الحماس الذي اظهره سياسيون من دول المنطقة في مؤتمر باندونغ في 19 آذار عام 1951 في تبني فكرة الحياد حيث اصدروا بيانا خطيرا عن الحياد حذروا فيه من الانحياز الى اية كتلة من الكتلتين المتنازعتين سواء كان ذلك في الحرب الباردة القائمة آنذاك ام في اي صدام مسلح محتمل قد يقع في اية لحظة. بيد ان هناك من لاذ في الصمت وهو يرى بأم عينيه كيف ان اسس وقواعد السلام والأمن تتداعى وتحتل تحت انفراط عقد التفاهم والحوار والتعاون في كافة المجالات والأوضاع التي تستدعي ذلك، وبوجود الضمانات الدولية القادرة على اعادة الحق لأهله وعدم السماح لحالات التفرد والتجاوز المزاجي الانفعالي او وفق منظومة الفعل ورد الفعل. ومن بين هؤلاء عدد من المسؤولين في العراق يتقدمهم نوري السعيد وفاضل الجمالي وفي تركيا وإيران، كانوا يتحينون الفرصة للاقدام على خطوة لابد منها لتحقيق الاستباب الامني، والاستقرار الاقتصادي والسياسي والانفتاح باتجاه التطور والنمو والخروج من عنق الزجاج الى العالم الرحب.

    لم تكن الساحة السياسية العراقية خالية من مغصات لنوري السعيد، فظهور التيار المؤيد لعلاقات متطورة مع الولايات المتحدة الاميركية، كبديل عن الاعتماد العراقي على لندن، اوجد خللا كبيرا في التوازن الذي يميل لصالح نوري السعيد. بيد ان القاسم المشترك الاعظم، هو الذي جعل نوري السعيد يتحمس على نحو غير مسبوق لفكرة قيام حلف إقليمي يشكل قاعدة قيام نظام امن إقليمي جديد. رغم ان السياسية البريطانية لا تحبذ فكرة قيام الأحلاف، بخلاف السياسة الاميركية التي كرست جهودا ضخمة من اجل قيام عدة أحلاف مهمة في العالم كحلف الناتو وحلف جنوب شرقي آسيا وحلف بغداد وحلف الناتو وغيرها.

    لقد كان تكليف الدكتور محمد فاضل الجمالي تشكيل وزارته الاولى في 17 ايلول 1953 بداية العمل الجاد باتجاه اظهار فكرة قيام نظام امن اقليمي جديد الى حيز العمل، رغم ان هذا التكليف حمل ايضا بداية صراع محتدم بين تيارين متعارضين متناقضين تيار يمثل التوجه نحو اميركا واخر محافظ يريد التمسك بالعلاقة التقليدية مع بريطانيا. ومن هنا فقد استقبل نوري السعيد هذا التغيير بموقف الرفض ثم الزعل والسفر الى خارج العراق، وكانه بذلك يريد ان يقول : (لا عين تشوف.. و لا قلب يحزن) فضلا عن انه اراد ان يضع بريطانيا امام الحقيقة التي بات يخشاها ويخافها محذرا ومنبها، من أن المصالح البريطانية في العراق باتت في خطر حقيقي.

    وهكذا بدا واضحا ان اميركا انتصرت في صراعها مع بريطانيا وبات مفهوما تماما انها قد ملأت الفراغ.. شاء ذلك نوري السعيد او رفضه. ولم تكن زيارة جون فوستر دالاس وزير الخارجية الاميركي للعراق في 17 مايس 1953، الا تأكيدا واضحا لهذا الانتصار الذي تعزز بوصول الدكتور فاضل الجمالي الى رئاسة الوزراء بطريقة فاجأت الجميع باستثناء أولئك الذين كانوا على علم بما يجري خلف الكواليس، خصوصا بعد أن اضحى الأمير عبد الاله ولي العهد واحدا من بين ابرز المتحمسين لعلاقات عراقية أميركية بديلة عن علاقات عراقية بريطانية وان الاجتماعات التي كانت تعقد في البلاط برعايته كانت تمهد الطريق بهذا الاتجاه وتهيأ الأجواء لهذا التبدل. وكانت زيارة ولي العهد الأمير عبد الاله لواشنطن احد ابرز إجراءات التهيئة والإعداد.

    لقد أدركت بريطانيا حجم وعمق الصراع الدائر في بغداد بين هذين التيارين فضلا عن امور اخرى تشكل في مجموعها وضعا متوترا مشدودا يهدد بأوخم العواقب واشد النتائج سوءا خصوصا بعد ان اشتد الخلاف بين بغداد والقاهرة على خلفية النزاع بينهما على الدور المحوري في المنطقة. من هنا اوعزت الى سفيرها في بغداد، بان يعمل جاهدا من اجل اقناع الأمير عبد الإله بضرورة واهمية مصالحة نوري السعيد والسعي الى اعادته الى بغداد والعمل على تسوية الخلاف، وبالفعل حصل ذلك واقتنع الأمير بالموضوع وهكذا سافر الأمير إلى باريس التي غادر اليها نوري قادما من لندن وهناك تمت تسوية الخلافات، وفي مقدمة تلك الخلافات موضوع قيام نظام امن إقليمي يضمن الأمن والاستقرار والسلام والتطور للدول المنضوية إليه وقد تم اللقاء بحضور احمد مختار بابان. مؤكدا وحدة التوجه العراقي للاستفادة من كل عناصر القوة والقدرة والتمكن المتاحة لصالح العراق شعبا ومملكة. ومن غير المسموح به تغليب الرؤى الشخصية والاجتهادات الذاتية على وجهة النظر او الرأي الجمعي. وهكذا بدأ نوري السعيد يضع اسس قيام هذا النظام بالتعاون مع الدكتور فاضل الجمالي من خلال وزارته الثانية عشرة التي ألفها بعد رجوعه من منفاه الاختياري الى العراق في آب 1954 حيث استمرت هذه الوزارة في الحكم ثلاث سنوات وهي اطول مدة قضاها رئيس وزراء في الحكم الملكي، مبرهنا خلالها على تضامن حقيقي لجهود جميع التيارات الوطنية العراقية بصرف النظر عن اجتهاداتها لخدمة العراق وتحقيق كل مايؤدي الى ذلك. وهكذا شمر الجميع عن سواعدهم لايجاد ارضية صالحة لتحركات الحكومة في إطار تنفيذ خطة استهدفت اخضاع كل الاجراءات والترتيبات الامنية للمصلحة الوطنية العراقية والاقتناع عن كل فعل او عمل لا يحقق ذلك قد توقفت موقفا سلبيا من مشاريع (النقطة الرابعة) و (فولبرايت) ورفض (فكرة اقامة قيادة الشرق الأوسط الموحدة) ورفض (المعاهدة الثنائية) ورفض مشروع جون فوستر دالاس (بإنشاء منطقة دفاعية تشترك فيها: تركيا وايران والعراق وباكستان وافغانستان ويطلق عليها (الحزام الشمالي).

    لقد كان ظهور الحلف التركي – الباكستاني احد أهم مؤشرات نضوج فكرة قيام منظومة الامن المطلوبة التي تخدم قضايا المنطقة أولا دون التورط في عمليات تخدم ظروف وأوضاع الحرب الباردة والتنافس أو التنازع بين الدول الكبرى. خصوصا وان دول المنطقة تعي تماما مسألة ان الامن الاقليمي مسؤولية الجميع وان الامن الوطني مرتبط ارتباطا عضويا بالأمن الجماعي لدول المنطقة وإن أي تهديد للأمن الوطني هو تهديد للأمن القليمي بصرف النظر عن طبيعته ومصدره. ذلك ان تشابك المصالح وتماثل مصادر التهديد وتشابه التحديات والمشاكل والامتدادات الطبيعية بين مكونات السكان في جميع الدول المكونة للإقليم الذي يتواجد فيه العراق.

    لقد بدأ البحث الجدي في موضوعتي الأمن الوطني والامن الاقليمي يطرح نفسه بقوة على أرضية الواقع العراقي بكل ابعداه ومكوناته وأطيافه. وقد اتجه هذا البحث والحوار باتجاهين مهمين: الأول، يقول ان الدفاع عن استقلال العراق وسيادته ووحدة اراضيه واجب طبيعي وحق مشروع وفرض وطني. وهو ينحصر بالعراق اولا واخيرا. ويترتب عليه النهوض بهذا العبء وتهيئة كل السبل والوسائل الكفيلة بتحقيق القدرات والامكانيات التعبوية والاستراتيجية من حيث الاسلحة والمعدات والدعم اللوجستي وكل ما يلزمه في الحاضر والمستقبل مع تامين مستلزمات حفظ الحقوق المادية والعينية للعراق وتحديد أوليات المصالح العليا للبلاد للذود عنها. والاستفادة القصوى من إقرار الامم المتحدة بالحق الطبيعي للدول (فرادى وجماعات) في الدفاع الشرعي، فمن الضروري ايجاد الوسائل الممكنة والناجحة في مجال تأمين الاحتياجات الضرورية لتحقيق دفاع ناجح عن السيادة والوجود.

    الثاني: لقد وجد هذا الاتجاه ان الاهتمام بتعزيز وترصين إمكانيات منضومة الأمن الوطني لا يتناقض او يتعارض مع الامن الاقليمي بل ان ايجاد نظام امن اقليمي من شأنه دعم وتعزيز الامن الوطني، وذلك لوجود قواسم مشتركة بين عدد كبير من دول المنطقة في ما يخص الامن وفيما يخص التعاون ايضا في مجال الاستثمار والبحث العلمي ومقاومة الآفات الزراعية والقضاء على التهريب بكل انواعه وبشكل خاص تهريب المخدرات وغسيل الأموال وترويج العملة المزورة والاستغلال الامثل للموارد المائية وتفادي كل ما ؤدي الى تأزيم العلاقات وتوفير مناخات الازمات والصراعات الجانبية وتفادي الصدامات المسلحة بكل انواعها وسباقات التسلح والعسكرة وغير ذلك. خصوصا وان العراق خرج من حيث المبدأ من محيط الامن والوطني الى الأمن القومي بدخوله في معاهدة الدفاع العربي المشترك. وهذا يشجع على إيجاد علاقة بين جماعة الميثاق العربي، وجماعة ثانية ذات علاقة بالمنطقة المطلوب الدفاع عنها. جغرافيا واقتصاديا وسياسيا وتاريخيا وبشريا.

    وقد أضاف هذا الاتجاه بعدا آخر لا يقل اهمية عن الابعاد الاخرى تلك ان رفض التمديد على المعاهدة العراقية – البريطانية التي تنتهي في عام 1957 يتطلب الاستناد الى منظومة امن اقليمية تستند عليها أسس وقواعد الاعتماد على النفس في الدفاع عن سيادة ووحدة العراق شعبا وأرضا والوقوف بوجه الأطماع من اية جهة جاءت ولأي غرض صارت.

    هذه باختصار شديد الارضية التي وقفت عليها السياسة العراقية والساسة العراقيين وهذا لا يعني انعدام وجود معارضة لهذين الاتجاهين.. فقد امتلأ الشارع السياسي بمواقف متباينة ومتعارضة ولأسباب مختلفة. قسم منها للمزايدة واخرى للمتاجرة وثالثة لأجندات خارجية كانت ترى أن ظهور منظومة امن لدول المنطقة معناه نجاتها من الستراتيجيات.

    وهكذا شرع المشاركون في الحلف بترتيب اوضاع الحلف من الداخل. حيث اتخذ له مقرا في العراق وتم تعيين هيكل الحلف ولجانه ومراكز البحث التابعة وسكرتاريته واجهزته الاخرى. وتوالت اجتماعاته ولقاءاته ومحاضر جلساته وخططه الانبية والمستقبلية وخصوصا على مستوى التنسيق والتكامل بين الدول الاعضاء وتحديد احتياجاته والتحديات التي يواجهها وسبل التصدي لها وكيفية التغلب على المشاكل التي تعاني منها الدول الاعضاء ووضع الخطط اللازمة لقيام تعاون اقتصادي وعلمي وسياحي وسياسي مثمر وقائم على اسس وثوابت راسخة وثابتة وكيفية الاستفادة من الخصاص الجيو سياسية التي تتمتع بها المنطقة وقربها من اوربا ومن البحرين الابيض والاحمر وبحر قزوين والبحر الاسود.

    يقول سفير الولايات المتحدة الاميركية في العراق انذاك Gall man في كتابه Irak nder General narl ص128 : ان العراق حاول ان يضرب اكثر من عصور في ايجاد مثل هكذا حلف. منها:

    1- انه اراد اولا ان ينتصر للعلاقة الوطيدة والعريقة بينه وبين بريطانيا ويهمش اميركا التي لم تتردد من الرد على هذه المحاولة بالوقوف الى جانب عبد الناصر في العدوان الثلاثي عام 1956.. وقد كانت هزيمتها في ذلك العدوان. نهاية وجودها في الشرق الاوسط.

    2- انه اراد السيطرة والهيمنة المعلوماتية على جيوش دول لها فيه مطامع وتوجد لديها خطط للوصول الى تلك الاطماع.

    3- انه اراد ان يكسر التحديات التي يواجهها بواسطة هذا الحلف وهي كثيرة. كمصر عبد الناصر، والسعودية والاكراد واسرائيل وسوريا.

    4- انه اراد ان يحمي ثرواته الكثيرة والمتنوعة والمثيرة للشهية

    ذلك هو التشخيص الواقعي والحقيقي لما حصل. وان هو لايخلون من بعض المبالغات، فالحلف لم يحقق الفوائد الايجابية للعراق وحسب، بل ان الجميع انتفع بشكل مباشر وغير مباشر فقد كان ضرورة قصوى للجميع ولعل مانحن فيه الان – واعني بـ (نحن) كل الدول التي ساهمت في قيام الميثاق – يوكد ذلك ويغرض الجميع العودة اليه لتفادي ماهو افضع واشنع واسوء

    ان اولئك الذين يوغلون اكثر فاكثر في الامعان بسياسة الانفراد لتحقيق الاطماع التوسعية. عليهم ان يدركوا حقيقة انهم يحاولون اطفاء الحرائق ببراميل البارود. متناسين حقيقة ان لاسبيل للوصول الى الاستقرار السياسي والهدوء الامني والانفتاح باتجاه الاستفادة القصوى في كل الامكانيات المتاحة في المنطقة ليعم الازدهار والتقدم والرفاهية من خلال التعاون البناء المجسد بمنظومة امنية اقليمية تحقق كل ماترجوه وتتمناه شعوب المنطقة الذي ترى انها مهددة في الوقت الحاضرة بانقلاب امني لن يبقى ولن ينذر. بالطبع ليش ضروريا استنساخ التجربة السابقة في مضمار الامن الاقليمي بل ربما ليس من الضروري ان يكون هناك حلف او ميثاق. بل كل ماهو ضروري في الوقت الحاضر ان يكون هناك لقاء منظم يستوعب مهمة تطبيع العلاقات وارسائها على ثوابت تسهم في قيام انفتاح مباشر بين هذه الدول تحت اي مسمى كان يعمل على تفادي اخطار الانجرار الى صراعات ثنائية او ثلاثية او جناعية بين دول المنطقة تكون حصيلتها المأسي والدمار والخراب.. والحرب العراقية الايرانية التي استمرت ثمان سنوات وحصدت مئات الالاف من البشر وعرضت امن واستقرار واستقلال البلدين لاخطار حقيقة. وما يجري الان على الحدود السورية التركية والحدود العراقية التركية والحدود العراقية الايرانية خير تعبير دقيق عن الحاجة الفعلية للتفاهم المبني على الفهم الدقيق والواقعي بحجم المخاطر الانية والمستقبلية، بعيدا عن المزايدات الطفولية والرؤية المغرورة.